الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر اللَّه تعالى في الآيات السابقة أن اللَّه تعالى هو الذي يحكم بين الكافرين والمؤمنين فيما خالفوا فيه، ويحكم بين الكافرين صت أهل الكتاب فيما يختلفون فيه فيما بينهم، وكل باطل، بعد هذا الذي ذكره سبحانه بالعبارة وبالإشارة ذكر أنه حكم عالم لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فقال عز من قائل:
(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
(70)
.
(أَلَمْ تَعْلَمْ) معناها: قد علمت، وبينا كيف استخلص ذلك المعنى السامي، الاستفهام الإنكاري الداخل على فعل منفي، وسياق القول: قد علمت يا محمد علما مؤكدا يقينيا (أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) من عقلاء وأناس مكلفين، وما مكَّن لهم فيهما، وماذا فعلوا فيما سخر لهم، فإذا كان هو اللَّه الذي يحكم بينهم فحكمه هو الفصل، وهو خير الفاصلين، وإنه مع علمه سبحانه المحيط، قد سجل ذلك في كتاب وهو اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الذي لَا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وقد بين اللَّه تعالى الحكم والإحصاء في كتاب سهل يسير على اللَّه تعالى، فقال تعالت كلماته:(إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير)، أي سهل لَا يحتاج إلى معاناة من اللَّه العلي الكبير، بل إنه سهل عليه سبحانه، وإن الحكم الفاصل يقع منه في ساعات أو لحظات.
هذا هو الحق، وإنه سيلاقيهم يوم يعلم كل إنسان ما قدمت يداه، ولكن المشركين في عماء عن الحق؛ ولذا قال تعالت كلماته:
(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ
(71)
الضمير في (وَيَعْبُدُونَ) يعود إلى الكافرين الذين سيطرت عليهم الأوهام والأهواء والتقليد، فيعبدون ما لم تنزل به حجة ترشدهم إلى عبادته، والسلطان في قوله:(مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا)، أي حجة نقلية نزلت من عند اللَّه تعالى، وسميت سلطانًا؛ لأنها تكون قوة تجعل لمن نزلت له قوة تجعل ما عنده قويا
كالسلطان ولكن لم ينزل شيء من ذلك، وإذا كان لم ينزل دليل نقلي من عند اللَّه بعبادته، هل لديهم برهان عقلي ينتج يقينا؛ نفى اللَّه تعالى ذلك أيضا فقال تعالى:(وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ)، أي ليس لهم به برهان عقلي يسوغ عبادتهم، بل إن البرهان العقلي يؤدي إلى نقيضه؛ لأنه لَا يسمع ولا يبصر، والقانون العقلي يوجب أن يكون المعبود أعظم من العابد، فكيف يعبدون جمادًا، وهم أحياء، وهو لا يعقل، وهم يعقلون؟!!.
إذا لم يكن عندهم دليل من عند اللَّه أنزله فكان لهم سلطان، ولا علم عقلي فإن ذلك يكون ظلما؛ ولذا ختم اللَّه سبحانه الآية الكريمة بقوله تعالى:(وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ)، وإذا كانوا يعبدون ما لَا دليل عليه من نقل أو عقل، ويشركون مع خالقهم في العبادة، وهو الواحد الأحد، فإن ذلك لأنفسهم ولقولهم ضلال وفساد، وقد نفى اللَّه تعالى أن يكون لهم نصير أيَّ نصير؛ إذ لَا يمكن أن يكون نصيرا أمام قوة اللَّه.
ومن لاستغراق النفي أي ليس نصير أيَّ نصير من ملك أو إنسان.
ونشير هنا إشارة بيانية في قوله تعالى: (وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ) فيه أن كلمة (لَهُم) قدمت على (عِلْمٌ)، وهي المبتدأ؛ للدلالة على أنهم تهجموا من غير علم فقدَّم عقابه في الاهتمام، وللدلالة على ضلالهم، وقدم (بِهِ) على (عِلْمٌ) للدلالة على إمعانهم في الضلال وظلمهم للحق، والله وليُّ المؤمنين.
وإن هؤلاء الذين سيطرت عليهم الأوهام، وتحكمت فيهم الأهواء والتقليد الأعمى لَا يلقون آيات اللَّه تعالى بما يستحق من عناية، بل يقابلون بالاستنكار والسخرية، فلا يهتدون ولا يفتحون قلوبهم لدخول الهداية، ولذا قال تعالى عنهم:
(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72)
إن حال هؤلاء الذين يعبدون من دون اللَّه ما لَا دليل عندهم يسوغ عبادته إلا أن تكون الأوهام التي تضلل الأفهام - من شأنهم ألا يستمعوا إلى الحق، بل يعرضون عنه إعراضا؛ ولذا قال عز من قائل:(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِف فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ) الآيات هنا آيات القرآن المنكرة فإذا تتلى عليهم تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر - يصح أن يفسر المنكر هنا بالإنكار ويكون من قبيل المصدر الميمي، كالمكرم بمعنى الإكرام، وتكون معرفة الإنكار من الوجوه بالتهجم، والغيظ، ويصح أن يكون المنكر هو حال وجوههم من التغيظ والبسور، والاستفظاع، وسميت هذه الحال، (الْمُنكَرَ)؛ لأنها في ذاتها أمر منكر، إذ لا يتلقون الحق بالتفهم والتدبر، بل يبادرون برده ردا عنيفا مستكبرين، قد غلظت أعناقهم، وتجهمت وجوههم (يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا) السطو: الوثب للفتك بالذين يتلون، كما حاولوا أن يسطوا بأبي بكر الصديق، وكما حاول الجاهلون بالسطو على المستضعفين من المؤمنين، وقال تعالى:(يَكَادُونَ يَسْطُونَ)، مع أنهم سطوا بالفعل، ونقول: إن ذلك حكم عام، والسطو الفعلي كان من بعضهم، لَا من جميعهم، وما كان من التلاوة فقط، بل كان من اعتناقهم الإسلام مع هذه التلاوة، فالمقاربة بالنسبة لجميعهم، لَا بالنسبة لبعضهم.
وقد أمر اللَّه تعالى نبيه الكريم أن يقول لهم: (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، الإنباء الإخبار بأخبار خطيرة لا
تسرهم بل تضرهم، والتنبيء كالإنباء بيد أن اللفظ ينبئ عن خطر ما تضمنه، و " الفاء " في (أَفَأُنَبِّئُكُم) فاء الإفصاح عن شرط، تقديره مثلا أئذا كنتم تتجهمون من التلاوة أفأنبئكم بشر من هذه التلاوة، وهذا نوع من التهكم بهم وإنذارهم بالإنذار الشديد، والعقاب العتيد، وبيان لمقابلة التهجم من القرآن والإعراض عنه بأنه يستقبلهم بما يوجب الغيظ والتجهم، والبسور أشد وأفظع، وهو النار أنذر اللَّه تعالى بها الذين كفروا، وعبر بالموصول للإشارة إلى أن الصلة وهي الكفر، والإعراض عن الآيات البينات (هى سبب الحكم)، وإنها نار لَا نهاية لعذابها، بل