الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد يقال: لم يذكر سبحانه أنه وهب له إسماعيل وهو أكبر من إسحاق، ويظهر أن ذلك كان وهو مقيم وحده مع أمه هاجر في مكة، فلم يكن له أنس القرب، إلا بعد أن ذهب إليه وأخذا ببناء الكعبة كما قال تعالى:(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
وقد ذكر سبحانه وتعالى كمال البيان في أسرته الموحدة، فقال تعالى:
(وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا
(50)
الضمير في (لَهُم) يعود إلى إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ولم يذكر الموهوب إعلاء لشأنه ولفخامته، وحسبه أنه هبة اللَّه، وأنه من رحمته سبحانه، فكان العقل يذهب في تقديره أعلى المذاهب التي تليق بهبة اللَّه ورحمته، فهي تشمل النبوة، وتشمل الأموال، وتشمل الجاه والسلطان، وتشمل العزة والكرامة، والعلو في الأرض ووراثتها، والإمامة فيها وكل ذلك كان في ذرية إبراهيم، وفي إسحاق ويعقوب والأسباط.
النعمة الثانية التي أنعمها على إبراهيم وذريته هي قوله تعالى، (وَجَعَلْنَا لَهُمْ)، أي لإبراهيم وذريته (لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا)، (لِسَانَ صِدْقٍ) من إضافة الاسم إلى وصفه، أي لسانا صادقا عليا، رافعا لهم، وليس خافضا لمآثرهم، والمراد الكلام الطيب والذكر الطيب، من قبيل إطلاق الآلة على ما يكون، فأطلق اللسان وأريد الكلام، وهذا استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام إذا قال في دعائه عليه السلام (وَاجْعَل لِّي لسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ). وقد آتي اللَّه إبراهيم ذلك فقال تعالى:(. . . وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرج مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ. . .)، وقال تعالى:(ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتًّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
* * *
أنبياء من ذرية إبراهيم عليه السلام
قال اللَّه تعالى:
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)
* * *
الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم، أمره سبحانه أن يذكر من ذرية إسحاق ويعقوب موسى وهارون، ومن ذرية إبراهيم إسماعيل وهو أبو العرب ونبي العرب، ومن ذريته محمد صلى الله عليه وسلم، وذكر في البشارة به على أنه من أولاد عم بني إسرائيل لأنه أخو إسحاق وهو الكبير، والكتاب هو القرآن، وإذا أطلق الكتاب انصرف إليه؛ لأن المطلق ينصرف إلى الفرد الأكمل، والأكمل بين الكتب هو القرآن، لأنه كتاب اللَّه تعالى بلفظه ومعناه (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194)، وإن الله أمر نبيه أن يذكره في القرآن؛ لأنه سجل الأنبياء ومعجزاتهم، وأخبارهم لَا تعرف بطريق متواتر من غير تغيير ولا تبديل إلا عن طريقه. وكذلك معجزاتهم، فإنها أحداث تقضت في وقتها وما عاينها من الأخلاف أحد، ولكنها سجلت في القرآن المتواتر المحفوظ بوعد اللَّه العظيم:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، وإن اللَّه لَا يخلف الميعاد وذكر موسى هنا في قوله تعالى:
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا).
ذكر موسى هنا لناحية معينة فيه وهي أنه من ذرية إبراهيم، وقد وعد اللَّه إبراهيم أن يؤنسه بأولاده وذريته عندما اعتزل أهله وما يعبدون فكافأه اللَّه تعالى بأنس الولد والذرية، واستجاب دعاءه أن يجعل له لسان صدق في الآخرين، وكان من هذا اللسان الصادق أن يكون له ذرية من الأنبياء فكان منهم من أولي العزم موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم.
وفى هذا الجزء من قصص موسى ذكر ما لم يذكر في مواضع كثيرة من قصصه، وهو صفته التي كانت من أبرز صفاته أنه كان مخلصا، قرئ (مخلِصا) بكسر اللام، و (مخلَصا) بفتحها والقراءتان متلاقيتان، فقراءة الكسر معناها أنه أخلص نفسه للَّه، وبدا ذلك في حياته، فقد نشأ في بيت فرعون رافغا بعيشه مستمكنا بسلطان، ومع ذلك نفر من دينه وملته ورضي بأن يكون من بني إسرائيل المستزلين المستضعفين في أرض مصر (. . . يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيونَ نِسَاءَكُمْ. . .)، ثم هاجر ابن النعمة الفرعونية إلى حيث يستأجر زارعا كادحا، فأي شيء يدل على الإخلاص أكثر من هذا.
وعلى القراءة الثانية، وهي قراءة فتح اللام يكون المعنى أن اللَّه تعالى أخلصه له وجعله كليمه، وذلك ثابت من حياة موسى عليه السلام، فقد ولدته أمه في وقت فرعون وآله يذبحون أبناءهم، فألهم سبحانه أم موسى أن تضعه في تابوت وتلقيه في اليم، ويلتقطه آل فرعون ليكون في المستقبل عدوا لهم وحزنا، وقد أرادوه قرة عين لهم (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ)، أي أخته - (. . . هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحونَ)، وبذلك رجع إلى أمه وخلص لها فتربى في مهدها وكنف فرعون، وبذلك صنع على عين اللَّه، كما قال تعالى:(. . . وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)، فكيف بعدها لَا يكون مخلصا وخالصا للَّه، واختاره أن يكون له كليما.
وكلٌّ قراءة قرآن فيكون المعنيان مرادين بمجموع القراءتين، فهو مخلص في شخصه، وأخلصه اللَّه سبحانه لذاته العلية.