الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والكتاب كما ذكر هو القرآن وهو أكمل الكتب كما نوهنا، ولأن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فالكتاب يكون هو الكتاب الذي نزل عليه وهو القرآن، وقد ذكرنا وجوه كماله، وأنه سجل الأنبياء وشرائعهم الباقية ومعجزاتهم، ولا ترى لها مصدرا متواترا صادقا سواه، كما ذكرنا.
وقد وصفه الله تعالى بأربعة أوصاف تدل على الكمال الإنساني الذي لا يعلو عليه كمال.
الوصف الأول: أنه كان (صَادِقَ الْوَعْدِ)، أي إذا وعد لَا يخيس، ولا يكذب بل ينفذه، وكل الأنبياء كذلك ولكن وصف اللَّه به إسماعيل، لأنه كان أخص أوصافه واشتهر به، فإن إبراهيم أباه عندما رأى الرؤيا بذبح إسماعيل لم يجبن إسماعيل بل قال:(. . . سَتجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّه مِنَ الصَّابِرِينَ)، وصدق وعده، فاستعد لأن يذبح، وقال اللَّه تعالى:(. . . يَا إِبْرَاهِيمُ (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا. . .)، فهو الذبيح الأول، وصدق الوعد والوفاء به والرضا بتنفيذه وعدم الحيف فيه، وقد كان إسماعيل كذلك فيما وعد وأوفى.
الوصف الثاني: أنه كان (رَسُولًا نَّبِيًّا)، كما قال تعالى:(وَكَانَ رَسُولًا نَّبيًّا) فقد جاء بشرائع ومنحه اللَّه تعالى النبوة فقد كان ينزل عليه الوحي، ويكلمه اللَّه تعالى بإحدى طرق الكلام، كما قال تعالى:(وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسولًا. . .)، وقد يقال: إن شريعته كانت شريعة أبيه إبراهيم، ونقول إنه أرسل بها، ولا مانع من أن يخاطب بالشريعة الواحدة رسولان، وقد ذكر اللَّه تعالى أن إبراهيم كان رسولا وإسماعيل كان رسولا نبيا.
الوصف الثالث: وهو عملي لأنه
(وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ
…
(55)
إن إسماعيل عليه السلام كان حقا عليه أن يأمر قومه من العرب بالصلاة والزكاة، ولكن كان
عليه أن يبدأ بأهله وذوي قرابته والمتصلين به، ثم ينتقل إلى غيرهم مبتدئا بالأقرب فالأقرب، كما ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم لعشيرته الأقربين بأمر اللَّه تعالى في قوله:(وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215).
ومن العلماء من قال: إن أهله الذين اتبعوه أجمعون، وذلك القول له وجهه، وقد أمر نبي اللَّه إسماعيل عليه السلام بأمرين: بالصلاة، وهذا رمز للتهذيب للجماعة التي يدعوها والتربية الروحية التي تكون بالصلاة، وما يشبهها في روحانياتها، وتكون الركن الأول في المقاصد الدينية، ثم يجيء الأمر الثاني وهو الأمر بالزكاة، فإنها تكون الركن الاجتماعي الذي يكون به التعاون بين الجماعة في تحقق الركن الإنساني في الصلات بين الناس، وهذا يمثل الركن الثاني من المقاصد الدينية، ولا بد للثاني من الأول فهو لَا يتحقق على وجهه الأكمل إلا بالأول، فالأول هو الرباط الروحي، والثاني رباط مادي لَا يؤدي مؤداه إلا بتربية الروح.
الوصف الرابع: وهو أعلى الأوصاف التي وصف بها إسماعيل عليه السلام هو رضا اللَّه تعالى، فقد قال عز من قائل:(وَكَانَ عَندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا)" مرضيّ " اسم مفعول من رَضِي، وقد زكى اللَّه إسماعيل بأنه مرضي (عَندَ رَبِّهِ) فهو رَضِىٌ في ذاته ومرضي عند ربه الذي خلقه وكونه وقام على وجوده، وهذا أعلى ما يصل إليه المؤمن؛ ولذا قال تعالى بعد ذكر نعيم الجنة المقيم (. . . وَرِضْوَانٌ منَ اللَّهِ أَكبَرُ. . .)، فرضوان اللَّه أكبر من كل جزاء، ولذا قال:(وَكَانَ عَندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا) و " كان " في كل أوصاف الله تعالى للدوام والاستمرار، اللهم أدم علينا نعمتك وامنحنا رضاك.
* * *