الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة ست وثمانين وخمسمائة
دخلت والفرنج محدقون بعكا، والسلطان في مقاتلتهم، والحرب مستعر، فتارة يظهر هؤلاء، وتارة يظهر هؤلاء، وقدمت عساكر الأطراف مددا لصلاح الدّين، وكذلك الفرنج أقبلت في البحر من الجزائر البعيدة، وفرغت السنة والناس كذلك.
وفيها توفي أبو المواهب، الحسن بن هبة الله بن محفوظ، الحافظ الكبير، ابن صصرى التّغلبي الدمشقي [1] . سمع من جدّه، ونصر الله المصّيصي وطبقتهما، ولزم الحافظ ابن عساكر وتخرّج به، ثم رحل وسمع بالعراق من ابن البطّي وطبقته، وبهمذان من أبي العلاء الحافظ وعدة، وبأصبهان من ابن ماشاذه وطبقته، وبالجزيرة والنواحي، وبرع في هذا الشأن، وجمع وصنّف، مع الثقة، والجلالة، والكرم، والرئاسة عاش تسعا وأربعين سنة وكان ثبتا.
وفيها أبو القاسم سيف الدّين عبد الله بن عمر بن أبي بكر [المقدسي][2] الفقيه الحنبلي الإمام.
ولد سنة تسع وخمسين وخمسمائة بقاسيون، ورحل إلى بغداد، فسمع
[1] انظر «العبر» (4/ 258) و «سير أعلام النبلاء» (21/ 264- 266) .
[2]
انظر «ذيل طبقات الحنابلة» (1/ 371- 373) وما بين حاصرتين مستدرك منه.
بها من جماعة، وتفقّه، وبرع في معرفة المذهب والخلاف والمناظرة، وقرأ النحو على أبي البقاء، وحفظ «الإيضاح» [1] لأبي علي، وقرأ العروض، وله فيه تصنيف.
قال الحافظ الضياء: اشتغل بالفقه، والخلاف، والفرائض، والنحو، وصار إماما عالما ذكيا فطنا فصيحا، مليح الإيراد، حتّى إنني سمعت بعض الناس يقول عن بعض الفقهاء: ما اعترض السيف على دليل إلّا ثلم دليله.
قاله ابن رجب.
وكان حسن الخلق والخلق، أنكر منكرا ببغداد، فضربه الذي أنكر عليه، فكسر ثنيته، ثم إنه مكّن من ذلك الرجل، فلم يقتص منه، وغزا مع صلاح الدّين، وسافر إلى حرّان، فتوفي بها شابا في حياة أبيه، وتوفي في شوال، رحمه الله تعالى.
وفيها أبو العلاء نجم الدّين عبد الوهاب بن شرف الإسلام عبد الواحد بن محمد بن علي الشيرازي الأصل الأنصاري [2] شيخ الحنابلة بالشام في وقته.
قال ولده ناصح الدّين عبد الرحمن: ولد والدي سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، وأفتى ودرّس وهو ابن نيف وعشرين سنة إلى أن مات، وما زال محترما معظما قويا، ولما مرض مرض الموت، رآني وقد بكيت، فقال: أيش بك؟ قلت: خيرا، قال: لا تحزن عليّ أنا ما توليت قضاء ولا شحنكية، ولا حبست ولا ضربت، ولا دخلت بين الناس، ولا ظلمت أحدا، فإن كان لي ذنوب فبيني وبين الله عز وجل، ولي ستون سنة أفتي الناس، والله
[1] في «آ» و «ط» : «الإفصاح» وهو خطأ، والتصحيح من «ذيل طبقات الحنابلة» وهو لأبي علي الفارسي.
[2]
انظر «ذيل طبقات الحنابلة» (1/ 368- 371) .
ما حابيت في دين الله تعالى.
وكان الشيخ الموفق وأخوه أبو عمر إذا أشكل عليهما شيء سألا والدي، وتوفي ثاني عشري ربيع الآخر، ودفن بسفح قاسيون.
وفيها عز الدّين عبد الهادي بن شرف الإسلام الحنبلي.
كان فقيها واعظا شجاعا، حسن الصوت بالقرآن، شديد القوى، شديدا في السّنّة، تحكى عنه حكايات عجيبة في شدة قوته، منها أنه بارز فارسا من الفرنج، فضربه بدبوس فقطع ظهره وظهر الفرس فوقعا جميعا، وكان في صحبة أسد الدّين شيركوه إلى مصر، وشاهده جماعة رفع الحجر الذي على بئر جامع دمشق فمشى به خطوات ثم رده إلى مكانه، وبنى مدرسة بمصر، ومات قبل تمامها، وتوفي بمصر. وهو أخو نجم الدّين المذكور قبله.
وفيها علي بن محمد بن علي بن الزّيتوني [1] الفقيه الحنبلي، المقرئ الضرير، أبو الحسن، المعروف بالبرابدسي وبرابدس [2] قرية من قرى بغداد.
قال ابن القطيعي: سألته عن مولده فقال: ما أعلم، ولكني ختمت القرآن سنة ثمان وخمسمائة.
قال: وسمع من ابن الحصين وغيره، وتفقّه، وناظر، وأفتى، ودرّس.
وقال المنذري في «وفياته» : مولده سنة ثمانين وأربعمائة. انتهى.
وفيها أبو بكر بن الجدّ محمد بن عبد الله بن يحيى الفهري الإشبيلي [3] الحافظ النحوي. ختم «كتاب سيبويه» على أبي الحسن بن
[1] انظر «التكملة لوفيات النقلة» (1/ 131- 132) بتحقيق الدكتور بشار عواد معروف، طبع مؤسسة الرسالة و «ذيل طبقات الحنابلة» (1/ 366- 368) .
[2]
كذا في «آ» و «ط» وفي «ذيل طبقات الحنابلة» : «بالبراندسي، وبراندس
…
» .
[3]
انظر «العبر» (4/ 258) و «سير أعلام النبلاء» (21/ 177- 179) .
الأخضر، وسمع «صحيح مسلم» من أبي القاسم الهوزني [1] ، ولقي بقرطبة أبا محمد بن عتّاب وطائفة، وبرع في الفقه، والعربية، وانتهت إليه الرئاسة في الحفظ، وقدم للشورى [2] في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، وعظم جاهه وحرمته، وتوفي في شوال، وله تسعون سنة.
وفيها محيي الدّين قاضي القضاة أبو حامد محمد بن قاضي القضاة كمال الدّين أبي الفضل محمد بن عبد الله بن الشّهرزوري [3] الشافعي، تفقّه ببغداد على أبي منصور بن الرزّاز، وناب بدمشق عن أبيه، ثم ولي قضاء حلب، ثم الموصل، وتمكن من صاحبها عز الدّين مسعود إلى الغاية.
قال ابن خلّكان: قيل: إنه أنعم في ترسله مرة إلى بغداد بعشرة آلاف دينار على الفقهاء، والأدباء، والشعراء، ويقال: إنه في مدة حكمه بالموصل لم يعتقل غريما على دينارين فما دونها، بل يوفي ذلك عنه، وتحكى [4] عنه رئاسة ضخمة ومكارم كثيرة.
ومن شعره في وصف جرادة:
لها فخذا بكر وساقا نعامة
…
وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم
حبتها أفاعي الرّمل بطنا وأنعمت
…
عليها جياد الخيل بالرأس والفم
وتوفي بالموصل في جمادى الأولى، وله اثنتان وستون سنة.
وفيها محمد بن المبارك بن الحسين أبو عبد الله [5] بن أبي السعود
[1] تحرفت في «آ» و «ط» إلى «الهوازني» والتصحيح من «العبر» و «سير أعلام النبلاء» .
[2]
تحرفت في «ط» إلى «للستوري» .
[3]
انظر «وفيات الأعيان» (4/ 246- 248) و «العبر» (4/ 259) و «طبقات الشافعية» للإسنوي (2/ 101- 102) و «مرآة الجنان» (3/ 432) .
[4]
في «وفيات الأعيان» : و «يحكى» .
[5]
في «آ» و «ط» : «ابن عبد الله» وهو خطأ، والتصحيح من «العبر» و «سير أعلام النبلاء» .
الحلاوي الحربي [1] المقرئ. روى بالإجازة عن أبي الحسين بن الطّيوري وجماعة، ثم ظهر سماعه بعد موته من جعفر السرّاج وغيره، وعاش ثلاثا وتسعين سنة.
وفيها أبو الفضل مسعود بن علي بن النّادر البغدادي [2] . قرأ على أبي بكر المزرفي، وسبط الخيّاط، وكتب عن قاضي المارستان فمن بعده فأكثر، ونسخ مائة وإحدى وعشرين ختمة، وعاش ستين سنة، وتوفي في المحرم.
وفيها ابن الكيّال أبو الفتح، نصر الله بن علي [3] الفقيه الحنفي، مقرئ واسط. أخذ العشرة عن علي بن علي بن شيران [4] ، وأبي عبد الله البارع، وأخذ العربية عن ابن الشّجري، وابن الجواليقي، وتفقّه، ودرّس، وناظر، وولي قضاء واسط، توفي في جمادى الآخرة، عن أربع وثمانين سنة، وحدّث عن ابن الحصين.
وفيها زين الدّين يوسف بن زين الدّين علي بن كوجك [5] ، صاحب إربل وابن صاحبها، مظفر الدّين، مات مرابطا على عكا.
وفيها الفقيه نجم الدّين محمد بن الموفق الصّوفي الزاهد الشافعي الخبوشاني [6] . تفقّه على محمد تلميذ الغزالي، وكان يستحضر كتابه «المحيط في شرح الوسيط» وصنّف عليه كتابا سماه «تحقيق المحيط» ستة
[1] انظر «العبر» (4/ 259- 260) و «سير أعلام النبلاء» (21/ 131 و 150) .
[2]
انظر «العبر» (4/ 260) و «سير أعلام النبلاء» (21/ 150) .
[3]
انظر «العبر» (4/ 260) و «معرفة القراء الكبار» (2/ 559- 560) و «الجواهر المضية» (2/ 198) طبعة حيدر أباد.
[4]
تحرفت في «ط» إلى «بشران» .
[5]
انظر «العبر» (4/ 260) .
[6]
انظر «طبقات الشافعية الكبرى» للسبكي (7/ 14- 21) و «مرآة الجنان» (3/ 433) .
عشر مجلدا، وكان صلاح الدّين يعتقد فيه ويبالغ في احترامه [1] ، وعمّر له مدرسة الشافعي، فعمد إلى قبر ابن الكيراني الظاهري، وهو من غلاة أهل السّنّة فنبشه من عند الشافعي، وقال: لا يكون صدّيق وزنديق في موضع واحد، فثارت عليه الحنابلة بمصر، ووقع فتنة بسبب ذلك، ودفن نجم الدّين تحت رجلي الشافعي بينهما شباك، وكان يوصف بسلامة الباطن وقلة المعرفة بأحوال أهل الدّنيا. قاله ابن الأهدل.
[1] في «آ» و «ط» : «وكان صلاح الدين يعتقده» وما أثبته من «مرآة الجنان» .