الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة سبع وثمانمائة
فيها توفي محيى الدّين أبو اليسر أحمد بن تقي الدّين عبد الرحمن [1] بن نور الدّين بن محمد بن محمد بن الصّائغ الأنصاري [2] نزيل الصّالحية.
ولد سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، وسمع من الوادي آشي، وأحمد بن علي الجزري، وزينب بنت الكمال بعناية أبيه فأكثر، وسمع من زين الدّين بن الوردي، وعني بالآداب، وطلب بنفسه، وكتب الطّباق، وتخرّج بابن سعد، وتفرّد بأشياء سمعها، وسمع منه ابن حجر وغيره بدمشق، وكان عسرا في الرواية.
توفي في شهر رمضان.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن كندغدي [3]- بضم الكاف وسكون النّون ودال مضمومة وغين معجمة ساكنة ودال مهملة مكسورة، لفظ تركي معناه بالعربية ولد النهار- الإمام العلّامة الفقيه الحنفي.
ولد بالقاهرة، وكان أبوه علاء الدّين أستادار [4] للأمير آقتمر، وكان شهاب الدّين هذا يتزيّا بزيّ الجند، وطلب العلم، واشتغل على علماء عصره،
[1] في «إنباء الغمر» و «الضوء اللامع» : «أحمد بن عبد الله» .
[2]
ترجمته في «إنباء الغمر» (5/ 226) و «الضوء اللامع» (1/ 368) .
[3]
ترجمته في «إنباء الغمر» (5/ 227) و «الضوء اللامع» (2/ 64) و «الطبقات السنية» (2/ 12- 13) .
[4]
قال الشيخ محمد أحمد دهمان رحمه الله في «معجم الألفاظ التاريخية» ص (14) : الاستدار، بضم الهمزة، لقب مملوكي يطلق على القائم على شؤون الخاصة للسلطان.
وبرع في الفقه، والأصول، والعربية، وغير ذلك، وتفقه به جماعة، وصحب الأمير شيخ الصّفوي، ثم اختصّ عند الملك الظّاهر برقوق، وعظم في الدولة بذلك.
قال المقريزي: وكان يتّهم بأنه هو الذي رخّص للسلطان في شرب النّبيذ على قاعدة مذهبه، فأفضى ذلك إلى أن تعاطى ما أجمع على تحريمه، وقد شافهته بذلك فلم ينكره منّي، فلما كانت أيام الناصر فرج بعثه رسولا إلى تيمور بعد أن عيّنت أنا، فمات بحلب في شهر ربيع الأول وقد قارب الخمسين أو بلغها، وكان من أذكياء الناس وفضلائهم. انتهى.
وفيه تاج الدّين تاج بن محمود الأصفهندي العجمي الشّافعي [1] ، نزيل حلب.
قدم من بلاد العجم حاجّا، ثم رجع فسكن في حلب بالمدرسة الرّواحية، وأقرأ بها النحو، ثم أقبلت عليه الطلبة فلم يكن يتفرغ لغير [2] الاشتغال، بل يقرئ من بعد صلاة الصبح إلى الظهر بالجامع، ومن الظهر إلى العصر بجامع منكلي بغا، ويجلس من العصر إلى المغرب بالرّواحية، وكان عفيفا، ولم يكن له حظّ ولا يطلع إلى [3] أمر من أمور الدنيا، وأسر مع اللّنكية فاستنقذه الشيخ إبراهيم صاحب شماخي وأحضره إلى بلده مكرّما، فاستمر عنده إلى أن مات في ربيع الأول، وأخذ عنه غالب أهل حلب وانتفعوا به، وشرح «المحرر» في الفقه.
وتوفي عن ثمان وسبعين سنة.
وفيها تمر وقيل تيمور- كلاهما يجوز- ابن ايتمش قنلغ بن زنكي بن سيبا بن طارم طر بن طغربك بن قليج بن سنقور بن كنجك بن طغر سبوقا الطاغية تيمور كوركان ومعناه باللغة العجمية صهر الملوك [4] .
[1] ترجمته في «إنباء الغمر» (5/ 229) و «الضوء اللامع» (3/ 25) و «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة (4/ 23) و «بغية الوعاة» (1/ 478) .
[2]
في «ط» : «بغير» .
[3]
في «ط» : «على» .
[4]
ترجمته في «إنباء الغمر» (5/ 231) و «الضوء اللامع» (4/ 46) و «النجوم الزاهرة» (12/ 253) .
ولد سنة ثمان وعشرين وسبعمائة بقرية تسمى خواجا أبغار من عمل كشّ أحد مدائن ما وراء النهر وبعد هذه البلدة عن سمرقند يوم واحد. يقال: إنه رؤي ليلة ولد كأنّ شيئا يشبه الخودة تراءى طائرا في جو السماء، ثم وقع إلى الأرض في فضاء فتطاير منه شرر حتى ملأ الأرض، وقيل: إنه لما خرج من بطن أمّه وجدت كفّاه ملوءتين دما فزجروا أنه تسفك على يديه الدماء، وقيل: إن والده كان إسكافا، وقيل: بل كان أميرا عند السلطان حسين صاحب مدينة بلخ، وكان أحد أركان دولته، وإن أمّه من ذرّية جنكز خان، وقيل: إن أول ما عرف من حاله أنه كان يتحرم فسرق في بعض الليالي غنمة وحملها ليمرّ بها فانتبه الراعي ورماه بسهم فأصحاب كتفه ثم ردفه بآخر فلم يصبه، ثم بآخر فأصاب فخذه، وعمل عليه الجرح الثاني حتى عرج منه، ولهذا يسمى تمرلنك، فإن لنك باللغة العجمية أعرج، ثم أخذ في التحرم وقطع الطريق، وصحبه في تحرمه جماعة عدّتهم أربعون رجلا، وكان تيمور يقول لهم في تلك الأيام: لا بد أن أملك الأرض وأقتل ملوك الدّنيا فيسخر منه بعضهم ويصدّقه البعض لما يروه من شدّة حزمه وشجاعته.
قال ابن حجر: كان من أتباع طقتمش خان آخر الملوك من ذرّيّة جنكز خان، فلما مات وقرّر في السلطنة ولده محمود استقرّ تيمور أتابكة [1] ، وكان أعرج، وهو اللّنك بلغتهم، فعرف بتمر اللنك، ثم خفّف وقيل: تمرلنك، وتزوج أمّ محمود وصار هو المتكلم في المملكة، وكانت همّته عالية، وتطلع [2] إلى الملك، فأول ما جمع عسكرا ونازل صاحب [3] بخارى فانتزعها من يد أميرها حسن المغلي، ثم نازل خوارزم فاتفق وفاة أميرها حسن المغلي، واستقرّ أخوه يوسف وانتزعها اللّنك أيضا، ولم يزل إلى أن انتظم له ملك ما وراء النهر، ثم سار إلى سمرقند، وتملّكها، ثم زحف إلى خراسان وملكها، ثم ملك هراة، ثم ملك طبرستان وجرجان بعد حروب طويلة سنة أربع وثمانين، فلجأ صاحبها شاه وتعلّق بأحمد بن أويس صاحب العراق فتوجّه اللّنك إليهم فنازلهم بتبريز وأذربيجان فهلك شاه في
[1] في «ط» : «أتابك» .
[2]
في «آ» : «ويطّلع» وفي «ط» : «ويتطلع» وما أثبته من «إنباء الغمر» مصدر المؤلف.
[3]
لفظة «صاحب» لم ترد في «إنباء الغمر» .
الحصار، وملكها اللّنك، ثم ملك أصبهان، وفي غضون ذلك خالف عليه أمير من جماعته يقال له قمر الدّين وأعانه طقتمش خان صاحب صراي، فرجع إليهم، ولم يزل يحاربهم إلى أن أبادهم واستقلّ بمملكة المغل، وعاد إلى أصبهان سنة أربع وتسعين فملكها، ثم تحول إلى فارس وفيها أعيان بني المظفّر اليزدي فملكها، ثم رجع إلى بغداد سنة خمس وتسعين فنازلها إلى أن غلب عليها، وفرّ أحمد بن أويس صاحبها إلى الشام، واتصلت مملكة اللّنك بعد بغداد بالجزيرة [1] وديار بكر، فبلغته أخباره الظّاهر برقوق فاستعدّ له، وخرج بالعساكر إلى حلب فرجع إلى أذربيجان فنزل بقراباغ [2] ، فبلغه رجوع طقتمش إلى صراي فسار خلفه ونازله إلى أن غلبه على ملكه في سنة سبع وتسعين، ففرّ إلى بلغار، وانضم عسكر المغل إلى اللّنك، فاجتمع معه فرسان التتار والمغل وغيرهم، ثم رجع إلى بغداد، وكان أحمد فرّ منها، ثم عاد إليها فنازلها إلى أن ملكها، وهرب أحمد ثانيا، وسار إلى أن وصل سيواس فملكها، ثم حاصر بهنسا مدة، وبلغ ذلك أهل حلب ومن حولها فانجفلوا، ونازل حلب في ربيع الأول فملكها وفعل فيها الأفاعيل الشنيعة، ثم تحول إلى دمشق في ربيع الآخر- أي سنة ثلاث وثمانمائة- وسار حتّى أناخ على ظاهر دمشق من داريّا إلى قطنا والحولة وما يلي تلك البلاد، ثم احتاط بالمدينة، وانتشرت عساكره في ظواهرها تتخطف الهاربين.
وقال صاحب «المنهل الصّافي» وصار تيمور يلقي من ظفر به تحت أرجل الفيلة، حتّى خرج إليه أعيان المدينة بعد أن أعياه أمرهم يطلبون منه الأمان، فأوقفهم ساعة ثم أجلسهم وقدّم إليهم طعاما وأخلع عليهم وأكرمهم ونادى في المدينة بالأمان والاطمئنان، وأن لا يعتدي أحد على أحد، فاتفق أن بعض عسكره نهب شيئا من السوق فشنقه وصلبه برأس سوق البزوريين، فمشى ذلك على الشاميين وفتحوا أبواب المدينة فوزّعت الأموال التي كان فرضها عليهم لأجل الأمان على الحارات، وجعلوا دار الذهب هي المستخرج، ونزل تيمور بالقصر الأبلق [3]
[1] يعني جزيرة أقور.
[2]
قراباغ: ورد ذكرها في كتاب «بلدان الخلافة الشرقية» ص (213) وقال عنها: هي في شرقي الرّان.
[3]
كان القصر الأبلق في مكان التكية السلمانية الشهيرة وسط دمشق على ضفة بردى، وعلى أنقاضه
من الميدان، ثم تحول منه إلى دار وهدمه وحرقه، وعبر المدينة من باب الصغير، حتى صلّى الجمعة بجامع بني أميّة، وقدّم القاضي الحنفي محمود بن الكشك للخطبة والصلاة، ثم جرت مناظرات [1] بين إمامه عبد الجبّار، وفقهاء دمشق، وهو يترجم عن تيمور بأشياء، منها وقائع علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع معاوية، وما وقع ليزيد بن معاوية مع الحسين، وأن ذلك كلّه كان بمعاونة أهل دمشق له، فإن كانوا استحلوه فهم كفّار، وإلّا فهم عصاة بغاة، وإثم هؤلاء على أولئك، فأجابوه بأجوبة قبل بعضها وردّ البعض، ثم قام من الجامع وجدّ في حصار القلعة حتّى أعياه أمرها، ولم يكن بها يومئذ إلّا نفر يسير جدا، ونصب عليها عدة مناجيق، وعمر تجاها قلعة عظيمة من خشب، فرمى من بالقلعة على القلعة التي عمرها بسهم فيه نار فاحترقت عن آخرها، فأنشأ قلعة أخرى، ثم سلّموها له بعد أربعين يوما بالأمان، ولما أخذ تيمور قلعة دمشق أباح لمن معه النّهب والسّبي [2] ، والقتل والإحراق، فهجموا المدينة ولم يدعوا بها شيئا قدروا عليه، وطرحوا على أهلها أنواع العذاب، وسبوا النّساء والأولاد، وفجروا بالنساء جهارا، ولا زالوا على ذلك أياما، وألقوا النار في المباني حتّى احترقت بأسرها، ورحل عنها يوم السبت ثالث شعبان سنة ثلاث وثمانمائة، ثم اجتاز بحلب وفعل بأهلها ما قدر عليه، ثم على الرّها وماردين، ثم على بغداد وحصرها أيضا حتى أخذها عنوة في يوم عبد النّحر من السنة ووضع السيف في أهلها، وألزم جميع من معه أن يأتي كل واحد منهم برأسين من رؤوس أهلها، فوقع القتل، حتى سالت الدّماء أنهارا وقد أتوه بما التزموه، فبنى من هذه الرؤوس مائة وعشرين مئذنة، ثم جمع أموالها وأمتعتها وسار إلى قرى باغ فجعلها خرابا بلقعا.
ثم قال ابن حجر: فلما كان سنة أربع وثمانمائة قصد بلاد الرّوم فغلب عليها
أقيمت التكية على عهد العثمانيّين حكام آخر الدول الإسلامية الكبرى. انظر «غوطة دمشق» لكرد علي ص (185) .
[1]
في «ط» : «مناظرة» .
[2]
في «ط» : «والسّلب» .
وأسر صاحبها- أي أبا يزيد بن عثمان- ومات معه في الاعتقال، ودخل الهند، فنازل مملكة المس لمين حتى غلب عليها، وكان مغرى بقتل المسلمين وغزوهم وترك الكفّار، وكان شيخا، طوالا، شكلا، مهولا، طويل اللّحية، حسن الوجه، بطلا شجاعا جبّار، ظلوما، غشوما، سفّاكا للدماء، مقداما على ذلك، وكان أعرج، سلت رجله في أوائل أمره، وكان يصلي عن قيام، وكان جهوري الصّوت، يسلك الجدّ مع القريب والبعيد، ولا يحبّ المزاح، ويحب الشطرنج، وله فيها يد طولى، وزاد فيها جملا وبغلا، وجعل رقعته عشرة في أحد عشر، وكان ماهرا فيه لا يلاعبه فيه إلا الأفراد، وكان يقرّب العلماء، والصّلحاء، والشّجعان، والأشراف، وينزلهم منازلهم، ولكن من خالف أمره أدنى مخالفة استباح دمه، وكانت هيبته لا تدانى بهذا السبب، وما أخرب البلاد إلّا بذلك، وكان من أطاعه في أول وهلة أمن، ومن خالفه أدنى مخالفة وهن، وكان له فكر صائب ومكايد في الحرب، وفراسة قلّ أن تخطئ، وكان عارفا بالتواريخ لإدمانه على سماعها، لا يخلو مجلسه عن قراءة شيء منها، سفرا ولا حضرا، وكان مغرى بمن له صناعة ما، إذا كان حاذقا فيها، وكان أمّيّا لا يحسن الكتابة، وكان حاذقا باللغة الفارسية والتركية والمغلية خاصة، وكان يقدم قواعد جنكز خان ويجعلها أصلا، ولذلك أفنى جمعا جمّا بكفره، مع أن شعائر الإسلام في بلاده ظاهرة، وكان له جواسيس في جميع البلاد التي ملكها والتي لم يملكها، وكانوا ينهون إليه الحوادث الكائنة على جليتها ويكاتبونه بجميع ما يروم، فلا يتوجه إلى جهة إلّا وهو على بصيرة من أمرها، وبلغ من دهائه أنه كان إذا قصد جهة جمع أكابر الدولة وتشاوروا إلى أن يقع الرأي على التوجه في الوقت الفلاني إلى الجهة الفلانية، فيكاتب جواسيس تلك الجهات، فيأخذ أهل تلك الجهة المذكورة حذرها ويأنس غيرها، فإذا ضرب بالنّفير وأصبحوا سائرين ذات الشمال، عرّج بهم ذات اليمين فلا يصل الخبر الثاني إلّا ودهم الجهة التي يريد وأهلها غافلون، وكان أنشأ بظاهر سمرقند بساتين وقصورا عجيبة، وكانت من أعظم النّزه، وبنى عدة قصاب سمّاها بأسماء البلاد الكبار، كحمص، ودمشق، وبغداد، وشيراز. انتهى وقال في «المنهل» وكان يستعمل المركّبات والمعاجين ليستعين بها على
افتضاض الأبكار، وخرج من سمرقند في شهر رجب- أي من هذه السنة- قاصدا بلاد الصّين والخطا، وقد اشتدّ البرد حتّى نزل على سيحون وهو جامد فعبره، ومرّ سائرا، واشتد عليه وعلى من معه الرّياح والثلج، وهلكت دوابهم، وتساقط الناس هلكى، ومع ذلك فلا يرقّ لأحد، ولا يبالي بما نزل بالناس، بل يجدّ في السير، فلما وصل إلى مدينة انزار [1] أمر أن يستقطر له الخمر حتّى يستعمله بأدوية حارة وأفاويه لدفع البرد وتقوية الحرارة، وشرع يتناوله ولا يسأل عن أخبار عسكره وما هم فيه، إلى أن أثّرت حرارة ذلك في كبده وأمعائه، فالتهب مزاجه حتّى ضعف بدنه وهو يتجلد ويسير السّير السّريع وأطباؤه يعالجونه بتدبير مزاجه إلى أن صاروا يضعون الثّلج على بطنه لعظم ما بن من التّلهب وهو مطروح مدة ثلاثة أيام، فتلفت كبده وصار يضطرب ولونه يحمر إلى أن هلك في يوم الأربعاء تاسع عشر شعبان وهو نازل بضواحي انزار [1] ، ولم يكن معه من أولاده سوى حفيده خليل بن أميران شاه بن تيمور فملك خزائن جدّه وتسلطن وعاد إلى سمرقند برمّة جدّه إلى أن دفنه على حفيده محمد سلطان بمدرسته، وعلّق بقبته قناديل الذهب، من جملتها قنديل زنته عشرة أرطال دمشقية، وتقصد تربته بالنّذور للتبرك من البلاد البعيدة- لا تقبّل الله ممن يفعل ذلك- وإذا مرّ على هذه المدرسة أمير أو جليل خضع ونزل عن فرسه إجلالا لقبره لما له في صدورهم من الهيبة.
وتوفي عن نيف وثمانين سنة، وخلّف من الأولاد أميران شاه والقآن معين الدّين شاه رخ صاحب هراة، وبنتا يقال لها سلطان بخت، وعدة أحفاد.
انتهى باختصار.
وفيها جمال الدّين أبو المعالي عبد الله بن عمر بن علي بن مبارك الهندي السّعودي الأزهري المعروف بالحلاوي [2]- بمهملة ولام خفيفة-.
ولد سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وسمع الكثير من يحيى المصري،
[1] لم أعثر على ذكر لها فيما بين يدي من كتب البلدان.
[2]
ترجمته في «إنباء الغمر» (5/ 239) و «الضوء اللامع» (5/ 38) .
وأحمد بن علي المستولي، وإبراهيم الخيمي، وجمع جمّ من أصحاب النّجيب، وابن علّان، وابن عبد الدائم فأكثر.
قال ابن حجر: كان ساكتا،: خيّرا، صبورا على الإسماع، قلّ أن يعتريه نعاس، قرأت عليه «مسند أحمد» في مدة يسيرة في مجالس طوال، وكان لا يضجر، وفي الجملة لم يكن في شيوخ الرّواية من شيوخنا أحسن أداء منه، ولا أصغى للحديث.
وتوفي في صفر وقد قارب الثمانين.
وفيها جمال الدّين عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن إدريس بن نصر النّحريري المالكي [1] .
ولد سنة أربعين وسبعمائة، واشتغل بالعلم بدمشق وبمصر، وسمع من الظّهير بن العجمي وغيره، ثم ناب في الحكم بحلب، ثم ولي قضاء حلب سنة سبع وستين، ثم أراد الظّاهر إمساكه لمّا قام عليه، فأحس بذلك فهرب إلى بغداد، فأقام بها على صورة فقير، فلم يزل هناك إلى أن وقعت الفتنة اللّنكية، ففرّ إلى تبريز، ثم إلى حصن كيفا، فأكرمه صاحبها، فأقام عنده، وكان صاحب الترجمة يحبّ الفقهاء الشافعية وتعجبه مذاكرتهم، ثم رجع إلى حلب، ثم توجه إلى دمشق سنة ست فحجّ ورجع قاصد الحصن، وكان إماما، فاضلا، فقيها، يستحضر كثيرا من التاريخ، ويحب العلم وأهله، وكان من أعيان الحلبيين.
وتوفي بسرمين راجعا من الحجّ بكرة يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول.
وفيها عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن لاجين الرّشيدي [2] .
قال ابن حجر: سمع الميدومي، وابن الملوك، وغيرهما، وكان يلازم قراءة «صحيح البخاري» وسمعت لقراءته، وكان حسن الأداء، وسمعت منه من «المعجم الكبير» أجزاء.
[1] ترجمته في «إنباء الغمر» (5/ 241) و «الضوء اللامع» (5/ 42) .
[2]
ترجمته في «إنباء الغمر» (5/ 244) و «الضوء اللامع» (5/ 43) .
مات في رجب وقد جاوز السبعين بأشهر. انتهى.
وفيها [1] أبو بكر [1] عبد الرحمن بن عبد العزيز بن أحمد بن عثمان بن أبي الرّجاء ابن أبي الأزهر الدمشقي، المعروف بابن السّلعوس [2] .
سمع من زينب بنت الخبّار، وحدّث عنها، وأجاز لابن حجر.
وفيها شرف الدّين عبد المنعم بن سليمان بن داود البغدادي ثم المصري الحنبلي [3] .
ولد ببغداد، وقدم [4] إلى القاهرة وهو كبير، فحجّ، وصحب القاضي تاج الدّين السّبكي وأخاه الشيخ بهاء الدّين، وتفقه على قاضي القضاة موفق الدّين وغيره، وعيّن لقضاء الحنابلة بالقاهرة فلم يتمّ ذلك، ودرّس بمدرسة أمّ الأشرف شعبان، وبالمنصورية، وولي إفتاء دار العدل، ولازم الفتوى، وانتهت إليه رئاسة الحنابلة بها، وانقطع نحو عشر سنين بالجامع الأزهر يدرّس ويفتي، ولا يخرج منه إلّا في النّادر، وأخذ عنه جماعات.
وأنشد قبل موته من نظمه [5] .
قرب الرّحيل إلى ديار الآخره
…
فاجعل بفضلك خير عمري آخره
وارحم مقيلي في القبور ووحدتي
…
وارحم عظامي حين تبقي ناخره
فأنا المسيكين الذي أيّامه
…
ولّت بأوزار غدت متواترة
لا تطردنّ [6] فمن يكن لي راحما
…
وبحار جودك يا إلهي زاخره
[1، 1] ما بين الرقمين سقط من «آ» .
[2]
ترجمته في «إنباء الغمر» (5/ 245) و «الضوء اللامع» (4/ 84) .
[3]
ترجمته في «إنباء الغمر» (5/ 247) و «الضوء اللامع» (5/ 88) وفيه «ابن داود بن سليمان» و «المقصد الأرشد» (2/ 138) .
[4]
في «ط» : «قدم» .
[5]
الأبيات في «المقصد الأرشد» (2/ 139) .
[6]
في «المقصد الأرشد» : «فلئن طردت» .
يا مالكي يا خالقي يا رازقي
…
يا راحم الشّيخ الكبير وناصره
مالي سوى قصدي لبابك سيّدي
…
فاجعل بفضلك خير عمري آخره
وتوفي بالقاهرة في ثامن عشر شوال.
وفيها جلال الدّين عبيد الله [1] بن عبد الله الأردبيلي الحنفي [2] .
لقي جماعة من الكبار بالبلاد العراقية وغيرها، وقدم القاهرة فولي قضاء العسكر، ودرّس بمدرسة الأشرف بالتّبانة وغير ذلك.
وتوفي في أواخر شهر رمضان.
وفيها علاء الدّين علي بن إبراهيم بن علي القضامي الحموي الحنفي [3] .
تفقه بالقاضي صدر الدّين بن منصور، وأخذ النحو عن سري الدّين المالكي، وبرع في الأدب، وكتب في الحكم عن البارزي، ثم ولي القضاء بحماة، وكان من أهل العلم والفضل والذكاء، مع الدّين، والخير، والرئاسة، وسمع منه ابن حجر لما قدم القاهرة في آخر سنة ثلاث وثمانمائة.
ومن شعره:
عين على المحبوب قد قال لي
…
راح إلى غيرك يبغي اللّجين
فجئته بالتّبر مستدركا
…
وقلت ما جئتك إلّا بعين
وتوفي ثامن عشر ربيع الأول.
وفيها نور الدّين علي بن سراج الدّين عمر ابن الملقّن الشافعي [4] .
ولد في سابع شوال سنة ثمان وستين وسبعمائة، وتفقه قليلا، وسمع من أبيه وبعض المشايخ بالقاهرة، ورحل مع أبيه إلى دمشق وحماة، وأسمعه هناك، وناب
[1] في «ط» : «عبد الله» وهو خطأ.
[2]
ترجمته في «إنباء الغمر» (5/ 248) و «الضوء اللامع» (5/ 117) .
[3]
ترجمته في «إنباء الغمر» (5/ 250) و «الضوء اللامع» (5/ 155) .
[4]
ترجمته في «إنباء الغمر» (5/ 252) و «الضوء اللامع» (5/ 267) .
في الحكم، ودرّس بمدارس أبيه بعده، وكان عنده سكون وحياء، وتمول في الآخر، وكثرت معاملاته.
وتوفي في شعبان.
وفيها نور الدّين أبو الحسن علي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر الهيثميّ الشافعي [1] الحافظ.
ولد في رجب سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، وصحب الشيخ زين الدّين العراقي وهو صغير، فسمع معه من ابتداء طلبه على أبي الفتح الميدومي، وابن الملوك، وابن القطرواني، وغيرهم من المصريين. ومن ابن الخبّاز، وابن الحموي، وابن قيّم الضّيائية، وغيرهم من الشاميين. ثم رحل جميع رحلاته معه- أي مع العراقي- وحجّ معه حجّاته، ولم يكن يفارقه حضرا ولا سفرا، وتزوج بنته، وتخرّج به في الحديث، وقرأ عليه أكثر تصانيفه، فكتب عنه جميع مجالس إملائه، وسمع بنفسه، وعني بهذا الشأن، وكتب، وجمع، وصنّف، فمن تصانيفه «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد» جمع فيه زوائد المعاجم الثلاث للطبراني [2] ، و «مسند الإمام أحمد بن حنبل» و «مسند البزّار» و «مسند أبي يعلى» [3] وحذف أسانيدها، وجمع «ثقات ابن حبّان» ورتّبها على حروف المعجم، وكذا «ثقات العجلي» ورتّب «الحلية» على الأبواب، وصار كثير الاستحضار للمتون جدا لكثرة الممارسة، وكان هينا، لينا، خيرا محبّا لأهل الخير، لا يسأم ولا يضجر من خدمة الشيخ وكتابة الحديث، كثير الخير، سليم الفطرة.
قال ابن حجر: قرأت عليه الكثير قرينا [4] الشيخ، ومما قرأت عليه بانفراده نحو النّصف من «مجمع الزوائد» له وغير ذلك، وكان يشهد لي بالتقدم في الفنّ،
[1] ترجمته في «إنباء الغمر» (5/ 256- 260) و «ذيل تذكرة الحفاظ» ص (372- 373) و «الضوء اللامع» (5/ 200) و «طبقات الحفاظ» ص (541) و «حسن المحاضرة» (1/ 362) .
[2]
في «ط» : «الطبراني» .
[3]
الكبير منها وهو المفقود، وأما المنشور في دار المأمون للتراث بدمشق بتحقيق الأستاذ حسين الأسد فهو «مسنده الصغير» كما سبقت الإشارة إلى ذلك عند ترجمته في المجلد الرابع ص (35) .
[4]
في «ط» : «قرأنا» .
جزاه الله عني خيرا، وكنت قد تتبعت أوهامه في كتابه «مجمع الزوائد» فبلغني أن ذلك شقّ عليه فتركته رعاية له. انتهى.
وتوفي بالقاهرة ليلة الثلاثاء تاسع عشر شهر رمضان ودفن خارج باب البرقوقية.
وفيها أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن وفا [1] .
قال في «المنهل الصّافي» : الشيخ الواعظ، المعتقد الصّالح، الأديب الأستاذ، المعروف بسيّد علي بن والإسكندري الأصل المالكي الشّاذلي، صاحب النّظم الفائق، والألحان المحزنة الحسنة، والحزب المعروف عنده بني وفا.
ولد بالقاهرة سنة تسع وخمسين وسبعمائة، ومات أبوه، وتركه صغيرا، ونشأ هو وأخوه أحمد تحت كنف وصيّهما العبد الصّالح شمس الدّين محمد الزّيلعي فأدّبهما وفقههما، فنشآ على أحسن حال وأجمل طريقة، ولما صار عمر سيدي علي هذا سبع عشرة سنة جلس موضع أبيه، وعمل الميعاد، وأجاد وأفاد، وشاع ذكره، وبعد صيته، واشتهر أعظم من شهرة أبيه.
قال المقريزي: وتعددت أتباعه وأصحابه، ودانوا بحبّه، واعتقدوا رؤيته عبادة، وتبعوه في أقواله وأفعاله، وبالغوا في ذلك مبالغة زائدة، وسمعوا ميعاده المشهد، وبذلوا رغائب أموالهم، هذا مع تحجّبه وتحجب أخيه التحجب الكثير، إلّا عند عمل الميعاد والبروز لقبر أبيهما أو تنقلهما في الأماكن، فنالا من الحظّ ما لا ناله من هو في طريقتهما، وكان- أي صاحب الترجمة- جميل الطريقة، مهابا، معظّما، صاحب كلام بديع ونظم جيدا. انتهى.
ثم قال في «المنهل» : وكان فقيها، عارفا بفنون من العلوم، بارعا في التصوف، مستحضرا لتفسير القرآن الكريم، وله تآليف، منها كتاب «الباحث على الخلاص في أحوال الخواص» و «تفسير القرآن العزيز» ، وكتاب «الكوثر المترع في الأبحر الأربع» في الفقه، وديوان شعر معروف، منه:
[1] ترجمته في «إنباء الغمر» (5/ 253) و «الضوء اللامع» (6/ 21) و «نيل الابتهاج» ص (206) .
ترفّق فسهم الوجد في مهجتي رشق
…
ملكت فأحسن فالتجلد قد أبق
وطال عليّ الهجر واتصل الضّنى
…
وقصّر عنّي الصّبر وانعدم الرّمق
وهي طويلة. انتهى ملخصا.
وقال ابن حجر في «إنباء الغمر» : كان له نظم كثير، واقتدار على جلب الخلق، مع خفّة ظاهرة، اجتمعت به مرّة في دعوة، فأنكرت على أصحابه إيمائهم إلى جهته بالسّجود، فتلا هو وهو في وسط السماع يدور فأينما تولوا فثمّ وجه الله، فنادى من كان حاضرا من الطلبة: كفرت كفرت، فترك المجلس وخرج هو وأصحابه، وكان أبوه معجبا به. وأذن له في الكلام على الناس، وكان أكثر إقامته بالرّوضة قريب المشتهى، وشعره ينعق بالاتحاد المفضي إلى الإلحاد، وكذا نظم والده، ونصب في أواخر أمره منبرا في داره، وصار يصلي الجمعة هو ومن يصاحبه، مع أنه مالكي المذهب يرى أن الجمعة لا تصحّ في البلد وإن كبر إلا في المسجد العتيق من البلد. انتهى باختصار.
وتوفي الرّوضة يوم الثلاثاء ثاني عشري ذي الحجة، ودفن عند أبيه في القرافة.
وفيها شمس الدّين محمد بن عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن محمد بن عبد العزيز بن محمد الحنفي، المعروف بابن الفرات المصري [1] .
سمع من أبي بكر بن الصنّاج [2] راوي «دلائل النبوة» وتفرّد بالسماع منه، وسمع «الشفاء» للقاضي عياض من الدلاصي، وأجاز له أبو الحسن البندنيجي، وتفرّد بإجازته [3] في آخرين، وكان لهجا بالتاريخ، فكتب تاريخا كبيرا جدا، بيّض بعضه، فأكمل منه المائة الثامنة، ثم السابعة، ثم السادسة في نحو عشرين مجلدا،
[1] ترجمته في «إنباء الغمر» (5/ 267- 268) و «الضوء اللامع» (8/ 51) و «حسن المحاضرة» (1/ 556) .
[2]
تصحفت في «ط» إلى «الصباح» .
[3]
في «ط» : «إجازته» وهو خطأ.
ثم شرع في تبييض الخامسة والرابعة فأدركه أجله، وكتب شيئا يسيرا من [1] أول القرن التاسع، وتاريخه هذا كثير الفائدة إلا أنه بعبارة عامية جدا، وكان يتولى عقود الأنكحة، ويشهد في الحوانيت ظاهر القاهرة، مع الخير والدّين والسلامة.
مات ليلة عيد الفطر وله اثنتان وسبعون سنة.
وفيها أبو الطّيب محمد بن عمر بن علي السّحولي [2]- بضم المهملتين- اليمني ثم المكّي المؤذّن.
ولد سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة في رمضان، وسمع «الشفاء» على الزّبير بن علي الأسواني، وهو آخر من حدث عنه، وسمع على الجمال المطري وغيره، وأجاز له عيسى الحجي وآخرون، وسمع منه ابن حجر في آخرين.
وتوفي يوم التّروية وقد أضرّ بأخرة، وكان حسن الخطّ، جيد الشعر.
وفيها شمس الدّين محمد بن قرموز الزّرعي [3] .
تفقه قليلا، وحصّل، ومهر [4] ، ونظم الشعر الحسن، وولي قضاء القدس وغيره، ثم توجه إلى قضاء الكرك فضعف، فرجع إلى دمشق، فمات بها في رجب وقد بلغ السبعين.
وفيها سراج الدّين أبو الطّيب محمد بن محمد بن عبد اللطيف بن أحمد بن محمود الرّبعي، المعروف بابن الكويك [5] .
قال ابن حجر: سمع من الميدومي وغيره، وهو أخو شيخنا شرف الدّين أبو الطّيب الأصغر.
توفي في وسط السنة.
[1] في «آ» و «ط» : «منه» والتصحيح من «إنباء الغمر» مصدر المؤلف.
[2]
ترجمته في «إنباء الغمر» (5/ 269) و «الضوء اللامع» (8/ 251) .
[3]
ترجمته في «إنباء الغمر» (5/ 269- 270) .
[4]
تحرفت في «ط» إلى: «معهد» .
[5]
ترجمته في «إنباء الغمر» (5/ 270- 271) و «الضوء اللامع» (9/ 112) .
وفيها شرف الدّين عيسى بن حجّاج السّعدي المصري الحنبلي، الأديب الفاضل، المعروف بعويس العالية [1] .
كان فاضلا في النحو واللغة، وله النّظم الرائق، وله «بديعية» في مدح النّبيّ صلى الله عليه وسلم، مطلعها:
سل ما حوى القلب في سلمى من العبر
…
فكلّما خطرت أمسى على خطر
وله أشياء كثيرة، وسمي عويس العالية، لأنه كان عالية في لعب الشطرنج، وكان يلعب به استدبارا.
وتوفي في أوائل المحرم ذكره العليمي في «طبقاته» .
[1] ترجمته في «إنباء الغمر» (5/ 260) و «الضوء اللامع» (6/ 151) و «المنهج الأحمد» الورقة (479) من القسم المخطوط منه.