الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَعْضٍ
فلا يُواليهم ولا تتبع أهواءهم إلا مَن كان ظالماً مثلهم، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ أي: ناصر المتقين، الذين أنت قدوتهم، فدمْ على ما أنت عليه من توليته خاصةً، والإعراض عما سواه بالكلية.
هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ أي: هذا القرآن واتباع الشريعة بصائر لقلوب الناس، كما جُعل روحاً وحياة لها، فإنَّ من تمسك بالكتاب والسنة، وأمعن فيها النظر، وعمل بمقتضاهما، فُتحت بصيرته، وحيي قلبُه، وَهُدىً من الضلالة وَرَحْمَةٌ من العذاب، لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ لمَن كَمُلَ إيمانه وإيقانه بالأمور الغيبية.
الإشارة: الشريعة لها ظاهر وباطن، وهو لُبها وخالصها، فالعامة أخذوا بظاهرها، فأخذوا بكل ما يبيحه ظاهر الشريعة من الرخص والسهولة، ولا نظر عندهم لقلوبهم من النقص والزيادة، والخاصة أخذوا بباطنها، فأخذوا منها بالمُهم، وتركوا كل ما يَفتنهم أو ينقص من نور إيقانهم، فوصلوا بذلك إلى حضرة ربهم، فيقال للمريد: ثم جعلناك على طريقة واضحة من أمر الخاصة، فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ما يزيد في قلوبهم وما ينقص. إنهم لن يغنوا عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أبعدك بميلك إليهم واتباع أغراضهم.
قال القشيري: إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أراد بك نعمة، فلا يمنعُها أحد، وإن أراد بك فتنة فلا يصرفها عنك أحد، فلا تُعلِّقْ بمخلوقٍ فكرك، ولا توجه ضميرك إلى شيء، وثِقْ به، وتوكلْ عليه. هـ. وأهل الغفلة بعضهم أولياء بعض، يتوالون على حظوظ الدنيا وشهواتها، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ الذين اتقوا كل ما يشغل عن الله، هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ أي: سبب فتح بصائرهم، وَهُدىً أي: إشارة لطريق الوصول، ورحمة للأرواح والقلوب، لقوم يوقنون، أي: لأهل اليقين الكبير.
قال القشيري: هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ، أنوار البصيرة إذا تلألأت انكشفت دونها تهمةُ التجويز، ونظرُ الناس على مراتب، مَن نظر بنور نجومه، فهو صاحب عقل، ومَن نظر بنور فراسته فهو صاحب ظن، يقوّيه لوح، ولكنه من وراء ستر، ومَن نظر بيقين فهو على تحكُّم برهان، ومَن نظر بعين إيمان فهو بوصف اتباع، ومَن نظر بنور بصيرة، فهو على نهار، وشمسه طالعة، وشمسه عن السحاب مصحية. هـ.
ثم بيّن حال من لا يرجو أيام الله ومن يرجوه، فقال:
[سورة الجاثية (45) : الآيات 21 الى 22]
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (22)
قلت (أم) : منقطعة، والهمزة لإنكار الحسبان، مَن قرأ «سواء» بالرفع «1» فخبر مقدّم، (ومحياهم) : مبتدأ، ومَن قرأ بالنصب فحال من ضمير الظرف، أي: كائنين كالذين آمنوا، حال كونهم مستوياً محياهم ومماتهم، و «محياهم» - حينئذ-: فاعل بسواء، وقرأ الأعمش:«ومماتهم» بالنصب على الظرفية.
يقول الحق جل جلاله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا
اكتسبوا السَّيِّئاتِ
من الكفر والمعاصي، وسميت الأعضاء جوارح لاكتسابها الخير والشر، ويقال: فلان جارحة أهله أي: كاسبهم، أي: أظنُّوا أن نصيِّرهم كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
، وهم فيما هم فيه من محاسن الأعمال، ونعاملهم معاملتهم في رفع الدرجات، أي: حتى يكونوا سَواءً
في مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ
، كلَاّ، بل نجعل أهل الإيمان في محياهم ومماتهم متنعمين بطاعة مولاهم، مطمئنين به، يَحيون حياة طيبة، ويموتون موتة حسنة، وفي مماتهم مكرمين بلقاء مولاهم، في روح وريحان، وجنات نعيم، ونجعل أهل الكفر والعصيان في محياهم في ذُلّ المعصية، وكد الحرص وكدر العيش، وفي الممات في ضيق العذاب الخالد، ساءَ ما يَحْكُمُونَ
أي: ساء حكمهم هذا، أو: بئس شيئاً حكموا به.
قال النسفي: والمعنى إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محياً ومماتاً لافتراق أحوالهم أحياء، حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات، وأولئك على اقتراف السيئات، ومماتاً، حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والكرامة، وأولئك على اليأس من الرحمة والندامة. وقيل: معناه: إنكار أن يستووا في [الممات، كما استووا في]«2» الحياة في الرزق والصحة. ساء ما يحكمون، فليس مَن أُقْعِدَ على بساط الموافقة، كمَن أُبعد في مقام المخالفة، بل تفرّق بينهم، فنعلي المؤمنين، ونخزي الكافرين. هـ.
وسبب نزول الآية: افتخار وقع للكفار على المؤمنين، قالوا: لئن كانت آخرة كما تزعمون لنفضلن فيها كما فضلنا في الدنيا، فردّ الله عليهم، وأبطل أمنيتهم «3» .
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ لتدل على قدرته على البعث وغيره، قال البيضاوي: كأنه دليل على الحُكم السابق، من حيث إن خلق ذلك بالحق المقتضي للعدل، يقتضي انتصار المظلوم من الظالم، والتفاوت بين المحسن والمسيء، إذا لم يكن في المحيا كان بعد الممات. هـ. وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ: عطف
(1) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر برفع «سواء» وقرأ حفص وحمزة والكسائي وخلف بالنصب. انظر الإتحاف 2/ 467. [.....]
(2)
ما بين المعقوفتين من تفسير النّسفى، وأثبته لاقتضاء السياق ذلك.
(3)
ذكره البغوي فى التفسير (7/ 244) .