الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولمّا ذمّ الذين كرهوا الجهاد، أمر المؤمنين بالطاعة فيه، وألّا يكونوا أمثال أولئك، فقال:
[سورة محمد (47) : الآيات 33 الى 38]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (33) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (35) إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (36) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (37)
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (38)
يقول الحق جل جلاله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ فيما يأمركم به من الجهاد وغيره وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فيما سنَّه لكم، وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ بما أبطل به هؤلاء أعمالهم من الكفر والنفاق، وغير ذلك من مفسدات الأعمال، كالعجب والرياء، والمن والأذى، وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر، خلافاً للمعتزلة، أو: لا تبطلوا أعمالكم بأن تقطعوها قبل تمامها. وبها احتجَ الفقهاء على وجوب إتمام العمل فأوجبوا على مَن شَرَعَ في نافلة إتمامها، وأخذُه عن الآية ضعيف لأن السياق إنما هو في إحباط العمل بالكفر، لقوله قبلُ: وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ ثم قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تكونوا كهؤلاء الذين أحبط الله أعمالهم بكفرهم وصدهم عن سبيل الله، ومشاقتهم الرسولَ، ويؤيده أيضاً: قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، هذا عام في كل مَن مات على الكفر، وإن صحّ نزوله في أهل القليب «1» .
فَلا تَهِنُوا لا تضعفوا عن الجهاد وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ، أي: لا تدعوا الكفار إلى الصلح والمسالمة فإن ذلك إعطاء الدنِيَّة- أي: الذلة- في الدين، ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار «أن» في جواب النهي أي: لا تهنوا مع
(1) انظر تفسير البغوي (7/ 290) والقرطبي (7/ 6262) .
إعطاء السلم، وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ: الأغلبون، وَاللَّهُ مَعَكُمْ بالنصر والمعونة، ومَن كان غالباً ومنصوراً والله معه، لا يتصور منه إظهار الذلة والضراعة لعدوه، وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ لن يضيعها، من: وترت الرجل: إذا قتلت له قتيلاً، من ولد أو أخ أو حميم، فأفردته منه، حتى صار وتراً، عبّر عن ترك الإثابة في مقابلة العمل بالوتر، الذي هو إضاعة شيء معتد به من الأنفس والأموال، مع أن الأعمال غير موجبة للثواب على قاعدة أهل السُنَّة، إبرازا لغاية اللطف، بتصوير الثواب بصورة الحق المستحق، وتنزيل ترك الإثابة منزلة إضاعة أعظم الحقوق وإتلافها، سبحانه من رب رحيم!.
إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ لا ثبات لها، ولا اعتداد بها، فلا تُؤثروا حياتها الفانية على الحياة الأبدية بالموت في الجهاد الأصغر أو الأكبر، وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ أي: ثواب إيمانكم وأعمالكم من الباقيات الصالحات، التي فيها يتنافس المتنافسون، وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ بحيث يُخل أداؤها بمعايشكم، وإنما سألكم نزراً يسيراً هو ربع العشر، تؤدونه إلى فقرائكم.
إِنْ يَسْئَلْكُمُوها أي: جميع أموالكم فَيُحْفِكُمْ أي: يجهدكم بطلب الكُل، فالإحفاء والإلحاف: المبالغة في السؤال، وبلوغ الغاية، يُقال: أحفاه في المسألة: إذا لم يترك شيئاً من الإلحاح، وأحفى شاربه: استأصله، أي: إن يسألكم جميعها تَبْخَلُوا فلا تُعطوا شيئاً، وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ أي: أحقادكم لأن عند سؤال المال يظهر الصادق من الكاذب، وضمير «لا يسألكم» وما بعدها لله أو لرسوله. وضمير «يُخرج» لله تعالى، ويؤيده القراءة بنون العظمة «1» ، أو البخل لأنه سبب الأضغان.
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ أي: يا هؤلاء، وقيل:(ها) : للتنبيه، و (هؤلاء) : موصول بمعنى «الذين» ، وصلته:
تُدْعَوْنَ أي: أنتم الذين تُدعون لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ هي النفقة في الغزو والزكاة، كأنه قيل: الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ أي: فمنكم ناس يبخلون به، وَمَنْ يَبْخَلْ بالصدقة وأداء الفريضة فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ فإنَّ كُلاًّ مِن نفع الإنفاق وضرر البخل عائد إليه، وفي حديث الترمذي:«السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللهِ، قريبٌ مِنَ الجَنَّةِ، قَرِيبٌ من النَّاس، بَعِيدٌ من النَّارِ، والبَخيلُ بَعيدٌ من اللهِ، بَعِيدٌ مِنَ الجَنَّةِ، بَعِيدٌ من الناس، قَرِيبٌ من النَّارِ، ولجَاهلٌ سَخِيٌ أَحَبُ إلى اللهِ من عابدٍ بخيل» «2» وفي رواية: «من عالم بخيل» والبخل يتعدّى ب «عن» ، و «على» ، لتضمُّنه معنى: الإمساك والتعدي.
(1) وبها قرأ يعقوب الحضرمي، انظر البحر المحيط (8/ 85) .
(2)
أخرجه الترمذي فى (البر والصلة، باب ما جاء فى السخاء، ح 1961) والبغوي فى التفسير (2/ 104- 105) والطبراني فى الأوسط (ح 2363) من حديث أبى هريرة رضي الله عنه قال الترمذي: «هذا حديث غريب» . [.....]
وَاللَّهُ الْغَنِيُّ عن كل ما سواه، ويفتقر إليه كُلَّ ما عداه، وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ أي: إنه- تعالى- لا يأمر بذلك لحاجته إليه لأنه الغنيُّ عن الحاجات، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا أي: وإن تُعرضوا أيها العرب عن طاعته، وطاعة رسوله، والإنفاق في سبيله يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ، يخلف قوماً خيراً منكم وأطوع، ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ في الطاعة، بل أطوع، راغبين فيما يقرب إلى الله ورسوله، وهم فارس، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء القوم- وكان سلمان إلى جنبه، فضرب على فخذه، فقال:«هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثُريا لتناوله رجالٌ من فارس» «1» .
قلت: صدق الصادق المصدوق، فكم خرج منهم من جهابذة العلماء، وأكابر الأولياء، كالجنيد، إمام الصوفية، والغزالي، حَبر هذه الأمة، وأضرابهما. وقيل: الملائكة، وقيل: الأنصار، وقيل: كندة، وقيل: الروم، والأول أشهر.
الإشارة: يا أيها الذين آمنوا أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسولَ، أو خليفته، وهو الداعي إلى الله على بصيرة العيان، ولا تُبطلوا أعمالكم، برجوعكم عن السير، بترك المجاهدة قبل المشاهدة. إنَّ الذين كفروا بوجود خصوصية التربية، وصدُّوا الناسَ عنها، ثم ماتوا على ذلك، لن يستر اللهُ مساوئهم، ولا يُغيّبهم عن شهود نفوسهم التي حجبتهم عن الله. فلا تهنوا: لا تضعُفوا، أيها المترفهون، عن مجاهدة نفوسكم، فينقطع سيركم، وذلك بالرجوع إلى الدنيا، ولا تدعوا إلى السلم والمصالحة بينكم وبين نفوسكم، وأنتم الأعلون، قد أشرفتم على الظفر بها، والله معكم لقوله:
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ «2» ، ولن ينقصكم شيئاً من أعمالكم، بل يُريكم ثمرتها، عاجلاً وآجلاً، ولا يفترنَّكم عن المجاهدة طولُ الأمل.
إنما الحياة الدنيا لعب ولهو أي: ساعة من نهار، وإن تُؤمنوا بكل ما وعدَ اللهُ، وتتقوا كل ما يشغل عن الله، يُؤتكم أجوركم عاجلاً وآجلاً، ولا يسألكم الداعي إليه جميعَ أموالكم، إنما يسألكم ما يَخف عليكم، تُقدموه بين يدي نجواكم، ولو سألكم جميع أموالكم لبخلتم، ويُخرج إضغانكم، وهذا في حق عامة المريدين، وأما الخاصة الأقوياء، فلو سُئلوا أرواحَهم لبذلوها، واستحقروها في جنب ما نالوا من الخصوصية، وأما أموالهم فأهون عندهم من أن يبخلوا بشيء منها، ويُقال لعامة الطالبين للوصول: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ
…
الآية.
(1) أخرجه الترمذي فى (التفسير- سورة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ح 3260، 3261) وقال «هذا حديث غريب» والحاكم (2/ 458)«وصححه، وسكت عنه الذهبي» . والطبري فى (26/ 66- 67) وعبد الرّزاق فى المصنف (11/ 66) والبغوي فى التفسير (7/ 292) وفى شرح السنة (14/ 200) عن أبى هريرة رضي الله عنه وزاد السيوطي فى الدر (6/ 55) عزوه لعبد بن حميد، وابن أبى حاتم، والطبراني فى الأوسط، (ح 8838) والبيهقي فى الدلائل (6/ 334) .
(2)
الآية 69 من سورة العنكبوت.
قال القشيري: والله الغني لذاته بذاته، ومن غنائه: تمكُّنه من تنفيذ مُراده، واستغناؤه عما سواه، وأنتم الفقراء إلى الله، في نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، في الابتداء ليخلقكم، وفي الوسط ليُربيكم، وفي الانتهاء يفنيكم عن أنانيتكم، ويُبقيكم بهويته، فالله غني عنكم من الأزل إلى الأبد، وأنتم الفقراء محتاجون إليه من الأزل إلى الأبد «1» . هـ.
وإن تتولوا عن السير، وتركنوا إلى الرخص والشهوات قبل التمكين، يستبدل قوماً غيركم، يكونوا أحزم منكم، وأشد مجاهدة، صادقين في الطلب، ثابتين القَدم في آداب العبودية، قد أدركتهم جذباتُ العناية، وهَبَّتْ عليهم ريحُ الهداية، ثم لا يكونوا أمثالكم في التولِّي والضعف، حتى يصلوا إلى مولاهم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم.
(1) بالمعنى.