الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كَذلِكَ أي: مثل ذلك الجزاء الفظيع نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ وننجي المؤمنين. رُوي أن هود عليه السلام ومَن معه من المؤمنين في حظيرته، ما يصيبهم من الرّيح إلا ماتلين على الجلود، وتلذه الأنفس، وإنها لتمرّ من عاد بالظعن بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة. سبحان الحكيم القدير، اللطيف الخبير.
الإشارة: إنما جاءت النُذر من عهد آدم عليه السلام إلى قيام الساعة، تأمر بعبادة الله، ورفض كل ما سواه، فمَن تمسّك بذلك نجى، ومَن عبد غير الله، أو مال إلى سواه، عاجلته العقوبة في الظاهر أو الباطن. والله تعالى أعلم.
ثم خوّف هذه الأمة بما جرى على عاد، فقال:
[سورة الأحقاف (46) : الآيات 26 الى 28]
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (26) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (28)
قلت: فِيما: موصولة، أو موصوفة، ومفعول اتَّخَذُوا الأول: محذوف، وآلِهَةً: مفعول ثان، أي:
اتخذوهم آلهة، وقُرْباناً: حال، ولا يصح أن يكون مفعولا ثانيا ل «اتخذوا» ، و «آلهة» : بدل، لفساد المعنى، وأجازه ابن عطية، ووجه فساده: أن اتخاذهم آلهة منافٍ لاتخاذهم قرباناً لأن القربان مقصود لغيره، والآلهة مقصودة بنفسها، فتأمله، و «إن» نافية، والأصل: فيما ما مكنكم فيه، ولمّا كان التكرار مستثقلاً جيء بأن، كما قالوا في مهما، والأصل: مَا مَا، فلبشاعة التكرار قلبوا الألف هاء، وقيل:«إن» صلة، أي: في مثل ما مكنكم فيه، والأول أحسن.
يقول الحق جل جلاله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ أي: قررنا عاد ومكناهم في التصرُّف فِيما أي: في الذي، أو في شيء ما مَكَّنَّاكُمْ يا معشر قريش فِيهِ من السعة والبسطة، وطول الأعمار، وسائر مبادئ التصرفات، فما إغنى عنهم شيء من ذلك، حين نزل بهم الهلاك، وهذا كقوله تعالى: كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ، «1» أو: ولقد مكنهم في مثل ما مكنكم فيه، فما جرى عليهم يجري
(1) من الآية 6 من سورة الأنعام.
عليكم، حيث خالفتم نبيكم، والأول أوفق بقوله: كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ «1» وقوله: هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً «2» .
وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً أي: آلات الإدراك والفهم، ليعرفوا بكل واحدة منها ما خلقتْ له، وما نيطت به معرفته، من فنون النعم، ويستدلوا بها شئون منعمها، ويداوموا على شكرها، ويوحدوا خالقها، فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ حيث لم يستعملوه في استماع الوحي ومواعظ الرسل، وَلا أَبْصارُهُمْ حيث لم يُبصروا ما نصب من الآيات الدالة على وحدانيته- تعالى- ووجوب وجوده، وَلا أَفْئِدَتُهُمْ حيث لم يتفكّروا بها في عظمة الله- تعالى- وأسباب معرفته، فما أغنت عنهم مِنْ شَيْءٍ أي: شيئاً من الإغناء. ومِنْ: زائدة للتأكيد، وقوله: إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ: ظرف لقوله: فَما أَغْنى جارٍ مجرى التعليل، لاستواء مؤدّي التعليل والظرف في قولك: ضربته إذ أساء، أو: لإساءته، لأنك إذا ضربته وقت إساءته فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه، وكذلك الحال في «حيث» دون سائر الظروف غالباً، أي: فما أغنت عنهم آلات الإدراك لأجل جحودهم بآيات الله. وَحاقَ أي: نزل بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء، ويقولون: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى يا أهل مكة، كحِجر ثمود، وقرى لوط، والمراد: أهل القرى، ولذلك قال: وَصَرَّفْنَا الْآياتِ، كرّرناه، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي: كرّرنا عليهم الحجج وأنواع العِبر لعلهم يرجعون من الطغيان إلى الإيمان، فلم يرجعوا، فأنزلنا عليهم العذاب.
فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً أي: فهلاّ منعهم وخلصهم من العذاب الأصنام الذين اتخذوهم آلهة من دون الله، حال كونها متقرباً بها إلى الله، حيث كانوا يقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى «3» ، وهؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ «4» بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ أي: غابوا عن نصرتهم، وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ، الإشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم وضلالهم، أي: وذلك أثر إفكهم الذي هو اتخاذها آلهة، وثمرة شركهم، وافترائهم على الله الكذب.
(1) الآية 21 من سورة غافر. [.....]
(2)
من الآية 74 من سورة مريم.
(3)
من الآية 3 من سورة الزمر.
(4)
من الآية 18 من سورة يونس.