الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمقسّم عليه قوله: إِنَّ ما تُوعَدُونَ من البعث والجزاء، لَصادِقٌ لوعد صادق، وَإِنَّ الدِّينَ أي: الجزاء على الأعمال لَواقِعٌ لكائن لا محالة. وتخصيص الأمور المذكورة بالإقسام بها رمزاً إلى شهادتها بتحقيق مضمون الجملة المُقْسَم عليها، من حيث إنها أمور بديعة، مخالفة لمقتضى الطبيعة، فمَن قدر عليها فهو قادر على البعث الموعود، و «ما» موصولة، أو مصدرية، ووصف الوعد بالصدق كوصف العيشة بالرضا.
والله تعالى أعلم.
الإشارة: والذاريات: رياح الواردات الإلهية، التي ترد على القلوب، فتذرو منها الأمراض والشكوك والأوهام والخواطر لأنها تأتي من حضرة قهّار، لا تُصادم شيئاً إلا دفعته، فالحاملات وِقراً فالأنفس المطهرة، الحاملة للعلوم والحِكم والمواهب، وِقراً: حِملاً لا حدّ له، فالجاريات يُسراً: فالأفكار الجارية في بحار الأحدية، من الجبروت إلى الملكوت، ثم تنزل إلى عالَم المُلك، تتفنن في علوم الحكمة، في جرياً يُسراً شيئاً فشيئاً، فالمُقَسِّمات أمرا:
فالأرواح أو الأسرار الكاملة، التي تقسم الأرزاق المعنوية والحسية، حيث جعل الله لها ذلك بفضله عند كمالها، وهذه أرواح أهل التصرُّف من الأولياء. إنما تُوعدون من الوصول إلينا لَصادِقٌ لمَن صدق في الطلب، وإنَّ الجزاء على المجاهدة بالمشاهدة لواقع. قال القشيري: إن الله تعالى وعد المطيعين بالجنة، والتائبين بالمحبة، والأولياء بالقُربة، والعارفين بالوصلة، والطالبين بالوجدان. ولعلّ مراده بالأولياء عموم الصالحين.
ثم جدّد قسما آخر، فقال: -
[سورة الذاريات (51) : الآيات 7 الى 14]
وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (11)
يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14)
يقول الحق جل جلاله: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ ذات الطُرق الحسيّة، مثل ما يظهر على الماء والرمال من هبوب الرياح، وكذلك الطُرق التي في الأكسية من الحرير وغيره، يقال لها: حُبُك جمع حَبيكةٌ، كطريقة وطُرق، أو: جمع حِباك، قال الرَّاجز:
كأنما جلَاّها «1» الحوَّاكُ
…
طِنْفَسَةً في وشيها حباك «2»
(1) هكذا فى الأصول. وفى تفسير الطبري وابن عطية وغيرهما: (جلّلها) وهو الصواب.
(2)
يصف الرّاجز ظهر أتان من حمر الوحش بأن فيه خطوطا وطرائق، وجللها: ألبسها وكساها، والطنفسة: البساط أو النّمرقة فوق الرحل، والوشي: الزخرف والنّقش، والحباك: الطريقة.
والحوَّاك: صانع الحياكة، والمراد: إما الطريق المحسوسة، التي هي مسير الكواكب، أو: المعنوية، التي يسلكها النُظار في النجوم، فإن لها طرائق. قال البيضاوي: النكتة في هذا القَسَم: تشبيه أقوالهم في اختلافها، وتباين أغراضها، بطرائق السماوات في تباعدها، واختلاف غاياتها، وقال ابن عباس وغيره: ذات الخَلْق المستوي، وعن الحسن: حبكها نجومها. وقال ابن زيد: ذات أشدة، لقوله تعالى: سَبْعاً شِداداً «1» .
إِنَّكُمْ يا أهل مكة لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ متخالف متناقض، وهو قولهم في حقه صلى الله عليه وسلم تارة: شاعر، وأخرى ساحر، وفي شأن القرآن، تارة: شعر، وأخرى أساطير الأولين. يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ يُصرف عن القرآن، أو عن الرسول، مَن ثبت له الصرف الحقيقي، الذي لا صرف أفظع وأشد منه، فكأنّ لا صرف حقيقة إلا لهذا الصرف، أي: يُصرف عن الإيمان مَن صُرف عن كل سعادةٍ وخير، أو: يُصرف عن الإيمان مَن صُرف في سابق الأزل.
قلت: والأظهر أن يرجع لما قبله، أي: يُصرف عن هذا القول المختلف مَن صُرف في علم الله تعالى، وسَبقت له العناية، يقال: أفكه عن كذا: صرفه عنه، وإن كان الغالب استعماله في الصرف عن الخير إلى الشر، لكنه عُرفي، لا لغوي. والله تعالى أعلم.
قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ، دعاء عليهم، كقوله: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ «2» ، وأصله: الدعاء بالقتل والهلاك، ثم جرى مجرى «لُعِنَ» ، والخرَّاصون: الكذّابون المُقدِّرون ما لا صحة له، وهم أصحاب القول المختلف، كأنه قيل: لُعن هؤلاء الخراصون الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ في جهل يغمرهم، ساهُونَ غافلون عما أُمروا به، يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ أي: متى وقوع يوم الجزاء، لكن لا بطريق الاستعلام حقيقة، بل بطريق الاستعجال، استهزاء، فإنَّ «إيّان» ظرف للوقوع المقدّر لأن «أيّان» إنما يقع ظرفاً للحدثان.
ثم أجابهم بقوله: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ أي: يقع يوم هم على النار يُحرقون ويُعذّبون، ويجوز أن يكون خبراً عن مضمر، أي: هو يوم هم، وبُني لإضافته إلى مضمر، ويُؤيده أنه قُرئ بالرفع «3» . ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ أي:
وتقول لهم خزنة النار: ذوقوا عذابكم وإحراقكم بالنار، هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ أي: هذا العذاب هو الذي
(1) من الآية 12 من سورة النّبإ، وانظر فى هذه الأقوال تفسير البغوي 7/ 371- 372 والقرطبي (7/ 6387- 6388) .
(2)
الآية 17 من سورة عبس.
(3)
«يوم» بالرفع، وهى قراءة ابن أبي عبلة والزعفراني. انظر مختصر ابن خالويه فى شواذ القراءات (ص/ 146) والبحر المحيط (8/ 134) .
كنتم تستعجلونه في الدنيا، بقولكم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا «1» ، ف «هذا» : مبتدأ، و «الذي..» الخ: خبر، ويجوز أن يكون «هذا» بدلاً من فتنتكم، و «الذي» : صفته.
الإشارة: أقسم الله تعالى بسماء الحقائق، وتُسمى سماء الأرواح لأن أهل الحقائق روحانيون سماويون، ترقَّوا من أرض الأشباح إلى سماء الأرواح، حيث غلبت روحانيتهم، على بشريتهم، كما أن أهل الشرائع اليابسة أرضيين بشريين، حيث غلبت بشريتهم الطينية على روحانيتهم السماوية، ولكلّ واحدة طُرق، فطُرق سماء الحقائق هي المسالك التي تُوصل إليها، وهي قَطْع المقامات والمنازل، وخَرق الحُجب النفسانية، حتى يُفضوا إلى مقام العيان «في مقعد صدق عند مليك مقتدر» وطُرق أرض الشرائع هي المذاهب التي سلكها الأولون، واقتدى بهم الآخرون، يفضوا أهلها إلى رضا الله ونعيمه. وكان الشيخ الشاذلى رضي الله عنه يقول في تلميذه المرسي: إن أبا العباس أعرف بطُرق السماء منه بطُرق الأرض، أي: أعرف بمسالك الحقائق منه بمذاهب الشرائع، وهذا إشارة قوله: ذاتِ الْحُبُكِ أي:
الطُرق. إن أهل الجهل بالله لفي قولٍ مُختلفٍ مضطرب، لا تجد قلوبهم تأتلف على شيء، قلوبهم متشعبة، ونياتهم مختلفة، وهممهم دنية، وأقوالهم مضطربة، بخلاف أهل الحقائق العارفين بالله، قلوبهم مجتمعة على محبة واحدة، وقصدٍ واحد، وهو الله، بدايتهم في السلوك مختلفة، ونهايتهم متفقة، وهو الوصول إلى حضرة العيان، ولله در ابن البنا، حيث قال:
مذاهبُ الناسِ على اخْتلاف
…
ومَذْهَبُ القَوْمِ على ائتلاف
وقال الشاعر:
عِبارَاتُهُم شَتَّى وحُسْنُكَ واحِدٌ
…
وكُلٌّ إلى ذاك الجَمَالِ يُشير
يُؤفك عن هذا الاختلاف مَن صُرف في سابق العناية، أو مَن صُرف من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح. قُتل الخراصُون المعتمدون على ظنهم وحدسهم، فعلومهم جُلها مظنونة، وإيمانهم غيبي، وتوحيدهم دليلي من وراء الحجاب، لا يَسلم من طوارق الاضطراب، الذين هم في غمرة أي: في غفلة وجهل وضلالة- ساهون عما أُمروا به من جهاد النّفوس، والسير إلى حضرة القدوس، أو ساهون غائبون عن مراتب الرجال، لا يعرفون أين ساروا، وفي أيّ بحار سَبَحوا وغاصوا، كما قال شاعرهم:
تركنا البُحُورَ الزاخِراتِ ورَاءنَا
…
فَمِنْ أَينَ يَدْرِِي الناسُ أين توجهنا؟
(1) من الآية 70 من سورة الأعراف.