الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمعنى: أنهم استغاثوا حين لم ينفعهم ذلك. وَلاتَ هي «لا» المشبّهة ب «ليس» ، زيدت عليها تاء التأنيث، كما زيدت على «ربّ» و «ثمّ» للتوكيد، وتغيّر بذلك حكمها، حيث لم تدخل إلا على الأحيان، ولم يبرز إلا أحد معموليها، إما الاسم أو الخبر، وامتنع بروزهما بنفي الأحيان، وهذا مذهبُ الخليل وسيبويه، وعند الأخفش أنها النافية للجنس، زيدت عليها الهاء، وخصّت بنفي الأحيان. وقال أبو محمد مكي: الوقف عليها عند سيبويه، والفراء، وأبي إسحاق، وابن كيسان، بالتاء، وعليه جماعة القراء، وبه أتى خط المصحف. وعند المبرد والكسائي بالهاء، بمنزلة «رب» . هـ.
الإشارة: افتتح الحق جل جلاله هذه السورة، التي ذكر فيها أكابر أصفيائه، بحرف الصاد، إشارة إلى مادة الصبر، والصدق، والصمدانية، والصفاء إذ بهذه المقامات ارتفع مَن ارتفع، وبالإخلال بها سقط مَن سقط.
فبالصبر على المجاهدات تتحقق الإمامة والقدوة، وبالصدق في الطلب يقع الظفر بكل مطلب، وبالصمدانية تقع الحرية من رقّ الأشياء، وبالصفاء تحصل المشاهدة والمكالمة، فكأن الحق تعالى أقسم بهذه الأشياء وبكتابه العزيز إن المتكبرين على أهل الخصوصية ما أنكروا إلا جُحوداً وعناداً، وتعزُّزاً واستكباراً، لا لخلل فيهم، ثم أوعدهم بالهلاك، كما أهلك مَن قبلهم، فاستغاثوا حين لم ينفعهم الغياث.
ثم ذكر تعجبهم من كون المنذر منهم، فقال:
[سورة ص (38) : الآيات 4 الى 7]
وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (6) مَّا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَاّ اخْتِلاقٌ (7)
يقول الحق جل جلاله: وَعَجِبُوا أي: كفار قريش من أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ رسول من أنفسهم، استبعدوا أن يكون الرسول من البشر. قال القشيري: وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ منهم، ولم يعجبوا أن يكون المنحوت إلهاً لهم، وهذه مناقضة ظاهرة. هـ. يعني: لأن المستحق للإعجاب إلهية المنحوت من الحجر، لا وجود منذر من البشر، وهم عكسوا القضية. وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ أي: ساحر فيما يُظهر من المعجزات، كذَّاب فيما يدَّعيه من الرسالة. وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالكفر، وغضباً عليهم، وإشعاراً بأن كفرهم هو الذي جسرهم على هذه المقالة الشنعاء.
ثم قالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً بأن نفى الألوهية التي كانت لآلهتهم وقصرها على واحد، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ بليغ في العجب، وذلك لأنه خلاف ما ألفوا عليه آباءهم، الذين أطبقوا على عبادة آلهتهم، كابراً عن كابر، فإنَّ مدار كل ما يأتون ويذرون، من أمور دينهم، هو التقليد والاعتياد، فيَعُدون ما يخالف ما اعتادوه عجباً من العجاب، بل محالاً، وأما جعل مدار تعجبهم عدم وفاء علم الواحد، وقدرته بالأشياء الكثيرة، فلا وجه له لأنهم لا يدّعون أن لآلهتهم علماً وقدرة ومدخلاً في حدوق شيءٍ من الأشياء، حتى يلزم من ألوهيتهم بقاء الأثر بلا مؤثر، قاله أبو السعود منتقداً على البيضاوي.
قال القشيري: لم تباشر خلاصةُ التوحيد قلوبَهم، وبُعدوا عن ذلك تجويزاً، فضلاً عن أن يكون إثباتاً وحكماً، فلا عَرَفُوا أولاً معنى الإلهية فإن الإلهية هي القدرة على الاختراع. وتقديرُ قادِرَيْن على ذلك غيرُ صحيح لِمَا يجب من وجود التمانع بينهما وجوازه، وذلك يمنع من كمالها، ولو لم يكونا كامِلَي الوصفِ لم يكونا إِلَهيْن، وكلُّ مَن جرّ ثبوته لسقوطه فهو مطرح باطل. هـ.
رُوي أنه لما أسلم عمر رضي الله عنه فرح به المؤمنون، وشقّ على قريش، فاجتمع خمسة وعشرون نفساً من صناديدهم، ومشوا إلى أبي طالب، وقالوا: أنت كبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء- أي: الذين دخلوا في الإسلام- وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فاستحضر أبو طالب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تَمِلْ كل الميل على قومك، فقال- عليه الصلاة والسلام «ماذا يسألونني» ؟ فقالوا:
ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا، وندعك وإلهك، فقال- عليه الصلاة والسلام:«أعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم» ، قالوا: نعم، وعشراً «1» . قال:«قولوا: لا إله إلا الله» فقاموا، وقالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ «2» . قيل: العجب: ما له مِثل، والعجاب: لا مثل له.
وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أي: وانطلق الأشراف من قريش عن مجلس أبي طالب، بعد ما بكّتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجواب، وشاهدوا تصلبه- عليه الصلاة والسلام في الدين، وعزيمته على إظهاره، ويئسوا مما كانوا يرجونه، بتوسُّط أبي طالب، من المصالحة على الوجه المذكور، قائلين أَنِ امْشُوا و «أنْ» تفسيرية لأن المنطلقين عن
(1) أي: نعطيكها وعشر كلمات معها.
(2)
أخرجه بنحوه أحمد فى المسند (1/ 227، 362) والترمذي وحسّنه فى (التفسير- سورة ص، ح 3232) والنّسائى فى الكبرى (التفسير 4/ 456) وابن حبان (الموارد ح 1757) والطبري فى التفسير (23/ 125) والبيهقي فى السنن (9/ 188) . والواحدي فى الأسباب (ص 380) وصحّحه الحاكم (2/ 432) ووافقه الذهبي. عن ابن عباس رضي الله عنه.