الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقرأ ابن عباس وابن الزبير: إِفْكُهُمْ «1» أي: صرفهم عن التوحيد. وقُرئ: بتشديد الفاء، للتكثير «2» .
الإشارة: التمكُّن من كثرة الحس لا يزيد إلا ضعفاً في المعنى، وبُعداً من الحق، ولذلك يقول الصوفية: كل ما زاد في الحس نقص في المعنى، وكل ما نقص من الحس زاد في المعنى، والمراد بالمعنى: كشف أسرار الذات وأنوار الصفات، وما مكّن اللهُ- تعالى- عبدَه من الحواس الخمس إلا ليستعملها فيما يقربه إليه، ويوصله إلى معرفته، فإذا صرفها في غير ذلك، عُوقب عليها. وبالله التوفيق.
ثم ذكر حال من أغنى عنه سمعه ونفعه، حيث استعمله فيما وصله إلى ربه، فقال:
[سورة الأحقاف (46) : الآيات 29 الى 32]
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (32)
قلت: «النفر» بالفتح: الجماعة من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يُقال نفر فيما زاد على عشرة، والرهط والقوم والعشيرة والمعشر معناهم الجمع، ولا واحد لهم من لفظه، وهو للرجال دون النساء. قاله فى المصباح. ومِنَ الْجِنِّ: نعت للنفر، وكذا يَسْتَمِعُونَ.
يقول الحق جل جلاله: وَاذكر إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ أي: أملناهم إليك، وأقبلنا بهم نحوك، وهم جن نصيبين، أو جن نينوى، قال في القاموس:«نِينوى» بكسر أوله، موضع بالكوفة، وقرية بالموصل
(1) انظر مختصر ابن خالويه (ص 140) والبحر المحيط (8/ 66) .
(2)
«أفكهم» وبذلك قرأ أبو عياض، كما فى مختصر ابن خالويه/ 140 والمحتسب (2/ 267) وزاد فى البحر المحيط (8/ 66) :
وعكرمة.
ليونس عليه السلام. هـ. يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ منه عليه السلام فَلَمَّا حَضَرُوهُ أي: الرسول صلى الله عليه وسلم، أو القرآن، أي: كانوا منه حيث يسمعونه، قالُوا أي: قال بعضهم لبعض: أَنْصِتُوا اسكتوا مستمعين، فَلَمَّا قُضِيَ، تمّ وفرغ من تلاوته، وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، مقدّرين إنذارهم عند رجوعهم إليهم.
رُوي: أن الجنَّ كانت تسترق السمع، فلما حُرست السماء، ورُموا بالشُهب، قالوا: ما هذا إلا لأمر حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، لتعرفوا ما هذا، فنهض سبعة أو تسعة من أشراف جن نصيبين أو نينوى، منهم:«زوبعة» فمضوا نحو تهامة، ثم انتهوا إلى وادي نخلة، فوافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي صلاة الفجر، فاستمعوا القرآن، وذلك عند منصرفه من الطائف، حين ذهب يدعوهم إلى الله، فكذّبوه، وردُّوا عليه، وأغروا به سفاءهم، فمضى على وجهه، حتى وصل إلى نخلة، فصلّى بها الغداة، فوافاه نفر الجن يصلي، فاستمعوا لقراءته، ولم يشعُر بهم، فأخبره الله تعالى باستماعهم «1» .
وقيل: أمره اللهُ- تعالى- أن يُنذر الجن، ويقرأ عليهم، فصرف الله إليه نفراً منهم، وجمعهم له، فقال صلى الله عليه وسلم:
إني أُمرت أن أقرأ على الجن، فمَن يتبعني؟ قالها ثلاثاً، فأطرقوا إلا عبد الله مسعود، قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة، فى شعب الحجون، فخطّ خطّاً، فقال: لا تخرج عنه حتى أعود إليك، ثم افتتح القرآن، وسمعت لغطاً شديداً، حتى خفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أرى أمثال النسور تهوي وتمشي، وغشيته أسوِدة كثيرة حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم تتقطع كقطع؟؟؟، ففرغ صلى الله عليه وسلم مع الفجر، فقال: أنمتَ؟ فقلت: لا والله، ولقد هممت مراراً أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك، تقول: اجلسوا، فقال: لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطفك بعضهم، ثم قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:«هل رأيت شيئاً؟» قلت: نعم، رجالاً سوداً، في ثياب بيض، قال:«أولئك جن نصيبن» «2» وكانوا اثني عشر ألفاً، والسورة التي قرأ عليهم: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ.
فلمَّا رجعوا إلى قومهم قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى، قيل: قالوا ذلك لأنهم كانوا على اليهودية، وعن ابن عباس: إن الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى عليه السلام وهو بعيد. حال كون الكتاب مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ من العقائد الصحيحة، أو إلى الله، وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يُوصل إلى الله، وهو الشرائع والأعمال الصالحة.
(1) أخرجه بمعناه البخاري فى (الأذان، باب الجهر بقراءة صلاة الفجر ح 773) وكذا أخرجه فى (التفسير، سورة الجن) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه.
(2)
انظر تفسير البغوي 7/ 267.
يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وَآمِنُوا بِهِ أي: بالرسول أو القرآن. وصفوه بالدعوة إلى الله- تعالى- بعد ما وصفوه بالهداية إلى الحق والطريق المستقيم لتلازمهما، دعوهم إلى ذلك بعد بيان حقيقته واستقامته، ترغيباً في الإجابة، ثم أكدوه بقولهم: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ أي: بعض ذنوبكم، وهو ما كان في حق خالصٍ لله- تعالى- فإنّ حقوق العباد لا تُغفر بالإيمان، وقيل: تغفر. وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ موجع.
واختلف في مؤمني الجن، هل يثابون على الطاعة، ويدخلون الجنة، أو يُجارون من النار فقط؟ قال الفخر:
والصحيح أنهم في حكم بني آدم، يستحقون الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية، وهو قول مالك، وابن أبي ليلى، وقال الضحاك: يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون. هـ. ويؤيده قوله تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا كما تقدّم في الأنعام «1» .
وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ أي: لا ينجي منه مهرب، وإظهار «داعي الله» من غير اكتفاء بضميره، للمبالغة في الإيجاب، بزيادة المهابة والتقرير وتربيته، وإدخال الروعة. وتقييد الإعجاز بكونه في الأرض لتوسيع الدائرة، أي: فليس بمعجز له- تعالى- وإن هرب في أقطار الأرض ودخل فى أعماقها.
وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ ينصرونه من عذاب الله، وهو بيان لاستحالة نجاته بواسطة، إثر بيان استحالة نجاته بنفسه، وجمع «الأولياء» مبالغة، إذا كان لا ينفعه أولياء، فأولى واحد. أُولئِكَ الموصوفون بعدم إجابة داعي الله فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: ظاهر، بحيث لا تخفى ضلالته على أحد، حيث أعرضوا عن إجابة مَن هذا شأنه، وجمع الإشارة باعتبار معنى «مَنْ» ، وأفرد أولاً باعتبار لفظها.
الإشارة: قد استعملت الجن الأدب بين يديه صلى الله عليه وسلم حيث قالوا: أنصتوا، فالجلوس مع الأكابر يحتاج إلى أدب كبير، كالصمت، والوقار، والهيبة، والخضوع، كما كانت حالة الصحابة- رضي الله عنهم مع الرّسول صلى الله عليه وسلم إذا تكلم أنصتوا كأنما على رؤوسهم الطير. قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه:«إذا جالست الكبراء فدع ما تعرف إلى مالا تعرف، لتفوز بالسر المكنون» فإذا انقضى مجلس التذكير رجع كل واحد منذراً وداعياً إلى الله كلَّ مَن لقيه، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه:«ليبلغ الشاهد الغائب» «2» فمَن بلغه ذلك واستجاب ربح وغنم، ومَن لا يجب داعي الله
(1) راجع تفسير الآية 132 من سورة الأنعام. وانظر فى حكم مؤمنى الجن: تفسير القرطبي (7/ 6224) و «آكام المرجان فى أحكام الجان» للشبلى النّعمانى.
(2)
جزء من حديث خطبة الرّسول فى حجة الوداع، أخرجه البخاري فى (الحج، باب الخطبة أيام منى ح 1741) ، ومسلم فى (القسامة، باب تعليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال رقم 1679، ح 29، 30) عن أبى بكرة رضي الله عنه.