الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإشارة: مجلس الوعظ والتذكير، إن كان المذكِّر من أهل التنوير، نهض المستمع له إلى الله قطعاً، لكن ذلك يتفاوت على قدر سريان النور فيه قطعاً، فمنهم مَن يصل النور إلى ظاهر قلبه، ومنهم مَن يصل إلى داخل القلب، ومنهم مَن يصل إلى روحه، ومنهم مَن يصل إلى سره، وذلك على قدر التفرُّع والاستعداد، فمَن وصل النورُ إلى ظاهر قلبه نهض إلى العمل الظاهر، وكان بين حب الدنيا والآخرة، ومَن وصل إلى قلبه نهض بقلبه إلى الله، ورفض الدنيا وراءه، ومَن وصل إلى روحه انكشف عنه الحجاب، ومَن وصل إلى سره تمكن من شهود الحق.
وفي الحِكَم: «تسبق أنوارُ الحكماء أقوالَهم، فحيثما سار التنويرُ وصل التعبير» «1» ، وهذا إن حضر مستفيداً، وأما إن حضر منتقداً، فهو قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ.. الآية، والذين اهتدوا لدخول طريق التربية زادهم هُدىً، فلا يزالون يزيدون تربيةً وترقيةً إلى أن يصلوا إلى مقام التمكين من الشهود. قال القشيري: والذين اهتدوا بأنواع المجاهدات زادهم هُدىً لأنوار المشاهداتْ، واهتدوا بتأمُّل البرهان، فزادهم هُدىً برَوْح البيان، أو اهتدوا بعلم اليقين، فزادهم هُدىً بحق اليقين. هـ.
ثم ذكر سبب الهداية وأساسها، فقال:
[سورة محمد (47) : آية 19]
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (19)
يقول الحق جل جلاله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ أي: إذا علمت أن مدار السعادة، والفوز بالنعيم في دار البقاء هو التوحيد والطاعة، ومناط الشقاء والخسران في دار الهوان هو الإشراكُ والعصيان، فاثبت على ما أنت عليه من التوحيد، واعلم أنه لا إله في الوجود إلا الله، فلا يستحق العبادة غيره، وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وهو ما قد يصدر منه صلى الله عليه وسلم من خلاف الأولى، عبّر عنه بالذنب نظراً إلى منصبه الجليل، كيف لا، وحسنات الأبرار سيئات المقربين؟ ف كل مقام له آداب، فإذا أخلّ بشيء من آدابه أُمر بالاستغفار، فلمقام الرسالة آداب، ولمقام الولاية آداب، ولمقام الصلاح آداب، وضعفُ العبودية لا يقوم بجميع حقوق الربوبية، قال تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ «2» .
وبالجملة، فالقيام بالآداب مع الله- تعالى- على ما يستحقه- سبحانه- حتى يُحيط العبد بجميع الآداب مع عظمة
(1) حكمة (رقم 182) انظر تبويب الحكم للمتقى الهندي (ص 36) .
(2)
من الآية 67 من سورة الزمر. [.....]
الربوبية محال عادة، قال صلى الله عليه وسلم مع جلالة منصبه:«لا أُحصي ثناء عليك، أنتَ كَمَا أثنَيتَ عَلى نفسك» «1» ف كل ما قَرُبَ العبدُ من الحضرة شُدّد عليه في طلب الأدب، فإذا أخذته سِنةٌ أُمر بالاستغفار، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يستغفر في المجلس سبعين مرة، أو مائة، على ما في الأثر «2» .
وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرَّحمن الفاسي، بعد كلام: والحق أن استغفاره صلى الله عليه وسلم طلب ثبات المغفرة والستر من الوقوع، لا طلب العفو بعد الوقوع، وقد أخبره تعالى بأنه فعل. وقد يُقال: استغفار تعبُّد لا غير. قال: والذي يظهر لي أن أمره بالاستغفار مع وعد الله بأنه مغفور له إشارة إلى الوقوف مع غيب المشيئة، لا مع الوعد، وذلك حقيقةٌ، والوقوف مع الوعد شريعة. وقال الطيبي: إذا تيقنت أن الساعة آتية، وقد جاء أشراطها، فخُذ بالأهم فالأهم، والأَولى فالأَولى، فتمسّك بالتوحيد، ونزِّه اللهَ عما لا ينبغي، ثم طَهِّر نفسك بالاستغفار عما لا يليق بك، مِن ترك الأَولى، فإذا صِرت كاملاً في نفسك فكن مكمِلاً لغيرك، فاستغفر لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ. هـ. أي: استغفر لذنوبهم، بالدعاء لهم، وترغيبهم فيما يستدعي غفران ذنوبهم.
وفي إعادة الجار تنبيه على اختلاف متعلّقيه إذ ليس موجبُ استغفاره صلى الله عليه وسلم كموجب استغفارهم، فسيئاته- عليه السلام فرضاً- حسناتهم. وفي حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه- أي: ولذنب المؤمنين- إشعار بعراقتهم في الذنوب، وفرط افتقارهم إلى الاستغفار.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ أي: يعلم متقلبكم في الدنيا، فإنها مراحل لا بد من قطعها، ويعلم مثواكم في العقبى فإنها مواطن إقامتكم، فلا يأمركم إلا بما هو خير لكم فيهما، فبادِروا إلى الامتثال لما أمركم به، فإنه المهم لكم، أو: يعلم متقلبكم: في معايشكم ومتاجركم، ومثواكم: حيث تستقرون في منازلكم، أو متقلبكم: في حياتكم، ومثواكم: في القبور، أو: متقلبكم: في أعمالكم الحسنة أو السيئة، ومثواكم: من الجنة أو النار، أو: يعلم جميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها، فمثله حقيق بأن يُخشى ويُتقى ويُستغفر.
الإشارة: قال القشيري: قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وكان عالماً، ولكن أمره باستدامة العلم واستزادته، وذلك في الثاني من حاله في ابتداء العلم، لأن العلم أمر، ولا يجوز البقاء على الأمر الواحد، ف كل لحظة يأتي فيها علم. ويقال: كان له علم اليقين، فأُمِر بعين اليقين، أو: كان له عين اليقين، فأمر
(1) بعض حديث صحيح، أخرجه مسلم فى (الصلاة، باب ما يقال فى الرّكوع والسجود ح 486) من حديث السيدة عائشة- رضي الله عنها.
(2)
أخرج مسلم فى (الذكر والدعاء والتوبة، باب الاستغفار واستحباب الاستغفار والاستكثار منه ح 2702) عن الأغر المزني، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه ليغان على قلبي وإنى لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة» .
بحق اليقين. ويقال: قال صلى الله عليه وسلم: «أنا أعملكم بالله وأخشاكم له» فنزلت الآية «1» ، أي: أُمر بالتواضع. وهنا سؤال:
كيف قال: «فاعلم» ولم يقل صلى الله عليه وسلم بعدُ: علمتُ، كما قال إبراهيم حين قال له: أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ «2» ويُجاب:
بأن الله تعالى أخبر عنه بقوله: آمَنَ الرَّسُولُ «3» والإيمان هو العلم، فإخبارُ الحق- تعالى- عنه أتم من إخباره عن نفسه بقوله: علمته.
ويُقال: إبراهيم عليه السلام لما قال: أَسْلَمْتُ ابتلى، ونبينا صلى الله عليه وسلم لم يقل علمت، فعُوفي، ويقال: فرق بن موسى، لمَّا احتاج إلى زيادة العلم أُحيل على الخضر، ونبينا صلى الله عليه وسلم قال له: قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً «4» فكم بين مَن أُحيل في استزادة العلم على عبد، وبين مَن أُمِر باستزادة العلم من الحق. ويقال: إنما أمره بقوله: فَاعْلَمْ بالانقطاع إليه من الحظوظ من الخلق، ثم بالانقطاع منه إليه، وإذا قال العبد هذه الكلمة على العادة، والغفلة عن الحقيقة، [وهي نصف البيان]«5» فليس لهذا القول كبيرُ قيمةٍ، وهذا إذا تعجب من شيء فذكر هذه الكلمة، فليس له قَدْرٌ، وإذا قاله مخلصاً ذاكراً لمعناها، متحققاً بحقيقتها، فإن قاله بنفسه فهو في وطن التفرقة، وعندهم هذا من الشِّرْكِ الخفيِّ، وإن قاله بالحق فهو إخلاص، والعبد أولاً يعلم ربه بدليل وحُجةٍ، فعلمه بنفسه ضروري، وهو أصل الأصول، وعليه ينبني كل علم استدلالي، ثم تزداد قوةُ علمه بزيادة البيان، وزيادة الحُجج، ويتناقض علمه بنفسه لغَلَبة ذكرِ الله بقلبه عليه، فإذا انتهى لحال المشاهدة، واستيلاء سلطان الحقيقة عليه، صار علمه في تلك الحالة ضرورياً، ويقِل إحساسه بنفسه، حتى يصير علمه بنفسه كالاستدلال، وكأنه غافلٌ عن نفسه، أو ناسٍ لنفسه، ويُقال: الذي في البحر غلب عليه ما يأخذه من الرؤية عن ذكر نفسه، فإذا ركب البحر فرَّ من هذه الحالة، فإذا غرق في البحر فلا إحساس له بشيء سوى ما هو مستغرقٌ فيه مستهلَك. هـ.
قلت: لا مدخل للحجج هنا، وإنما هو أذواق وكشوفات، فالصواب أن يقول: ثم تزداد قوة علمه، بزيادة الكشف والذوق، حتى يغيب عن وجوده، بشهود معبوده، فيتناقض علمه، فيصير علمه بالله ضرورياً، وعلمه بعدم وجوده ضرورياً، والله تعالى أعلم.
(1) نزول الآية فى هذا لم أقف عليه، أما الحديث فصحيح، فقد ترجم البخاري فى صحيحه (كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم «أنا أعلمكم بالله» ح 20) وأورد حديث السيدة عائشة- رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وما تأخر، فيغضب صلى الله عليه وسلم، حتى يعرف الغضب فى وجهه، ثم يقول:«إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» . وأخرج البخاري أيضا فى (الأدب، باب من لم يواجه النّاس بالعتاب ح 6101) عن السيدة عائشة- رضى عنها- قالت: صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فترخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فخطب فحمد الله، ثم قال:«ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فالله إنى لأعلمهم بالله عز وجل، وأشدهم له خشية» .
(2)
من الآية 131 من سورة البقرة.
(3)
من الآية 285 سورة البقرة.
(4)
من الآية 114 من سورة طه.
(5)
فى القشيري: [أي كان بصفة النّسيان] وهو أنسب.