الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
له حكايات ظريفة، وديوان شعر أكثرُه جيد، عبث فيه بجماعة من الأعيان، وثلبهم، ولم يسلم منه أحد، لا الخليفةُ ولا غيره، وله مع حيص بيص ماجرياتٌ، وأحواله ومضحكاته كثيرة، فإنه كان آية في هذا الباب، وكان مجمَعًا على ظرفه ولطفه، وكان الناس يشيرون إليه: هذا ابن قطان الهجاء، وأما ابن القطان أبو الحسين بن أحمد البغدادي الفقيه الشافعي، فإنه كان من كبار أئمة الأصحاب، أخذ عنه العلماء، وكانت الرحلة إليه بالعراق، توفي سنة تسع وخمسين وأربع مئة رحمه الله.
123 - أبو القاسم - وأبو الكرم، هبةُ الله بنُ عليِّ بنِ مسعودٍ، الأنصاريُّ، الخزرجيُّ، المعروف بالبوصيريِّ
.
كان أديبًا كاتبًا، له سماعات عالية، وروايات تفرد بها، وألحق الأصاغرَ بالأكابر في علو الإسناد، ولم يكن في آخر عصره في درجته مثله، وسمع بقراءة الحافظ أبي الطاهر السلفي، وإبراهيم بن حاتم الأسدي على أبي صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المديني - إمامِ الجامع العتيق - بمصر. والبوصيريُّ آخر من روى في الدنيا كلها عن أبي صادق، وأبي الحسن، عليِّ بن الحسين بن عمر الفراء الموصلي سماعًا، وروى أيضًا عن أبي الفتح، سلطانِ بن إبراهيم بن مسلم المقدسي، وهو آخر من روى عنه سماعًا في الأرض كلها، وسمع عليه الناس، وأكثروا ورحلوا إليه من البلاد.
ولد سنة 506 بمصر، وتوفي سنة 598 - رحمه الله تعالى -.
124 - أبو زكريا، يحى بن مَعين بنِ عونِ بنِ زياد بنِ بسطامِ، المريُّ البغداديُّ، الحافظُ المشهورُ
.
كان إمامًا عالمًا حافظًا متفننًا، قيل: إنه من قرية نحو الأنبار تسمى نقياي، وكان أبوه كاتبًا لعبد الله بن مالك، وقيل: إنه كان على خراج الري، فمات، فخلف لابنه يحيى المذكور ألفَ ألفِ درهم وخمسين ألف درهم، فانفق جميعَ المال على الحديث.
وسئل يحيى: كم كتبت من الحديث؟ فقال: كتبت بيدي هذه ست مئة ألف حديث. وقال راوي هذا الخبر - وهو أحمد بن عقبة -: وإني أظن أن المحدثين قد كتبوا له بأيديهم ست مئة ألف، وست مئة ألف، وخلف من الكتب مئة قِمَطر، وأربع حباب شرابية مملوءة كتبًا، وهو صاحب "الجرح والتعديل"، وروى عنه الحديث كبارُ الأئمة، منهم: أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو الحسين، مسلمُ بن الحجاج القشيري، وأبو داود السجستاني، وغيرُهم من الحفاظ.
وكان بينه وبين الإمام أحمد بن حنبل من الصحبة والألفة والاشتراك بالاشتغال بعلوم الحديث ما هو مشهور، ولا حاجة إلى الإطالة فيه، وروى عنه: هو، وأبو خيثمة، وكانا من أقرانه.
وقال علي بن المديني: انتهى العلم بالبصرة إلى يحيى بن أبي كثير، وقتادة، وعلمُ الكوفة إلى إسحاق، والأعمش، وانتهى علم الحجاز إلى ابن شهاب، وعمرو بن دينار، وصار علمُ هؤلاء الستة بالبصرة إلى سعيد بن أبي عروبة، وشعبة، ومعمر، وحماد بن سلمة، وأبي عوانة، ومن أهل الكوفة إلى سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، ومالك بن أنس، ومن أهل الشام إلى الأوزاعي، وانتهى علم هؤلاء إلى محمد بن إسحق، وهشيم، ويحيى بن سعيد، وابن أبي زائدة، ووكيع، وابن المبارك، وهو أوسع هؤلاء علمًا، وابن مهدي، ويحيى بن آدم، وصار علم هؤلاء جميعًا إلى يحيى بن معين.
وقال أحمد بن حنبل: كل حديث لا يعرفه يحيى فليس هو بحديث، وكان يقول: ها هنا رجل خلقه الله لهذا الشأن، يُظهر كذب الكذابين؛ يعني: يحيى بن معين.
وقال ابن الرومي: ما سمعت أحدًا قطُّ يقول الحق في المشايخ غير يحيى بن معين، وغيره كان يتحامل بالقول، وقال يحيى: ما رأيت على رجل قط خطأ إلا سترته، وأحببت أن أزين أمره، وما استقبلت رجلًا في وجهه بأمر يكرهه، ولكن أبين له خطأه فيما بيني وبينه، فإن قبل ذلك، وإلا تركته، وكان يقول: كتبنا عن
الكذابين، وسجرنا به التنور، وأخرجنا به خبزًا نضيجًا. وكان ينشد كثيرًا - شعر:
المالُ يذهب حلُّه وحرامُه
…
طُرًّا ويبقى في غدٍ آثامُهُ
ليسَ التقيُّ بمتَّقٍ لإلَهِهِ
…
حتى يطيبَ شرابُه وطعامُهُ
ويطيب ما يحوي وتكسب كفه
…
ويكون في حسن الحديثِ كلامُهُ
نطقَ النبيُّ لنا به عن ربِّه
…
فعلى النبيِّ صلاتُه وسلامُهُ
وقد ذكره الدارقطني فيمن روى عن الإمام الشافعي رضي الله عنه، وقد سبق في ترجمة الشافعي رحمه الله خبره معه، وما جرى بينه وبين الإمام أحمد في ذلك، وسمع أيضًا من عبد الله بن المبارك، وسفيان بن عيينة.
وكان يحيى يحج، فيذهب إلى مكة، ويرجع إلى المدينة، فلما كان آخر حجة حجَّها، خرج إلى المدينة، ورجع إلى المدينة، فأقام بها ثلاثة أيام، ثم خرج حتى أتى المنزل مع رفقائه، فباتوا، فرأى في النوم هاتفًا يهتف به: يا أبا زكريا! أترغبُ عن جواري؟! فلما أصبح، قال لرفقائه: امضوا؛ فإني راجع إلى المدينة، فمضوا، ورجع، وأقام بها ثلاثة أيام، ثم مات، فحُمل على أعواد النبي صلى الله عليه وسلم.
وكانت وفاته لسبع ليال من ذي القعدة سنة 233، هكذا قاله الخطيب في "تاريخ بغداد"، وهو غلط قطعًا؛ لما تقدم ذكره.
وهو أنه خرج إلى مكة للحج، ثم رجع إلى المدينة، ومات بها، ومن يكون قد حج، كيف يتصور أن يموت بذي القعدة من تلك السنة؟ فلو ذكر أنه توفي في ذي الحجة، لأمكن، ويحتمل أن يكون هذا غلطًا من الناسخ.
قال ابن خلكان: لكني وجدته في نسختين على هذه الصورة، فيبعد أن يكون من الناسخ، والله أعلم، ثم ذكر بعد ذلك: أن الصحيح أنه مات قبل أن يحج، وعلى هذا يستقيم ما قاله من تاريخ الوفاة.
ثم نظرت في كتاب "الإرشاد في معرفة علماء الحديث"، تأليف أبي يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن الخليل الحافظ: أن يحيى بن معين