الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منزلته؛ فإن المجتهدَ شأنهُ أن يبين ما يخالف الأدلة الصحيحة ويعترضه، سواء كان قائله عظيمًا، أو حقيرًا، ع * فتلك شكاة ظاهر عنك عارها *، وكانت وفاة صاحب الترجمة سنة 1014 - رحمه الله تعالى -.
445 - قال الشوكاني - رحمه الله تعالى - في "البدر الطالع": مولانا الإمامُ خليفةُ العصر، أميرُ المؤمنين المنصورُ بالله ربِّ العالمين، عليُّ بنُ الإمام المهديِّ العباسِ بنِ المنصورِ الحسين بنِ المتوكل القاسم بنِ الحسين
.
وأطال في ترجمة إخوانه وأولاده إطالة حسنة، وقال في ضمنها: ولي القضاء الأكبر عند مبايعته القاضي العلامة يحيى بن صالح السحولي، فلما مات، وكنت إذ ذاك مشتغلاً بالتدريس في علوم الاجتهاد والإفتاء والتصنيف، منجمعًا عن الناس، لا سيما أهل الأمر وأرباب الدولة، فإني لا أتصل بأحد منهم كائنًا من كان، ولم تكن لي رغبة في سوى العلوم، كنت أدرس الطلبة في اليوم الواحد نحو ثلاثة عشر درسًا، منها: ما هو في التفسير؛ كالكشاف وحواشيه، ومنها: ما هو في الأصول؛ كالعضد وحواشيه، والغاية وحاشيتها، وجمع الجوامع وشرحه، ومنها: ما هو في المعاني والبيان؛ كالمطول، والمختصر، وحواشيهما، ومنها: ما هو في النحو؛ كشرح الرضي، والمغني، ومنها: ما هو في الفقه؛ كالبحر، وضوء النهار، ومنها: ما هو في الحديث؛ كالصحيحين، وغيرهما - مع ما يعرض من تحرير الفتاوى، ويمكن من التصنيف، فلم أشعر إلا بطلاب من الخليفة - حفظه الله - بعد وفاة القاضي السحولي بنحو أسبوع، فعزمت إلى مقامه العالي، فذكر لي أنه قد رجح قيامي مقام القاضي المذكور، فاعتذرت إليه بما كنت فيه من الاشتغال بالعلم، فقال: القيام بالأمرين ممكن، وليس المراد إلا القيام بفصل ما يصل من الخصومات إلى ديوانه العالي في يومي اجتماع الحكام فيه، فقلت: ستقع مني الاستخارة لله، والاستشارة لأهل الفضل، وما اختاره الله فالخير فيه، فلما فارقته، ما زلت مترددًا نحو أسبوع.
ولكنه رفد إلي كلَّ من ينتسب إلى العلم في مدينة صنعاء، وأجمعوا على أن الإجابة واجبة، وأنهم يخشون أن يدخل في هذا المنصب الذي إليه مرجع
الأحكام الشرعية في جميع الأقطار اليمنية مَنْ لا يوثق بدينه وعلمه، وأكثروا من هذا، وأرسلوا إليّ بالرسائل المطولة، فقبلت مستعينًا بالله، ومتكلاً عليه، ولم يقع التوقف على مباشرة الخصومات في اليومين فقط، بل انثار الناس من كل محل، فاستغرقت في ذلك جميع الأوقات إلا لحظات يسيرة قد أفرغها للنظر في شيء من كتب العلم، أو لشيء من التحصيل في تتميم ما قد كنت شرعت فيه، واشتغل الذهن شغلة كبيرة، وتكدر الخاطر تكدرًا زائدًا، ولا سيما وأنا لا أعرف الأمور الاصطلاحية في هذا الشأن، ولم أحضر عند قاطن في خصومة، ولا في غيرها، بل كنت لا أحضر في مجالس الخصومة عند والدي - رحمه الله تعالى - من أيام الصغر فما بعدها.
ولكن شرح الله الصدر، وأعان على القيام بذلك الشأن، ومولانا الخليفة - حفظه الله - ما ترك شيئًا من التعظيم إلا وفعله، وكان يجلني إجلالاً عظيمًا، وينفذ الشريعة على قرابته وأعوانه، بل على نفسه، وأنا حالَ تحرير هذه الأحرف في سنة 1213 مستمر على مباشرة تلك الوظيفة مؤثرًا التدريس للطلبة في بعض الأوقات في مصنفاتي وغيرها، وأسأل الله بحوله وطَوْله أن يرشدني إلى مراضيه، ويحولَ بيني وبين معاصيه، وييسر لي الخير حيث كان، ويدفع عني الشر، ويقيمني في مقام العدل، ويختار لي ما علم فيه الخير في الدين والدنيا.
وفي رمضان سنة 1224 توفي مولانا الإمام بداره المسماة بدار الإسعاد، وكان الذي صلى عليه في جمع جَمٍّ راقمُ هذه الأحرف. ووقعت البيعة لولده مولانا الإمام المتوكل على الله، أحمد بن المنصور في الليلة التي مات فيها الإمام، وكنت أول من بايعه، ثم كنت المتولي لأخذ البيعة له من إخوته وأعمامه وسائر آل الإمام القاسم، وجميع أعيان العلماء والرؤساء، وكانت البيعة منهم في أوقات، والله المسؤول أن يجعل فيه للمسلمين صلاحًا وفلاحًا، انتهى، كلامه.
أقول: وما جرى لحضرة الأستاذ رضي الله عنه من ولاية القضاء، جرى لنا أيضًا مثله من ولاية فصل الخصومات في منزلنا هذا، من جهة واليته - أصلح الله حالها ومآلها - وكان ذلك على إكراه منا، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.