الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتابًا، قال: وله نظم كثير، ثم ذكر منه شيئًا، قال: ورئيت له منامات صالحة كثيرة، انتهى.
وغالب هذه الكتب عندي موجود، وله تصانيف كثيرة سوى ذلك، مثل:"قضاء وقدر"، و"طرق السعادتين"، و"مولد النبي صلى الله عليه وسلم "، و"نونية"، وغير ذلك.
قال الشوكاني: وكل تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف، وله من حسن التصرف في الكلام، مع العذوبة الزائدة، وحسن السياق، ما لا يقدر عليه غالبُ المصنفين؛ بحيث تعشق الأفهام كلامه، وتميل إليه الأذهان، وتحبه القلوب، وليس له على غير الدليل معوَّل في الغالب، وقد يميل نادرًا إلى مذهبه الذي نشأ عليه، ولكنه لا يتجاسر على الدفع في وجوه الأدلة بالمحامل الباردة؛ كما يفعله غيره من المتمذهبين، بل لا بد له من مستند في ذلك، وغالب أبحاثه الإنصاف، والميلُ مع الدليل حيث مال، وعدمُ التعويل على القيل والقال، وإذا استوعب الكلام في بحث، وطول ذيوله، أتى بما لم يأت به غيره، وساق ما تنشرح له صدور الراغبين في أخذ مذاهبهم عن الدليل، وأظنه سرت بركة ملازمته لشيخه ابن تيمية في السراء والضراء، والقيام معه في محنه ومواساة بنفسه، وطول تردده إليه، فإنه ما زال ملازمًا له من سنة 712 إلى تاريخ وفاته.
وبالجملة: فهو واحدُ مَنْ قام بنشره السنة، وجعلها بينه وبين الآراء المحدثة أعظمَ جُنة، فرحمه الله، وجزاه عن المسلمين خيرًا. وحكي عنه قبل موته بمدة: أنه رأى شيخه ابن تيمية في المنام، وأنه سأله عن منزلته - أي منزله -؟ فقال: إنه أنزل فوق فلان - وسمى بعض الأكابر -، وقال له: أنت تلحق به، ولكن أنت في طبقة ابن خزيمة، ومات في ثالث شهر رجب سنة 751، انتهى - رحمه الله تعالى -.
466 - [شيخ الإسلام] أحمدُ بنُ عبد الحليم بنِ عبدِ السلام، ابن تيمية، الحرانيُّ، الدمشقيُّ، الحنبليُّ، تقيُّ الدين، أبو العباس
.
قال الشوكاني في كتاب "شرح الصدور في تحريم رفع القبور": هو الإمام المحيط بمذاهب سلف هذه الأمة وخلفها، انتهى. وقال ابن فضل الله العمري
في "مسالك الأبصار": هو العلامة الحافظ المجتهد الحجة، المفسر، شيخ الإسلام، نادرة العصر، عَلَم الزهاد.
وقال ابن رجب: هو الإمام الفقيه المجتهد، المحدث المفسر الأصولي.
وقال الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي في "تذكرة الحفاظ": هو شيخنا الإمام الرباني، إمامُ الأئمة، ومفتي الأمة، بحرُ العلوم، سيدُ الحفاظ، فارسُ المعاني والألفاظ، فريدُ العصر، قريعُ الدهر، شيخ الإسلام، قدوة الأنام، علامة الزمان، ترجمة القرآن، علم الزهاد، أوحد العباد، قامع المبتدعين، علامة المجتهدين.
وقال في "البدر الطالع": شيخ الإسلام، إمام الأئمة، المجتهد المطلق، ولد سنة 661.
قال ابن حجر في "الدرر": نظر في الرجال والعلل، وتفقه، وتمهر، وتقدم وصنف، ودرَّس وأفتى، وفاق الأقران، وصار عجبًا في سرعة الاستحضار وقوة الجَنان، والتوسُّع في المنقول والمعقول، والاطلاع على مذاهب السلف والخلف، انتهى.
وأقول أنا: لا أعلم بعدَ ابن حزم مثلَه، وما أظنُّ سمحَ الزمان ما بين عصرَي الرجلين بمن يشابههما أو يقاربهما. قال الذهبي ما ملخصه: كان يقضى منه العجب، إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف، استدل ورجح، وكان يحق له الاجتهاد؛ لاجتماع شروطه، وما رأيت أسرعَ انتزاعًا للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشدَّ استحضارًا للمتون وعزوها منه. كانت السنة نصبَ عينيه، وعلى طرف لسانه بعبارة رشيقة، وكان آية من آيات الله في التفسير والتوسع فيه، قال: ولعل فتاواه في الفنون تبلغ ثلاث مئة مجلد بل أكثر، وكان قوالاً بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان أبيضَ، أسودَ الرأس واللحية، قليلَ الثيب، شعره إلى شحمة أذنيه، كأن عينيه لسانان ناطقان، ربعةَ من الرجال، بعيدَ ما بين المنكبين، جهوريَّ الصوت، فصيحًا، سريعَ القراءة، تعتريه حدة، لكن يقهرها بالحلم. قال: ولم أر مثله في ابتهاله واستعانته بالله،
وكثرة توجهه إليه، وأنا لا أعتقد فيه عصمة، بل أنا مخالف له في مسائل أصلية وفرعية؛ فإنه كان بشرًا من البشر، تعتريه حدة في البحث، وغضب وصدمة للخصوم، تزرع له عداوة في النفوس، ولولا ذلك، لكان كلمةَ إجماع، فإنَّ كبارَهم خاضعون لعلمه، معترفون بأنه بكر لا ساحلَ له، وكنز ليس له نظير، ولكن ينقمون عليه أخلاقًا وأفعالاً، وكلُّ أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الذهبي: وما كان متلاعبًا بالدين، ولا يتفرد بمسائل بالتشهي، ولا يطلق لسانه بما اتفق، بل يحتج بالقرآن والحديث والقياس، ويبرهن ويناظر أسوة لمن تقدمه من الأئمة، فله أجر على خطئه، وأجران على إصابته، انتهى.
قال الشوكاني: ومع هذا، فقد وقع له مع أهل عصره قلائل وزلازل، وامتُحن مرة بعد أخرى، وحُبس حبسًا بَعد حبس، وجرت فتن عديدة، والناس قسمان في شأنه: فبعضٌ منهم مقصر به عن المقدار الذي يستحقه، بل يرميه بالعظائم، وبعض آخر يبالغ في وصفه، ويجاوز به الحدَّ، ويتعصب له كما يتعصب أهل القسم الأول عليه، وهذه قاعدة مطردة في كل عالم يتبحر في المعارف العلمية، ويفوق أهل عصره، ويدين بالكتاب والسنة؛ فإنه لا بد أن يستنكره المقصرون، ويقع له معهم محنة، ثم يكون أمره الأعلى وقوله الأولى، ويصير له بتلك الزلازل لسان صدق في الآخرين، ويكون لعلمه حظ لا يكون لغيره، وهكذا كان حال هذا الإمام؛ فإنه بعد موته عرف الناس مقداره، واتفقت الألسن بالثناء عليه، إلا من لا يُعتد به، وطارت مصنفاته، واشتهرت مقالاته، انتهى.
وقد ترجم له جماعات، منهم: الشهاب ابن فضل الله العمري في "مسالك الأبصار"، وكتب ترجمة حسنة طويلة عريضة كاملة، ومنهم: العلامة ابن رجب الحنبلي في "طبقاته"، وأثنى عليه ثناء كثيرًا، ومنهم: ابن شاكر صاحب "فوات الوفيات"، ومنهم: الشيخ مرعي، وسماها:"الكواكب الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية"، ومنهم: الحافظ ابن عبد الهادي، ترجم له في مجلد مفرد،
ومنهم: أبو حفص عمر بن علي البزار البغدادي، كتب كراريس في ترجمته، ومنهم: العلامة صفي الدين أحمد البخاري نزيل نابلس، وسماها:"القول الجلي"، وقرض عليه العلامة مفتي القدس محمد الباقلاني، ومحدث الشام محمد الكربزي الشافعي، ومنهم: العلامة نجم الدين أبو الفضل، أنشد قصيدة حسنة طويلة في مدحه وثنائه.
قال ابن رجب - رحمه الله تعالى - في حقه: شيخ الإسلام، وعلم الأعلام، وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره، والإسهاب في أمره، عُني بالحديث، وسمع "المسند" مرات، والكتب الستة، ومعجم الطبراني "الكبير"، وما لا يحصى من الكتب والأجزاء، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه جملة من الأجزاء، وأقبل على العلوم في صغره، وبرع في ذلك، وقرأ في العربية، وأقبل على تفسير القرآن الكريم، فبرز فيه، وأحكمَ أصول الفقه والفرائض والحساب، ونظر في علم الكلام والفلسفة، وبرز في ذلك على أهله، ورد على رؤسائهم وأكابرهم، ومهر في هذه الفضائل، وتأهل للفتوى والتدريس وله دون عشرين سنة، وأفتى من قبل عشرين أيضًا، وأمد بكثرة الكتب وسرعة الحفظ وقوة الإدراك والفهم وبطوء النسيان، حتى قال غير واحد أنه لم يكن يحفظ شيئًا فينساه.
وحصر عنده قاضي القضاة بهاء الدين، والشيخ تاج الدين الفزاري، وزين المرجل، وابن المنجا وجماعة، وذكر درسًا عظيمًا في البسملة - وهو مشهور بين الناس، وعظَّمه الجماعة والحاضرون وأثنوا عليه ثناء كثيرًا.
قال الذهبي: وكان الفزاري يبالغ في تعظيمه، وذكر على الكرسي يوم الجمعة شيئًا من الصفات، فقام بعض المخالفين وسعوا في منعه من الجلوس فلم يمكنهم ذلك، وقال قاضي القضاة شهاب الدين الخوي: أنا على اعتقاد الشيخ تقي الدين فعوتب في ذلك، فقال لأن ذهنه صحيح ومواده كثيرة فهو لا يقول إلا الصحيح. وقال الشيخ شرف الدين المقدسي: أنا أرجو بركته ودعائه وهو صاحبي وأخي، ذكر ذلك البزار إلي في تاريخه، ولم يزل في علو وازدياد من العلم والقدر إلى آخر عمره، قال الذهبي: شيخنا وشيخ الإسلام فريد الزمان
علمًا ومعرفة وشجاعة وذكاء وتنويرًا إلهيًا وكرمًا ونصحًا للأمة وآمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، وسمع الحديث وأكثر بنفسه في طلبه، وكتب ونظر في الرجال والطبقات وحصل ما لم يحصل غيره، برع في تفسير القرآن وغاص في دقيق معانيه بطبع سيال وخاطر إلى مواقع الإشكال ميال، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها، وبرع في الحديث وحفظه، فقلَّ مَنْ يحفظ ما يحفظه من الحديث، معزوا إلى أصوله مع شدة استحضار له وقت إقامة الدليل، وفاق الناس في معرفة الفقه واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث أنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم دليله عنده، وأتقن العربية أصولاً وفروعًا وتعليلاً واختلافًا، ونظر في العقليات وعرف أقوال المتكلمين، ورد عليهم ونبَّه على خطئهم وحذر منهم، ونصر السنة بأوضح حجج وأبره براهين، وأوذي في ذات الله من المخالفين، وأخيف في نصر السنة المحصنة حتى أعلن الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له، وكتب أعدائه وهدى به رجالاً من أهل الملل والنحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبًا وعلى طاعته، ويضيء به الشام بل الإسلام بعد أن كاد يتثلم بتشبيه الأمر لما أقبل حرب "التتر" والبغي في خيلائهم، وظننت بالله الظنون وزلزل المؤمنون واشرأب النفاق وأبدى صفحته ومحاسنه كثيرة، وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي، فلو حلفت بين الركن والمقام وبالطلاق ألف طلقة أني ما رأيت بعيني مثله، وأنه ما رأى مثلَ نفسه، ما حنثتُ، وقد قرأت بخط الشيخ العلامة شيخِنا كمالِ الدين بنِ الزملكاني ما كتبه سنة بضع وسبعين تحت اسم:"ابن تيمية": كان إذا سُئل عن فن من العلم، ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غيرَ ذلك، وحكم أن أحدًا لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا، استفادوا في مذاهبهم منه أشياء، ولا يُعرف أنه ناظرًا أحدًا، فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم - سواء كان من علوم الشرع، أو غيرها - إلا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها.
قال ابن رجب: قلت: وقد عُرض عليه قضاءُ القضاة، ومشيخةُ الشيوخ، فلم يقبل شيئًا من ذلك، أثنى عليه ابنُ سيد الناس ثناء بالغًا حسنًا، وكتب الذهبي في
"تاريخه الكبير" ترجمة مطولة له، قال فيها: لا يبلغ أحدٌ في العصر رتبتَه، ولا يقاربه، وهو عجب في استحضاره واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة، و"المسند" بحيث يصدق عليه أن يقال: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية، فليس بحديث.
قال: فلقد كان عجبًا في معرفة علم الحديث، ولقد كتب "الحموية" في قعدة واحدة، وهي أزيد من ذلك، وله يد طولى في الكلام على المعارف والأحوال والتمييز بين صحيح ذلك وسقيمه، ومعوجه وقويمه. وقد ترجم له ابن الزملكاني ترجمة عظيمة، وأثنى عليه ثناء عظيمًا. ومدحه أبو حيان الأندلسي نظمًا حسنًا. وقال له ابن دقيق العيد عند اجتماعه به وسماعه لكلامه: ما كنت أظن أن الله فيما بقي يخلق مثلك.
قال ابن رجب: ومما وجد في كتاب كتبه العلامة أبو الحسن السبكي إلى الحافظ الذهبي في أمره: أما قول سيدي في الشيخ، فالمملوك يتحقق كبر قدره، وزخارة بحره، وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائمًا، وقدرُه في نفسه أكبرُ من ذلك وأجلُّ، مع ما جمعه الله له من الزهادة والورع، والديانة، ونصرة الحق، والقيام فيه لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان بل من أزمان، انتهى.
قلت: وأبو الحسن السبكي - هو السبكي الكبير - كما صرح بذلك ابن مفلح في "طبقاته"، وقد قال بعض السفهاء: إن علمه كان زائدًا على عقله؛ يشير بذلك إلى قلة فهمه، كأن القائل بهذا القول لم يقف على ما أثنى به عليه جمعٌ جَمٌّ من الأئمة الكبار بالذكاء وقوة الدرك، وبلوغه في المعقولات مبلغًا عظيمًا، والزهد، فأين هذا يقع من ذاك؟ ولكن من أعمى الله بصر بصيرته، فهو يرى الشمس مظلمة، هذا السبكي عدوُّه، والرادُّ عليه قد أقر له في كتابه هذا بما أقر، ولنعم ما قيل:
وإذا أتتكَ مَذَمَّتي من ناقِص
…
فهيَ الشهادةُ لي بأنِّي كامِلُ
وكان الحافظ المزي يبالغ [في] تعظيم الشيخ، والثناء عليه، حتى كان يقول: لم ير مثله منذ أربع مئة سنة، وقال ابن رجب: بلغني من طريق صحيح عن ابن الزملكاني: أنه سئل عن الشيخ، فقال: لم نر من خمس مئة سنة أو أربع مئة سنة - الشك من الناقل، وغالب ظنه أنه قال: من خمس مئة سنة - أحفظَ منه. وكذلك المشايخ العارفون؛ كالقدوة محمد بن قوام. ويحكى أنه كان يقول: ما أسلمت معارفنا إلا على يد ابن تيمية، والشيخ عماد الدين الواسطي كان يعظمه جدًا، ويتلمذ له، مع أنه كان أسنَّ منه، وكان يقول: قد شارف مقام الأئمة الكبار، ويناسب قيامُه في بعض الأمور مقامَ الصديقين.
وكتب رسالة إلى خواص أصحاب الشيخ يوصيهم بتعظيمه واحترامه، ويعرفهم حقوقه، ويذكر فيها أنه طاف أعيان بلاد الإسلام، ولم ير فيها مثل الشيخ عملاً وعلمًا، وحالاً وخلقًا واتباعًا وكرمًا وحلمًا في حق نفسه، وقيامًا في حق الله عند انتهاك حرماته، وأقسم على ذلك بالله ثلاث مرات، ثم قال: أصدقُ الناس عقلاً، وأصحهم علمًا وعزمًا، وأنفذُهم وأعلاهم في انتصار الحق وقيامه، وأسخاهم كفًا، وأكملهم اتباعًا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وما رأينا في عصرنا هذا من يستجلي النبوة المحمدية وسننها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل؛ بحيث يشهد القلب الصحيح - أن هذا هو الاتباعُ حقيقة.
قال: وطوائفُ من أئمة الحديث، حُفَّاظُهم وفقهاؤهم كانوا يحبون الشيخ، ويعظمونه، ولم يكونوا يحبون له التوغلَ مع أهل الكلام ولا الفلاسفة كما هو طريقة أئمة الحديث المتقدمين؛ مثل الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، ونحوهم، وكذلك كثير من الفقهاء وغيرهم كرهوا له التفرد ببعض شذوذ المسائل التي أنكرها السلف على من شذ بها.
أقول: وهذا الإنكار منهم عليه إنكار جاهل على عالم، والمرء عدو لما جهل، والذي تفرد به شيخ الإسلام من بعض المسائل قد أثبته جماعةٌ من أهل العلم بالأدلة الصحيحة المحكمة الثابتة، وذبوا جنابه الرفيع عن تلك الإيرادات،
ولهذا قال الذهبي: غالبُ حَطَّه على الفضلاء والمتزهدة حقٌّ، وفي بعضه هو مجتهد، ولا يُكفر أحدٌ إلا بعد قيام الحجة عليه، قال: ولقد نصر السنة المحضة، والطريقة السلفية، واحتج ببراهينَ ومقدمات وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجَسُر هو عليها حتى قام عليه خلقٌ من علماء مصر والشام قيامًا لا مزيدَ عليه، وبَدَّعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن بحال، ولا يحابي، بل يقول الحق المر الذي أداه إليه اجتهاده، وحدة ذهنه، وقوة عقله وفهمه، وسعة دائرته في السنن والأقوال، مع ما اشتهر عنه من الورع، وكمال الفكرة، وسرعة الإدراك، والخوف من الله، والتعظيم لحرمات الله، فجرى بينه وبينهم حملات حربية، ووقعات شامية ومصرية، وكم من نوبة قد رموه عن قوس واحدة، فينجيه الله؛ فإنه دائم الابتهال، كثير الاستعانة، قوي التوكل، ثابت الجأش، وله من الشطر الآخر محبون من العلماء والصلحاء، ومن الجند والأمراء، ومن التجار والكبراء، وسائرُ العامة تحبه؛ لأنه منتصف لنفعهم ليلاً ونهارًا بلسانه وقلمه.
وأما شجاعته، فبها تُضرب الأمثال، وببعضها يتشبه الأكابر الأبطال، فلقد أقامه الله في نوبة غازان، والتقى أعباء الأمر بنفسه، وقام وقعد، وطلع وخرج، واجتمع بالملك مرتين، وكان شقحب يتعجب من إقدامه وجرأته على المغول، وله حدة قوية تعتريه في البحث حتى كأنه ليث حرب، وهو أكبر من أن ينبه مثلي على نعوته.
وله نظم قليل وسط، ولم يتزوج، ولا تسرَّى، ولا له من المعلوم إلا شيء قليل، وأخوه يقوم بمصالحه، ولا يطلب منهم غداء ولا عشاء في غالب الوقت، وما رأيت في العالم أكرمَ منه، ولا أفرغَ منه عن الدينار والدرهم، لا يذكره، ولا أظنه يدور في ذهنه، وفيه مروءة، وقيامٌ مع أصحابه، وسعي في مصالحهم، وهو فقير لا مالَ له، وملبوسه كآحاد الفقهاء، ولم يحن [رأسه] لأحد قط، وإنما يسلِّم، ويصافح، ويتبسم.
وأما محنه، فكثيرة، وشرحها يطول جدًا، منها: أنه امتحن - في سنة 705 -
بالسؤال عن معتقده - بأمر السلطان -، فجمع نائبُه القضاة والعلماء بالقصر، وأحضر من داره "العقيدة الواسطية" فقرؤوها في ثلاثة مجالس، وحاققوه، وبحثوا معه، ووقع الاتفاق بعد ذلك على أن هذه عقيدة سنية سلفية، ومنهم من قال ذلك طوعًا، ومنهم من قاله كرهًا، وورد بعد ذلك كتاب من السلطان فيه: إنما قصدنا براءة ساحة الشيخ، وتبين لنا أنه على عقيدة السلف.
وفي آخر الأمر دبروا عليه الحيلة في مسألة المنع من السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين، وألزموه من ذلك بالتنقص بالأنبياء، وذلك كفر، وأفتى بذلك طائفة من أهل الأهواء، وهم ثمانية عشر نفسًا - رأسهم القاضي الأحنائي المالكي -، وحبس بقلعة دمشق سنتين وأشهرًا، وبها مات - رحمه الله تعالى -. ووافقه جماعة من علماء بغداد، وكذلك أبناء أبي الوليد - شيخ المالكية بدمشق - أفتيا: أنه لا وجه للاعتراض عليه فيما قاله أصلاً، وأنه نقل خلف العلماء في المسألة، ورجح أحد القولين، قال الحافظ ابن القيم: سمعت ابن تيمية - قدس الله روحه ونَوَّرَ ضريحه - يقول في الحبس: إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها، لم يدخل جنة الآخر. قال: وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي في قلبي، وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان في حبسه يقول: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا، ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي من الخير، ونحو هذا. وقال مرة: المحبوس مَنْ حُبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه. ولما دخل إلى القلعة، وصار داخل سورها، نظر إليه، وقال:{فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد: 13]، انتهى حاصله.
قال ابن رجب: وأما تصانيفه، فهي أشهر من أن تذكر، وأعرفُ من أن تنكر، سارت مسير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار، قد جاوزت حد الكثرة، فلا يمكن أحدًا حصرُها، ولا يتسع هذا المكان لعد المعروف منها، ولا ذكرها، ثم ذكر نبذة من أعيان مصنفاته الكبار، ثم ذكر طرفًا من مفرداته
وغرائبه، منها: أنه اختار ارتفاع الحدث بالمياه المُعْتَصَرة؛ كالورد ونحوه.
واختار جواز المسح على النعلين والقدمين، وكل ما يحتاج في نزعه من الرَّجل إلى معالجته باليد، أو بالرجل الأخرى؛ فإنه يجوز عنده المسحُ عليه مع القدمين. واختار أن المسح على الخفين لا يتوقت على الحاجة كالمسافرة على البريد ونحوه، وفعل ذلك في ذهابه إلى الديار المصرية على خير البريد، ويتوقت مع إمكان النزع وتيسره، واختار جواز المسح على اللفائف ونحوها. واختار جواز التيمم لخشية فوات الوقت في حق غير المعذور؛ كمن أخر الصلاة عمدًا حتى تضايقَ وقتُها، وكمن خشي فوات الجمعة والعيدين وهو محِدث، فأما من استيقظ، أو ذكر في آخر وقت الصلاة، فإنه يتطهر بالماء، ويصلي؛ لأن الوقت متسع في حقه، واختار أن المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال في البيت، وشق عليها النزول إلى الحمام وتكرره، فإنها تتيمم وتصلي. واختار أن لا حدَّ لأقلَّ الحيض ولا لأكثره، ولا لأقل الطهر بين الحيضتين، ولا لسن الإياس من الحيض، وأن ذلك يرجع إلى ما تعرفه كل امرأة من نفسها.
واختار أن تارك الصلاة عمدًا لا يجب عليه القضاء، ولا يشرع له، بل يكثر من النوافل، وأن القصر يجوز في قصير السفر وطويله، وأن سجود التلاوة لا يشترط له الطهارة.
قلت: وهذه المسائل غالبُها مبرهنة في مواضعها بالأدلة الصحيحة الدالة عليها، وقد ذهب إليها ذاهبون من أهل العلم قديمًا وحديثًا.
ثم ذكر ابن رجب وفاته رحمه الله، وقال: مرض الشيخ في القلعة بضعة وعشرين يومًا، ولم يعلم أكثر الناس بمرضه، ولم يفجأهم إلا موته، وكانت وفاته في سحر ليلة الاثنين عشرين ذي القعدة سنة 728، ذكره مؤذن القلعة على منارة الجامع، وتكلم به الحرس على الأبرجة، فتسامع الناس في ذلك، وبعضُهم أُعلم به في منامه، وأصبح الناس، واجتمعوا حول القلعة، حتى أهل الغوطة، ولم يطبخ أهل الأسواق شيئًا، ولا فتحوا كثيرًا من الدكاكين التي من شأنها أن تفتح أول النهار، وفتح باب القلعة، واجتمع خلق كثير من أصحابه
يبكون ويثنون، وأخبر أخوه أنه منذ دخل القلعة ختم ثمانين ختمة، وانتهى إلى قوله:{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 54، 55].
صلى عليه الزاهدُ القدوة محمدُ بن تمام، وأُخرج إلى جامع دمشق، وكان الجمع أجمع من جمع الجمع، ثم ساروا به والناس في بكاء وثناء وتهليل وتأسف، والنساء فوق الأسطحة، وكان يومًا مشهودًا لم يُعهد بدمشق مثلُه، ولم يتخلف من أهل البلد وحواضره إلا الضعفاءُ والمخدَّرات، وصرخَ صارخ: هكذا يكون جنائزُ أهل السنة، فبكى الناس بكاء كثيرًا عند ذلك، واشتد الزحام، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم، وصار النعش على الرؤوس، يتقدم تارة، ويتأخر أخرى، وخرج الناس من أبواب المدينة كلها، ودُفن وقت العصر، وحُزر الرجال بستين ألفًا إلى مئة ألف وأكثر، والنساء بخمسة عشر ألفًا. ظهر بذلك قول الإمام أحمد: بيننا وبينَ أهل البِدع يومُ الجنائز، وخُتم له ختماتٌ كثيرة بالصالحية والمدينة، وتردد الناس إلىَ زيارة قبره أيامًا كثيرة ليلاً ونهارًا. ورئيت له منامات كثيرة صالحة، ورثاه خلق من العلماء والشعراء بقصائد كثيرة من بلدان شتى، وأقطار متباعدة، وتأسف المسلمون لفقده، وصلى عليه صلاة الغائب في غالب بلاد الإسلام - القريبة والبعيدة -، حتى في اليمن والصين، وأخبر المسافرون أنه نودي بأقصى الصين للصلاة عليه يوم الجمعة: الصلاة على ترجمان القرآن!.
قال ابن رجب: وقد أفرد الحافظ محمدُ بنُ عبد الهادي له ترجمة في مجلدة، وكذلك أبو حفص عمرُ بنُ علي البغدادي البزار في كراريس، وإنما ذكرنا ها هنا على وجه الاختصار، وقد حدث الشيخ كثيرًا، وسمع منه خلق من الحفاظ والأئمة من الحديث، وخرج له ابن الواني أربعين حديثًا حدث بها، انتهى. قلت: وقد اختصرت هذه الترجمة من الترجمة المختصرة التي ذكرها ابن رجب مع زيادة بعض ألفاظ عليها، فإن شئت أن تطلع على جملتها، فعليك بالمجلدات الكبار، والتراجم الحوافل التي كتبها الأئمة الكبار مستقلة مفردة، والله يختص برحمته من يشاء، ويدخل من يشاء في رحمته.