الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مشربًا، ثم وفد إلى مدينة صنعاء، وتلقاه أهلها بالإعزاز والإعظام، واستجاز منه جماعة من العلماء الأعيان، منهم: السيد العلامة عبد الله بن محمد الأمير، وله مؤلف خاص في شرح رحلته إلى اليمن، سماه:"السر الموتمن". وهذه الطريقة - أعني: الارتحالَ لطلب علو الإسناد، واكتساب المعالي - كانت سيرة أولي الهمم العلية من السلف والخلف، حتى إن بعضهم كره الإجازة؛ لأنها تكسل عن الرحلة، وما أحسن قولَ أبي الطيب:
يُخَيَّلُ لي أن البلادَ مسامعي
…
وأَنِّيَ فيها ما تقولُ العواذلُ
معناه: أنه لا يستقر ببلاد؛ لأن العاذل ما له كلمة مستقرة في أذن المحب، وفي المعنى قول ابن نباتة:
كأنما الأرضُ عني غيرُ راضيةٍ
…
فليسَ لي وطنٌ فيها ولا وَطَرُ
ثم عاد إلى المدينة المنورة، وتصدى فيها لنشر علوم الإسناد، وإملاء الحديث، والاجتهاد في هذا الشأن العظيم، توفي - رحمه الله تعالى - في سنة 1186، بنابلس بعد زيارة القدس.
532 - السيدُ، العلامةُ، الوليُّ الكبيرُ، علي بن عمر القناويُّ، المصريُّ
.
تكرر وفوده إلى مدينة زبيد، وإلى صنعاء اليمن مرارًا عديدة، وهو في كل وفادة يُتلقى بالإكرام والإجلال، ويجتمع إليه في كل يوم وليلة من الخاص والعام ما دام مقيمًا عالَمٌ كثير يقيمون معه الذكر الجهري على طريقةٍ أخذَها عن شيخ الشيوخ في إقليم مصر محمد بن سالم الحفناوي، الآخذ لها عن الإمام مصطفى البكري، الآخذ لها عن علي بن وفا، وهو - كما أفاد ذلك الشيخُ عبدُ الغني النابلسي في "بيان السر الغامض في شرح ديوان ابن الفارض" - أولُ من أحدث الحادي في حلقة الذكر، وينشد من الأشعار الرائقة المباني الفائقة المعاني الإلهية بالموسيقاوى، ما ينعش القلوب، ويهيجها إلى التوجه إلى علام الغيوب، ويؤثر فيها تأثيرًا عظيمًا، ولقد اتفق أن السيد المذكور وصل في بعض وفاداته إلى زبيد، وأقام الذكر المذكورَ على الصفة المذكورة، وحضر الخاصُّ والعام من أهل البلد، وكان من جملة الحاضرين رجلٌ من أكابر العلماء المشغولين بذكر الله آناء
الليل والنهار، فلما حدى الحادي، ولم يكن قد طرق سمعَه ذلك، فلم يزل يبكي بكاء شديدًا، وتواجد تواجدًا عظيمًا، حتى أحدث له ذلك رعافًا مسترسلاً كان من أسباب موته.
وهذا غير مستبعَد، فقد ذكر شراح "السلم المنطقي" في بحث الخطابيات ما حاصله: أن الخطاب الشعري إذا وقع باللفظ الرائق، والمعنى الفائق، والصوت الحسن الخارق، وصادف قلبًا سليمًا صافيًا، فعلَ في القلب من التأثيرات البالغة ما لا تفعله البراهين القطعية، وتأثرُ القلبِ بالصوت الحسن مقتضى الفطرة الإنسانية، ومن لم يتأثر بذلك، فهو كما قال الإمام الشافعي: فاسدُ المزاج، يحتاج إلى العلاج. وقد أخرج الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال، قال رجل: يا رسول الله! إني رجل حُبِّبَ إليَّ الصوتُ الحسنُ، فهل في الجنة صوت حسنٌ؟ قال:"والذي نفسي بيده! إن الله يوحي إلى شجرة في الجنة، أن أَسْمِعي عبادي الذين اشتغلوا بعبادتي وذكري عن عزف البرابط والمزامير، فترفعُ بصوتٍ لم تسمع الخلائقُ بمثله من تسبيح الربِّ وتقديسِه".
وأخرج عبدُ بن حُميد، عن يحيى بن أبي كثير في قوله تعالى:{فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} [الروم: 15]، قال، قيل: يا رسول الله! ما الحبرة؟ قال: "اللذة والسماع". وقد ساق الجلال السيوطي في "الدر المنثور" عدة آثار في هذا المعنى. وقد اختلف العلماء في حكم النغم والغناء على أحد عشر قولًا. ومذهب الإمام العلامة ابن حزم الظاهري: الحِلُّ مطلقًا. قال: لأن التحريم لا يثبت إلا بنص صريح صحيح، ولم أقف عليه. خالفه الجمهور، والمسألة فيها رسائل مضبوطة مبسوطة من علماء المذاهب، انتهى كلام "النفس اليماني".
والذي ترجَّح عند المحققين من أهل الحديث: أن الذكر بالصفة المذكورة بدعة وأي بدعة! وفيها من إساءة الأدب مع الله سبحانه، والتشبه بالفرق التي يذكرون الله في معابدهم على نغمات العود والوتر ما لا يقدر قدره، ولم يثبت حديث واحد - ولو ضعيفًا - في جواز ذكر الله تعالى على هذه الصفة المشار
إليها، فلا خير فيه، ولا أجر عليه، بل هو ضرر محض، ووزر صرف، ومنكر واضح، نعم! لا دليلَ على تحريم السماع من السنن وأدلتها، فهو باق على أصله من الحل حتى يقوم دليل صحيح يدل على حرمته، ودونه خرط القَتاد، ورحم الله القناوي، فقد اجترأ جرأة عظيمة على فعل الذكر وقوله بهذه الصفة من الحادي وإنشاد الأشعار، مع كونه من أهل العلم الممتازين، وهذا الصنيع منه دليل على أن الإنسان لا يخلو من عصيان، ولو بلغ من العلم والعمل ما بلغ من الإمكان، ثم قال في "النفس اليماني": نشر السيد علي القناوي هذه الطريقة بأمر شيخه الحفناوي في الآفاق، فدخل خراسان، وأطراف الهند، والعراقين، وصنعاء اليمن، وغير ذلك من المحلات، وهو في الجميع متلقى بالإعزاز والإكرام والإجلال، وكلامه مقبول، على الرؤوس والعيون محمول، وكان حلوَ العبارة، لطيف الإشارة، شغلتُه درسُ القرآن والصلاة، يورد الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ويتكلم فيها بالتحقيق الجلي، والسر الخفي، وأكثرُ شغله بذكر الله عز وجل، انتهى.
وعندي: الذكرُ الإلهي والعكر القدسي لا يجتمعان مع شيء من البدعة، وإن اجتمعا، كان ذلك من تلبيس إبليس، وتدليسه لأهل التدريس ولهذا قال في "النفس اليماني" بعد المبالغة في الثناء عليه: وغيرُ خافٍ: أن الفقهاء سيما أهل مدينة ذمار ينكرون بعض ما يقع من طريقة السيد المذكور، ولكن أهل ذمار شأنهم كما قال السيد إسحاق بن يوسف - رح -:
وإذا نظرتُ إلى ذمارَ وَجَدْتَها
…
حسناءَ، لم تَلْبَسْ نفيسَ إزارِ
لا يَخْضَعون لفاتِكٍ أو باسلٍ
…
كخضوعِهم للضيفِ أو للجار
انتهى.
قلت: ولكن الحق معهم في ذلك، وإن قيل فيهم ما قيل، قال: ووفد إلى مدينة صنعاء اليمن {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} [الفجر: 8] من حيث إنها كما في "القاموس": شبيهة بدمشق، ودمشق هي {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} [الفجر: 7] على أحد التفاسير، والمشبه له حكم التشبه به.