الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المناصب والوظائف في يد أهلها، ويبادر بما قال الشاعر
لله در أنو شروان من رجل
…
ما كان أعرفه بالوغد والسفل
نهاهم أن يمسوا عنده قلما
…
وأن يذل بنو الأحرار بالعمل
وأخذ يربي السادات، ويكرم الأولياء ذوي الكرامات، ويجل العلم وأهله، ويعلي الفضل ويعز محله، ويقلع المفسد ويقمع المارق، ويخنق الزاني ويصلب السارق، حتى استقامت في زعمه أمور السياسة، وتمت على توراة جنكير خان قواعد الرياسة
ذكر ما ابتدعه من منكراته
وطبع بخاتمة خواتيم سيئاته، ووافى باستيفائه رائد وفاته
ثم شرع في تزويج حفيده أولوغ بك بن شاه رخ النبيه، الذي هو في يومنا هذا أعني سنة أربعين وثمانمائة حاكم سمرقند من قبل أبيه، فأمر أهل المدينة أن يشرعوا في الزينة، وأن يرفع عنهم الكلف والمظالم، ويعفوا من الطروحات والمغارم، ويبسط لهم بساط الأمان، ويعامل الكبير والصغير والرفيع والوضيع منهم بالفضل والإحسان، وأن لا يشهر في ممالكه سيف، ولا يجري
فيها ظلم ولا حيف، وأن يخرجوا زينتهم إلى مكان نحو ميل من ضواحي سمرقند، يدعى كان كل، هواؤه أذكى من المسك وماؤه أحلى من القند، كأنه قطعة من روض الجنان، غفل عنها خازنها رضوان قلت
رعى فيه غزال الترك شيحا
…
فصار المسك بعض دم الغزال
روائح هوائه ألطف من نسيم السحر، ورواشح مائه أعذب من ماء الحياة صفاء بلا كدر، وتغاريد طيوره ألذ في السماع من سار الناي على الوتر قلت
بساط زمرد نثرت عليه
…
من الياقوت ألوان الفصوص
وقلت
كأن مدور الأزهار فيه
…
وورداً من محاسنه تنضد
صحاف من لجين أو عقيق
…
ومرجان وياقوت وعسجد
فهذي حشوها مسك فتيت
…
وهذي ضمنها تبر مبدد
أراد الروض يجلوها علينا
…
فصاغ لها أكفاً من زبرجد
صباغ القوة الخيالية يتعلم خلط أصباغ النقوش من تشاهير أزاهيره، ومواشط عرائس الجمال تزين عواتق الكمال من تحارير تصاويره قلت
كأن رباه سيما وقت هبة
…
خضم بأنواع الحلى مرصع
أفسح من أمل حريص طامع، في جاه غني كريم نافع، وأنزه للأبصار والبصائر، من غض شباب زاه زاهر، ساعده الدهر بوجه بسيط وأدب كامل، وعمر طويل ومال وافر، وهو أحد الأماكن المذكورة، والمتنزهات التي هي بالنزاهة والرفاهية في الدنيا مشهورة، ومبدأ السغد الذي جهاته بالنعم موقرة موفورة قلت
شقائقه خدود ناضرات
…
تحشت من سواد المقلتين
عساكر تيمور مع أنها البحر المتلاطم فيه، تضاهي بني إسرائيل في قطر من أقطار التيه، ثم أمر الملوك والسلاطين، وأرباب التيجان من الأساطين، أن يخرجوا إليه، وينبثوا عليه، وفرز لكل منهم
في ذلك المرج مقاماً، ورتبه ميمنة وميسرة ووراء وأماماً، وأمر أن يظهر " كل " ما أمكنه من تجمل وتحسين، ويضرب ماله من خيام وقباب متكلفة بأنواع النقوش والتزيين ثم رتب من دونهم من الكبراء والأعيان، ورؤساء الأمراء والأعوان في ذلك الروض الأريض، والمرج الطويل العريض، فأخرج كل منهم ما حواه، وكاثر نظراءه لينظروا ما قدمت يداه، وفاخر ذوي الفخار منهم وباهى، واستقصى في المباهاة والمفاخرة وتناهى، فنشروا مما طوت صحائف أيامهم، على جمعهم إياه سجلات آثامهم، من طرف أطراف الأقاليم والأمصار، وتحف جواهر المعادن والبحار، ونفائس ذخائر نهبوا عليها النفوس وألهبوا الأنفاس، وعرائس أخاير سقوا عليها الكؤس وخرقوا الأكياس، ما أزرى على زهر تلك الروضة الخضراء بالأنجم الزواهر، وأسرى منظره البهيج سرايا المسرات إلى سر السرائر، فزاد حسن حديث ذلك المكان ونما، وعلا قدره بهجة على كل أرض وسما ثم أمر بسرادقاته فجعلت مركز تلك الدارة، ونقطة دائرة تلك الأفلاك المدارة، وهي سور محيط مضروب، على ماله من خيام وقباب منصوب، له باب واسع،
يدخل فيه من دهليز شاسع، على ما به من معان ومغان، وله قرنان شامخان، تنكس لهما الرؤس، وتذهل عند مشاهدتهما النفوس، ولأجل هذين، كان يلقب ذا القرنين
ونصبوا له داخل هذا الجناب، عدة من الخيام والأخبية والقباب، ومن جملتها قبة أعلاها وأسفلها بالذهب مزركش، وظاهرها وباطنها بلب الريش مريش، وأخرى كلها بالحرير محبوكة، وبأنواع النقوش وألوان الأصباغ مبنية مشبوكة، وأخرى من فرقها إلى قدمها مكللة باللآلئ الكبار، التي لا يعلم قيمة أحدها إلا عالم الأسرار، وأخرى مرصعة بأنواع الجواهر، على صفائح الذهب مدهشة للأبصار والبصائر، وجعلوا لما بين ذلك " سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون، ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون " وبين ذلك الأوراق المنقشة، ورواقات الأخبية المزركشة والفساطيط والأبنية المدهشة وفيها مراوح الخيش، الجالبات لبرد العيش، والمنافع والمرافق، والمفاتح والمغالق وأظهروا الذخائر الغريبة، وأرخوا على ذلك الستائر العجيبة، ومن جملتها ستارة جوخ كان أخذها من خزانة السلطان بايزيد،
قطعة واحدة عرضها نحو من عشرة أذرع بالذراع الحديد، منقشة بأنواع النقوش، من صور النباتات والبنيان والعروش، وأشكال الهوام والطيور والوحوش، وأشخاص الشيوخ والشبان، والنساء والصبيان، ونقوش الكتابة وعجائب البلدان، والعروق اللاعبة وغرائب الحيوان، بألوان الأصباغ، المبالغ في إحكامها وإجادتها أحسن بلاغ، كأن صورها متحركة تناجيك، وثمارها الدانية لاقتطافها تناديك وهذه الستارة إحدى عجائب الدنيا، وليس المسمع كالمرأى، ونصبوا أمام سرادقاته بمقدار شوط فرس الصيوان، الذي يجتمع المباشرون فيه وأرباب الديوان، وهو جتر عالي الذرا، شامخ في الهوى، له نحو أربعين أسطوانة، وعواميد وسوار شيدوا عليها أركانه، وسددوا بنيانه، يتسلق الفراشون إلى أعلاه كالقردة، كأنه مسترقوا السمع من الشياطين والمردة، ويتعادون على سطحه، حين يرفعونه بعد بطحه " فصل " وأخرج أهل المدينة، ما عبوه من تجمل وزينة، ونصبوه تجاه تلك
السرادقات على مد البصر، وتأنق كل واحد من أهل البلد بما وصلت إليه القوى والقدر، واجتهد كل ذي حرفة بما يتعلق بحرفته، وبالغ كل من أرباب الصنائع فيما يليق بصنعته، حتى أن ناسج القصب أخرج فارساً مكمل الأهبة، واستقصى في إكمال هيئته حتى أظافيره وهدبه، واستوفى دقائق ما يتعلق به من الآلات، كقوسه وسيفه وسائر الاستعدادات، كل ذلك من القصب، ورفع ذلك في مكانه من غير تعب ونصب وصنع القطانون من القطن مئذنة رفيعة، محكمة بديعة، ذات قد رشيق، وصنع وثيق، ومنظر أنيق، ببياض جسم يسمو على الحور، وكمال قوام يعلوا على القصور، ونصبوها فصارت بحسنها تستوقف النظارة، وبعلوا قامتها ترشد في ذلك المهمه المارة، حتى غدت علماً للسيارة، وعلى جوامع تلك الأبنية منارة وكذلك أهل الحرف من الصواغين والحدادين، والخفافين والقواسين، وسائر الطوائف، وأرباب الملاعب واللطائف ولقد كانت سمرقند مجمع الأفاضل، ومحط رحال أهل الفضائل، فرتبت كل طائفة ما أخرجته على حدة في مكانه، أمام سرادقاته وصيوان ديوانه،
ونصبت وراء ذلك كله الأسواق، وضربت بين الناس بوقات الأبواق، وزينت الفيول، وجياد الخيول، بأفخر لباس، وأطلق عنان الرخص والتمتع بأنواع الملاهي والملاذ للناس، فسارع كل طالب إلى مطلوبه، واجتمع كل محب منهم مع محبوبه، من غير أن يتعدى أحد على أحد، أو يستطيل أعلى من يكون على أدنى من يكون من الجند وأهل البلد، أو يجري تعد ما، من شريف ما على وضيع ما " فصل " ولما استتبت الأمور على مراد تسويل قرينته، وأخذت الأرض زخرفها وازينت من جنده وأهل مدينته، توجه إلى ذلك المرج على وقاره وسكينته، وخرج على قومه في زينته، ثم أمر أن تجرى يواقيت الصهبا، على زبرجد ذلك المرج الأحوى، وسبلها لكل ناظر وعام، فسبح في تيارها كل خاص وعام، فدارت في سماء تلك الأرض للسرور أفلاك، وهبطت في أفقها بوحى الذات من أفلاك الملاحة أملاك، فأصبحت تلك الأسود الخوادر، وهي ظباء جوادر، وتنزلوا من جحيم المنازلة، إلى نعيم المغازلة، وتبدلت تلك الغلاظة والكثافة، باللطافة
والظرافة، وأضحوا بعد جورهم يتجاورون، وبمعنى ما قلته يتحاورون
محا الظلم ما بين الورى سيف عدلنا
…
فلم يتشبث مستغيث بمعتد
سوى قلب صده طرف أحور
…
وخصر نحيل آده ردف أغيد
فما صار يصول سيف إلا إن كان صارم لحظ وهو مع ذلك مكسور، ولا يجول ذابل إلا إن كان رمح قد وهو مع ذلك بالعناق مهصور، وصرت لا ترى إلا عوداً يحرك أو يحرق، أو قدحاً يروب أو يروق، أو شادياً يغرد، أو شارباً يعربد، أو جارية تسقي، أو ساقية تجري، أو خد ورد ينشق، أو ورد خد يعشق، أو كأس ثغر يرشف، أو غصن خصر للعناق يقصف، أو فرص عيش تغتنم، أو لسان حال ينشد ويترنم
في ربيع الوصل لما
…
أن وفى الضبي الشرود
وسرت بشرى الصبا
…
للروض تنبي للورود
خرت الأنهار والأغصان مالت للسجود
واجتمعنا في رياض
…
حسنها يسبي الوجود
فالسحاب الصب فيها
…
بالحشا أمسى يجود
نثر الدر علينا
…
منه بلور الغمام
فوق صحن سندسي
…
فيه ملياقوت جام
وثغور من عقيق
…
زانها حسن ابتسام
وعيون من لجين
…
ناظرات لا تنام
وغصون الدوح حفتنا بأنواع النقود
طيرها فيه غنى إذ
…
قد علا عوداً وطار
وشذاها ضاع فيه المسك لما منه غار
والصبا أمسى عليلاً
…
في رباها حين سار
جنة الفردوس فيها
…
وجه بدر حين نار
أصبحت جنات عدن
…
تشتهي فيها الخلود
يا لها من عشرة
…
جاءت بأنواع الهنا
ليس فيها غير لثيم
…
وارتشاف واعتنا
وكئوس دائرات
…
وغناء وغنى
لو رآها زاهد من
…
ريحها كان انثنى
لم يسعه عندها من
…
زهده إلا الجحود
قم نديمي عاطني فالد
…
هر لا يسوى الحزن
كأس عيش ينمحي في
…
مزجها صرف الزمن
الطلا والماء والخضرة والوجه الحسن
لا تطع في ذا عذولا
…
إنه خب كمن
في حشاه غليان
…
لا تقل خل ودود
فحصل الأمن والدعة، والفراغة والسعة، ورخص الأسعار، وقضاء الأوطار، واعتدال الزمان، وعدل السلطان، وصحة الأبدان، وصفاء الوقت، وذهاب المقت، وحصول المطلوب، ووصال المحبوب
وعند التناهي يقصر المطاول
واتفق له في ذلك العرس والأبهة والعظموت، والسطوة والجبروت شيء لم أظنه حصل لأحد من الخلفاء المتقدمين، ولا يقع فيما بعد لأحد من المتأخرين، وإن كان المأمون فرش تحته ليلة عرسه حصير من ذهب، ونثر على
رأسه اللؤلؤ المنتخب فلم يلتفت إليه ولم يلتقط من ورائه ولا من بين يديه، حتى قال قاتل الله أبا نواس كأنه كان حاضراً حيث قال
كأن صغرى وكبرى من فواقعها
…
حصباء در على أرض من الذهب
لكن تيمور " الجبار " كان في عرسه ذاك بنات الملوك وصائف، وبنوها عبيداً كل منهم في مقام العبودية واقف، واجتمع عنده قصاد الملك الناصر فرج من مصر والشام، ومعهم الحمل والتقادم ومن جملته الزرافى والنعام، ورسل الخطا والهند، والعراق والدشت والسند، وبريدي الفرنج ومن سواهم، وقصادكل الأقاليم أقصاهم وأدناهم، ومن كل مخالف وموافق، ومعاد ومصادق، فأخر الجميع حتى شاهدوا عظمته، وعاينوا جبروته في ذلك العرس وأبهته، فباشر ذلك على تلك الحال، لا يخاف النكال، ولا يخشى الوبال قلت
قرير العين لا يرجوا إلهاً
…
خلي البال لا يخشى معادا
يتناول المحرمات ويبيحها، ويروج عنده مستهجنها وقبيحها،
مهما أمر به جماعته، في ذلك امتثلوه، يتناهون في كل قبيح عملوه، ولا يتناهون عن منكر فعلوه قلت
تبدل من سفك وهتك جريمة
…
أحل بها ما حرمته الشرائع
وجعل يدعو الملوك والأمراء، وسلاطين الآفاق والكبراء، وقواد التوامين، وزعماء الجيوش والمقدمين، ويسقيهم الكاسات بيده، ويحل كل منهم محل أخيه وولده، ويخلع عليهم الخلع السنية، ويجزل لهم المواهب والعطية، ويجلس كل منهم بحبسه ذات اليمين، وأما ذات الشمال فإنها للنساء والخواتين، فإن النساء لا يستترن من الرجال، خصوصاً في مجالس الاجتماع والاحتفال
واستمر في ذلك بين جنك وقانون، وعود وأرغنون، وناي مرقص مطرب، وشاد معجب مغرب، وساق فاتن، ودهر موات، وهوى متبع، وأمر مستمع، وشمس تدور، على نجوم وبدور، وكأس تملأ وكيس يفرغ، وأمر يمضي وأمل يبلغ، حتى استخفه الطرب والبطر، واستفزه النشاط والأشر، فضبع إلى من استعضده، ومد للنهوض إليه يده، فتعاضدوا
لمعاونته، وتعاونوا على معاضدته، وحين استوى قالصا، تهادى بشيبته وعرجته راقصا قلت
ومن عجب الدنيا أشل مصفق
…
وأبكم قوال وأعرج راقص
فنثر عليه الملوك والكبراء، ونساء السلاطين والأمراء، الجواهر واللآلئ والفضة والذهب وكل نفيس غال، ولم يزل على ذلك حتى استوفى من اللهو حصته، ودخل العروس منصته، وانقضت تلك الأمنية، وتفرقت هاتيك الجمعية
ما كان ذاك العيش إلا سكرة
…
لذاتها رحلت وحل خمارها
" فصل " ولما بلغ من دنياه المرام، وانتهى أمله إلى الكمال والتمام، وعرج فيما يرومه إلى ما عرج، وصعد في سلم ارتقائه إلى أعلى درج، وقارب بدر عمره الأفول، وشمس حياته أن تزول، رشقه الزمان بسهم أصماه فما أنمى، ونادى بلسان فصيح فرغ