الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد انتشر كظلمهم الظلام
إيضاح ما أخفاه من الحيلة
وصلود زند تلك الأفكار الوبيلة
ولما آب أمله بالخيبة، ولم يمكنه تحصيل القلعة بالهيبة، شحذ فكراً وجدد مكراً، وتاب عن المقابحة، وثاب إلى المصالحة، فردع ذلك الخميس، في نهار الخميس وأرسل إليهم يقول، ضمن كتاب مع رسول علم أهل قلعة ماردين والضعفاء والعجزة المساكين والعطاش أننا قد عفونا عنهم وأعطيناهم الأمان على نفوسهم ودمائهم، فليأمنوا وليضاعفوا لنا الأدعية وهذه الرسالة نقلتها كما وجدتها، فما استب كيده، ولا أنجح قصده، لأن رصدها كانوا غير راقدين، وشياطين حرسها كانوا كهى ماردين، فارتحل ذلك البلية بكرة السبت إلى البشرية، وأرسل إلى آمد الجنود مع أمير يدعى سلطان محمود، فتوجه بجيش طام وحاصرها خمسة أيام وأرسل يستمده عليها، فتوجه بنفسه إليها، وأحلها الهوان، فطلبوا الأمان، فأمن البواب، ففتح له الباب فدخل من باب التل، ووضع السيف في الكل، فأباد الجميع وأبار العاصي والمطيع وأسروا
الصغار، وهتكوا أستار الحرم وحرم الأستار، وأذاقوا الناس لباس البأس، والتجأ بعض الناس إلى الجامع، فقتلوا منهم نحو ألفي ساجد وراكع، ثم حرقوا الجامع، ورحلوا وتركوها بلاقع، فهداه إبليس إلى أخذ قلعة أرجيس ثم بادر بالتحريك وحط على قلعة أونيك وفيها مصر بن قرا محمد أمير التركمان، فحاصرها وأخذها بالأمان، وذلك في سنة ست وتسعين وسبعمائة بعد عيد رمضان، ثم قتل كل من كان بها من الجند، وصير مصر إلى سمرقند " فصل " ثم استصحب الملك الظاهر بسوء نية ورحل سابع ذي القعدة سنة ست وسبعين وسبعمائة، وحبسه في مدينة سلطانية، وحبس عنده من أمرائه الأمير ركن الدين وعز الدين السليماني واسنبوغا وضياء الدين وضيق عليه بأن يقطعوا عن أهله خبره، بحيث لا يدري أحد عجره وبجره، ولما أثخنه وشد الوثائق قصد التوجه إلى دشت قبجاق، فأجرى نحوها ما أقام من الفتنة على قدم وساق، ومكث الملك الظاهر سنة لا يدري أحد خبره في يقظة ولا سنة ثم وفدت
الملكة الكبرى إلى سلطانية وخففت عنه ما به من ضيق وبلية، وفسحت له في مراسلة جماعته، وحرضته على طلب الدخول في رضى تيمور وطاعته، زاعمة أنها ناصحة له وطالبة مصلحته، وكان ذلك من مكايد تيمور وبإشارته
ثم رجع تيمور من الدشت في شعبان سنة ثمان وتسعين فمكث بسلطانية ثلاثة عشر يوماً ثم توجه إلى همذان، ومكث بها إلى ثالث عشر شهر رمضان، ثم استدعى من سلطانية الملك الظاهر، بإكرام تام وانشراح صدر وخاطر، ففكوا قيوده وقيود متعلقيه وعظموه غاية التعظيم مع ذويه، وتوجه إليه يوم الخميس خامس عشره ودخل عليه يوم السبت سابع عشره، فتلقاه بالاحترام واعتنقه، وأذهب عنه دهشته وقلقه، وقبله في وجهه مراراً واعتذر إليه مما فعله معه جهاراً، وقال له إنك لله ولي، ورفيع القدر كأبي بكر وعلي، وتحلل منه عما صدر في حقه عنه، وأضافه ستة أيام، وخلع عليه خلع الملوك العظام، وأحله محلا جميلا، وأعطاه عطاء جزيلا، من ذلك مائة فرس وعشرة بغال وستون ألف دينار كبكية وستة جمال، وخلع مزركشه مكلله،
وإنعامات وافرة مكملة، ولواء يخفق على رأسه منصوراً وستة وخمسين منشورا، كل منشور بتولية بلد، وأن لا ينازعه فيه أحد، أول ذلك الرها إلى آخر ديار بكر إلى حدود أذربيجان وأرمينية وكل ذلك من الدهاء والمكر وأن جميع حكام تلك البلاد يكونون تحت طاعته معدودين في جملة خدمه وجماعته، يحملون إليه الخراج والخدم، ولا ينقلون إلا عن أمره قدماً عن قدم، بحيث يكون شخص كل منهم من مجاوريه بما أفاء الله عليهم لظله فيئا، ويعفى هو فلا يحمل إلى تيمور ولا غيره شيئاً، وهذا وإن كان في الظاهر كالإكرام، فإنه فيما يؤول إليه وبال عليه وانتقام، وفيه كما ترى ما فيه، وإلقاء العداوة بينه وبين مجاوريه، وينجر ذلك إلى أن يلتجي إليه ويعول في كل أموره عليه، ويدخل لكثرة الأعداء تحت ضبنه، فيصل إذ ذاك منه إلى حصنه ثم إنه شرط عليه أنه كلما طلبه جاء إليه، ثم عانقه وودعه، وأمر أمراءه لتشييعه فخرج من الضيق إلى السعة، لثالث عشر شهر رمضان ليلة الجمعة، سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، فوصل إلى سلطانية، في عيشة رضية، وحالة
هنية ثم عزم على تبريز في جحفل نفيس عزيز واجتمع بأميران شاه فزاد في إكرامه وعطاياه شيعه في أحسن هيئة وأيمن طور فجاء على وسطان بدليس وأرزت إلى الصور ووصل خبره إلى قبائله والعشائر، فابتهج الناس ودقت البشائر، فوصل يوم الجمعة حادي عشري شوال، وخرج أهل المدينة والأكابر للاستقبال، وسبق الناس ولي عهده الملك الصالح، فدخل المدينة بفأل سعيد وأمر ناجح، وتوجه إلى مدرسة حسام الدين، وزار والده وأمواته الماضين، وعزم على ترك التخت المنيف، والتوجه إلى الحجاز الشريف، فلم تتركه الناس خاصة وعامة، وتراموا عليه وقبلوا أقدامه، فصعد إلى محل كرامته، واستقر في كرسي مملكته وسيأتي لهذا الشأن مزيد البيان وما جرى من الأمور عند قدوم تيمور، وحلول عسكره اللئام، ماردين بعد خرابهم ممالك الشام قيل لما استقر الملك الظاهر في مملكته، اجتمع عنده جماعة من أدباء وقدماء حضرته، فاقترح عليهم أن يقولوا في ذلك شيئاً، فقال أولاً
بدر الدين حسن بن طيفور
طغى تمر واستأصل الناس ظلمه
…
وشاعت له في الخافقين الكبائر
لقد زاد بغياً فافرحوا بزواله
…
لأن على الباغي تدور الدوائر
فقال ركن الدين حسين بن الأصغر أحد الموقعين ثانياً
كن من رجال إذا ما الخطب نابهم
…
ردوا الأمور إلى الرحمن واغتنموا
فسلموا الأمر لما أن رأوا خطرا
…
لذي الجلال فلما سلموا سلموا
فقال القاضي صدر الدين بن ظهير الدين الحنفي السمرقندي ثالثاً
طويل حياة المرء كاليوم في غد
…
فخيرته أن لا يزيد على الحد
ولا بد من نقص لكل زيادة
…
وإن شديد البطش يقتص للعبد
ثم قال علاء الدين بن زين الدين الحصني أحد الموقعين رابعاً
لا تحزن فالذي قضى الله يكون
…
والأمر موكل إلى كن فيكون
ما بين تحرك بلحظ وسكون
…
الحالة تنقضي وذا الأمر يهون
فأعجبه ذلك وأجازه خمسة آلاف درهم وصرفه والله أعلم
ذكر رجوعه من ديار بكر والعراق
وتوجهه إلى مهامه قبجاق ووصف
ملوكها وممالكها وبيان أوضاعها ومسالكها
ثم إنه رجع من عراقي العرب والعجم، وقد ثبتت له في ممالكها أية قدم، وذلك بعد أن قدم عليه الشيخ إبراهيم وسلمه مقاليد ما بيده من أقاليم، وتقلد طوق عبوديته، ووقف في مواقف خدمته، وانتظم في سلك عبده، وأحله محل ولده، وسنذكر كيف تغرب عليه، ومن أي طريق تقرب إليه فقصد دشت قبجاق وجد في الوخد والأعناق وهو ملك فسيح، يحتوي على مهامه فيح، وسلطانها توقتاميش، وهو الذي كان في حرب تيمور أمام السلاطين المخالفين كالجاليش إذ هو أول من بالعداوة بارزه، وفي بلاد تركستان واقفه وناجزه، ونجده في ذلك كما مر السيد بركة وبلاد الدشت تدعى دشت قبجاق ودشت بركة، والدشت باللغة الفارسية اسم للبرية، وبركة المضاف إليه هو أول سلطان أسلم ونشر بها رايات الملة الإسلامية، وإنما كانوا عباد أوثان، وأهل شرك لا يعرفون الإسلام والإيمان، ومنهم بقية يعبدون الأصنام إلى هذا الأوان فتوجه إلى ذلك الإقليم من طريق الدربند الجاري تحت حكم الشيخ
إبراهيم، وهو سلطان ممالك شروان، ونسبه متصل بالملك كسرى أنو شروان، وله قاض يدعى أبا يزيد، يفضل على جميع أركان دولته بالقرب إليه ويزيد، وهو دستور مملكته، وقطب سلطنته فاستشار في أمور تيمور وما يفعله، أيطيعه أم يتحصن منه أم يفر أم يقاتله؟ فقال له الفرار في رأيي أصوب، والتحصن في الجبال الشواهق أوثق عندي وأعجب فقال ليس هذا برأي مصيب، أنجو أنا وأترك رعيتي ليوم عصيب، وماذا أجيب يوم القيامة رب البرية، إذا رعيت أمورهم وأضعت الرعية، ولا عزمت أن أقاتله، وبالحرب والضرب أقابله، ولكني أتوجه إليه سريعاً، وأتمثل بين يديه سامعاً لأمره مطيعا، فإن ردني إلى مكانتي، وقررني في ولايتي، فهو قصدي وغايتي، وإن أذاني أو عزلني أو حبسني أو قتلني، فتكفي الرعية مؤنة القتل والنهب والأسار، فيولي إذ ذاك عليهم وعلى البلاد من يختار، ثم أمر بالاقامات فجمعت، وأذن للجيوش فتفرقت وتمنعت، وبمدن الولايات أن تتزين وتتزوق، وبسكانها براً وبحراً أن تأمن فتتعامل وتتأنق، وبالخطب أن تقرأ فوق المنابر باسمه، وبالدنانير والدراهم
أن تضرب بوسمه ورسمه، ثم حمل التقادم والخدم، وتوجه إليه بأطيب جأش وأثبت قدم، ولما وفد عليه، وتمثل بين يديه، قدم الهدايا والتحف، وأنواع الغرائب والطرف وعادة الجغتاي في تقديمهم الخدم أن يقدموا من كل جنس تسعة، لينالوا بذلك عند المهدى إليه الكرامة والرفعة، فقدم الشيخ إبراهيم من كل جنس من أجناس ما قدمه تسعة، ومن المماليك ثمانية، فقال له المتسلمون لذلك وأين تاسع المماليك؟ فقال التاسع نفسي العانية، فأعجب تيمور هذا الكلام، ووقع من قلبه بمكان ومقام، وقال له بل أنت ولدي، وخليفتي في هذه البلاد ومعتمدي، وخلع عليه خلعة سنية ورده إلى مملكته مستبشراً ببلوغ الأمنية ثم فرقت تلك الإقامات، وتوزعت الفواكه والطعامات، ففضل منها أمثال الجبال عن ذلك العسكر الذي هو كالحصى والرمال، ثم تركه وسار إلى بلاد الشمال والتتار وسبب آخر لقصده تلك الممالك وإن كان لايحتاج إلى ذلك، أن الأمير إيدكو كان عند توقتاميشس أحد رؤوس أمراء الميسرة والأعيان المتخذين في النائبات لدفعها وأرباب الرأي والمشورة، وقبيلته
تدعى قونكرات، وقبائل الترك كقبائل العرب واللغات كاللغات، وكان إيدكو قد أحس من مخدومه، تغير خاطر خاف منه على نفسه وكان توقتاميش شديد البأس فخشي منه حلول بأسه، فلم يزل منه متحرزاً، وللفرار إذا رأى منه ما يقتضي ذلك مستوفزا، وجعل يراقبه ويراقيه، ويداربه ويداريه، ففي بعض ليالي السرور ونجوم الكاسات في أفلاك الطرب تدور، وسلطان الخمرة قد أنفذ في أسير العقل أمره طفح أن قال توقتاميش لإيدكو، ونور البصيرة يخبو ويذكو إن لي ولك يوما، يسومك الخسف سوما، ويوليك عن موائد الحياة صوماً، ويملأ عين بقائك من سنة الفناء نوماً، فغالطه إيدكو وباسطه وقال أعيذ مولانا الخاقان، أن يحقد على عبد ماخان، وأن يذوي غراس هو أنشأه، أو يهوي أساس هو بناه، ثم أظهر التذلل والخشوع، والتمسكن والخنوع، وتحقق ما كان ظنه، وأعمل في وجه الخلاص ذهنه، واستعمل في ذلك الذكاء والفطنة، وعلم أنه إن أهمل أمره أو أمهله، أنه
فمكث قليلاً واستغفل السلطان، ثم انسلت من بين الحواشي، والأعوان، وخرج
في لجاجة كأنه يريد قضاء حاجة، وأتى إصطبل توقتاميش، بجأش يجيش ولا يطيش، وعمد إلى فرس مسرجة، منجيه منتجة، أقيمت معدة، لكل شدة، وقال لبعض حاشيته، المؤتمن سره من فاشيته من أراد يوافيني، فعند تيمور يلاقيني، ولا تفشي هذه الأسرار، إلا بعد أن تتحقق أني قطعت القفار ثم تركه وسار، فلم يشعر به إلا وقد سبق وركب طبقاً عن طبق، وقطع على أنوال السير أطول الشقق، فلم يدركوا منه ما أثار ولا لحقوا منه ولا الغبار فوصل إلى تيمور وقبل يديه، وعرض حكاياته وأخباره كما جرت عليه، وقال أنت تطلب البلاد الشاحطة والأماكن الوعرة الساقطة، وتركب في ذلك الأخطار، وتقطع فقار القفار، وتتلو أسفار الأسفار، وهذا المغنم البارد نصب عينيك وتدركه هنيئاً مريئا بهينك ولينك، ففيم التواني والتناعس، وعلام التقاعد والتقاعس، فانهض بعزم صميم، فأنا لك به زعيم، فلا قلعة تمنعك، ولا منعة تقلعك، ولا قاطع يدفعك ولا دافع يقطعك، ولا مقاتل يقابلك، ولا مقابل يقاتلك فما هم إلا أوشاب وأوباش، وأموال تساق وخزائن بأرجلها
مواش ولا زال يحرضه على ذلك ويطالب، ويفتل منه في الذروة والغارب، كما فعل معه عثمان قرايلوك حين جاء إلى تبريز بوسواسه، وحرضه على دخوله الشام بعد قتله السلطان برهان الدين أحمد ومحاصرة سيواسه كما يذكر فتهيأ تيمور بأوفى حركة، إلى استخلاص دشت بركة، وكانت بلاداً بالتتار خاصة، وبأنواع المواشي وقبائل الترك غاصة، محفوظة الأطراف، معمورة الأكتاف، فسيحة الأرجاء، صحيحة الماء والهواء، حشمها رحاله، وجنودها نباله، أفصح الأتراك لهجة، وأزكاهم مهجة، وأجملهم جبهة، وأكملهم بهجة، نساؤهم شموس، ورجالهم بدور، وملوكهم رؤوس، وأعيانهم صدور، لا زور فيهم ولا تلبيس، ولا مكر بينهم ولا تدليس وأبهم الترحال على عجل، مع أمان لا يدانيه وجل، مدنها قليلة، ومراحلها طويلة وحد بلاد الدشت من القبلة بحر القلزم الظلوم الغشوم، وبحر مصر المنقلب إليهم من بلاد الروم، وهذان البحران كادا يلتقيان لولا أن جبل الجركس بينهما برزخ لا يبغيان ومن الشرق تخوم ممالك خوارزم وأترار وسغناق،
إلى غير ذلك من البلاد والآفاق، آخذاً إلى تركستان وبلاد الجتا، متوغلاً إلى حدود الصين من ممالك المغول والخطا، ومن الشمال " إيبير، وسيبير " مواضع وبرار وقفار ورمال كالجبال، وكم بين ذلك من تيه، تحير الطير والوحش فيه، وهو كرضى الخلق غاية لا تدرك، ومهامه لا تسلك، ومن الغرب تخوم بلاد الروس والبلغار، وممالك النصارى الأشرار، ويتصل بتلك التخوم ما هو جار تحت حكم ابن عثمان من ممالك الروم، وكانت القوافل تخرج من خوارزم وتسير بالعجل، وهم آمنون من غير ريب ولا وجل، وإلى قيريم طولاً ومسيرة ذلك نحو من ثلاثة أشهر وأما عرضاً فهو بحر من الرمل أمده منه سبعة أبحر، لا يهتدي فيه الخريت، ولا يقربه من الدعاميص كل عفريت، فكانت القافلة لا تحمل زاداً ولا عليقاً ولا يصحبون معهم رفيقاً، وذلك لكثرة الأمم، ووفور الأمن والمأكل والمشرب من الحشم، فلا يصدرون إلا عن قبيله، ولا ينزلون إلا عند من يكرم نزيله، وكأنه فيهم قيل
متكنفى جبلى عكاظ كليهما
…
يدعو وليدهم بها عرعار
وأما " في هذا " اليوم فليس بتلك الأماكن من خوارزم وإلى قيريم من تلك الأمم والحشم متحرك ولا ساكن، وليس فيها من أنيس، إلا اليعافير وإلا العيس، وتحت الدشت سراي، وهي مدينة إسلامية البنيان، بديعة الأركان ويأتي وصفها وكان السلطان بركة رحمه الله لما أسلم بناها، واتخذها دار الملك، واصطفاها، وحمل أمم الدشت على الدخول في حمى الإسلام ودعاها، فلذلك كانت محل كل خير وبركة، وأضيفت بعد إضافتها إلى قبجاق وإلى بركة أنشدني لنفسه مولانا وسيدنا الخواجة عصام الدين بن المرحوم مولانا وسيدنا الخواجة عبد الملك وهو من أولاد الشيخ الجليل برهان الدين المرغيناني رحمه الله، في حاجي ترخان من بلاد الدشت بعد مرجعه من الحجاز الشريف سنة أربع عشرة وثمانمائة، وفي يومنا هذا أعني سنة أربعين وثمانمائة، انتهت إليه الرياسة في سمرقند قال، وقد قاسى في درب الدشت أنواع النكال
قد كنت أسمع أن الخير يوجد في
…
صحراء يعزى إلى سلطانها بركه
بركت ناقة ترحالي بجانبها
…
فما رأيت بها في واحد بركه
وأنشدني أيضاً لنفسه معرضاً بمولانا وسيدنا وشيخنا حافظ الدين محمد بن ناصر الدين محمد الكردي البزازي تغمده الله تعالى برحمته في الزمان والمكان المذكورين
متى تحفظ الناس في بلدة
…
مصالحها في يدي حافظ
فحافظها صار سلطانها
…
وسلطانها ليس بالحافظ
ولما تشرف بركة خان بخلعة الإسلام، ورفع في أطراف الدشت للدين الحنيفي الأعلام، استدعى العلماء من الأطراف، والمشايخ من الآفاق والأكناف، ليوقفوا الناس على معالم دينهم، ويبصروهم طرائق توحيدهم ويقينهم، وبذل في ذلك الرغبات، وأفاض على الوافدين منهم بحار الهبات، وأقام حرمة العلم والعلماء وعظم شعائر الله تعالى وشرائع الأنبياء، فكان عنده في ذلك الزمان وعند أوزبك بعده وجاني بك خان مولانا قطب الدين العلامة الرازي، والشيخ سعد الدين التفتازاني، والسيد جلال الدين شارح الحاجبية، وغيرهم من فضلاء الحنفية والشافعية،
ثم من بعدهم مولانا حافظ الدين البزازي، ومولانا أحمد الجندي، رحمهم الله تعالى فصارت سراي بواسطة هؤلاء السادات مجمع العلم ومعدن السعادات واجتمع فيها من العلماء والفضلاء، والأدباء والظرفاء والنبلاء، ومن كل صاحب فضيلة، وخصلة نبيلة جميلة، في مدة قليلة، ما لم يجتمع في سواها، ولا في جامع مصر ولا في قراها وبين بنيان سراي وخراب ما بها من الأمكنة، ثلاث وستون سنة، وكانت من أعظم المدن وضعاً، وأكثرها للخلق جمعا حكى أن رجلاً من أعيانها هرب له رقيق، وسكن في مكان منحى عن الطريق، وفتح له حانوتاً، يتسبب فيه ويحصل له قوتاً، واستمر ذلك المهين، نحواً من عشر سنين، لم يصادفه فيها مولاه، ولا اجتمع به ولا رآه، وذلك لعظمها وكثرة أممها، وهي على شط نهر متشعب من نهر آثل، الذي أجمع السواحون والمؤرخون وقطاع المناهل، أنه لم يكن في الأنهر الجارية، والمياه العذبة النامية، أكبر منه، وهو يأتي من بلاد الروس، وليس له فائدة سوى اغتيال النفوس، ويصب في بحر القلزم، وكذلك جيحون وسائر أنهار العجم ونهر سيحون، مع أن بحر القلزم محصور، وعليه بعض ممالك العجم تدور، مثل