الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على ألطنبغا العثماني نائب صفد، وعلى عمر بن الطحان نائب غزة جعل الكل في صفد، وشرع في استخلاص الأموال، وضبط الأثقال والأنفال وقد ملأت القلوب هواجس هيبته، وانتشر في الآفاق شرار صولته ثم إنه لم يكتف بما أزهقه من النفوس، حتى بنى الميادين من الرؤوس، وسبب ذلك أن ذا قرابة البريدي الذي أرسله إلى حلب، وضرب نائب الشام عنقه وسلبه السلب، ذكر تيمور بقصته، وأراد القود من أهل حلب لذي قرابته، فأجاب سؤاله فمكنه، فيمن يختار منهم أن يفعل فيه ما استحسنه، فقتل طائفة منهم وبنى من رؤوسهم كذا وكذا مئذنة
زيادة إيضاح لهذه المحنة مما نقلته
من تاريخ ابن الشحنة
قال أخبرني الحافظ الخوارزمي أن من كتب في الديوان من عساكر تيمور ثمانمائة ألف نفس، ومنه أن تيمور قصد قلعة المسلمين، وكان نائبها الناصري محمد ابن موسى بن شهري وأنه عصى عليه وكان يخرج للغارات، ثم قال ما نصه بحروفه وكان قد بدع بجمائع تمرلنك وطراشته مدة إقامته على بهسنا، وقتل منهم جماعة وأرسل رؤوسهم إلى حلب،
وكسر تومانا كان جهزه إليه أقبح كسره، حتى رمى غالب جماعته بأنفسهم في الفرات، وجهز تمرلنك كتابه إلى المشار إليه ونصه يقول فيه إني خرجت من أقصى بلاد سمرقند، ولم يقف أحد أمامي، وسائر ملوك البلاد حضروا إلي، وأنت سلطت على جمائعي من يشوش عليهم ويقتل من ظفر به منهم، والآن فقد مشينا عليك بعساكرنا، فإن أشفقت على نفسك ورعيتك، فاحضر إلينا لترى من الرحمة والشفقة ما لا مزيد عليه، وإلا نزلنا عليك وخربنا بلدك، وقد قال الله تعالى " إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون " فاستعد لما يحيط بك إن أبيت الحضور فأمسك المشار إليه الرسول وحبسه ولم يلتفت إلى كلام تمرلنك، فمشى إليه أوائل عسكره فبرز إليهم المشار إليه وقاتلهم وكسرهم وفي اليوم الثاني حضر تمرلنك على قلعة المسلمين فبرز إليه المشار إليه وقاتله قتالاً شديداً وكانت وقعة عظيمة، رأى فيها منه تمرلنك شدة حزم ورجع عن محاربته، وأخذ في مخادعته، وملاطفته، وطلب منه الصلح، وأن يرسل إليه خيلا ومالا لأجل حرمته، فلم ينخدع معه وتنازل معه إلى أن طلب منه جانبا فلم يعطه، وعاد خائباً، وأخذ
المشار إليه في أواخره قتلاً ونهباً وأسراً، كل ذلك وباب قلعته مفتوح لم يغلقه يوماً واحداً وأنشد فيه لسان الحال
هذا الأمير الذي صحت مناقبه
…
ليث الوغى عمت الدنيا مفاخره
ولى تمرلنك مكسوراً أوائله
…
منه مرارا ومذعوراً أواخره
وكان حصول تلك السعادة للمشار إليه، دون غيره من الملوك وأصحاب الحصون لما كان فيه من العلم والديانة، والإخلاص والصيانة، ولكونه من السلالة الطاهرة العمرية رضي الله عنها ولما كان يوم الخميس تاسع ربيع الأول نازل تمرلنك حلب، وكان نائبها المقر السيفي تمرداش، وقد حضرت إليه عساكر المملكة الشامية وعسكر دمشق مع نائبها سيدي سودون، وعسكر طرابلس مع نائبها المقر السيفي شيخ الخاصكي، وعسكر حماه مع نائبها المقر السيفي دقماق، وعسكر صفد وغيرها، فاختلفت آراؤهم، فمن قائل ادخلوا المدينة وقاتلوا من الأسوار، وقائل اخرجوا ظاهر البلد تلقاء العدو بالخيام فلما رأى المقر السيفي تمرداش اختلافهم، أذن لأهل حلب في إخلائها والتوجه حيث شاءوا وكان نعم الرأي،
فلم يوافقوا على ذلك وضربوا خيامهم ظاهر البلد تلقاء العدو وحضر قاصد تمرلنك فقتله نائب دمشق قبل أن يسمع كلامه، ويوم الجمعة حصل بين الأطراف تناوش يسير، فلما كان يوم السبت حادي عشر شهر ربيع الأول زحف تمرلنك بجيوشه وفيلته، فولى المسلمون نحو المدينة وازدحموا في الأبواب، ومات منهم خلق عظيم، والعدو وراءهم يقتل ويأسر، وأخذ تمرلنك حلب عنوة بالسيف، وصعد نواب المملكة وخواص الناس إلى القلعة، وكان أهل حلب قد جعلوا غالب أموالهم فيها وفي يوم رابع عشر شهر ربيع الأول أخذ القلعة بأمان والأيمان التي ليس معها إيمان، وفي ثاني يوم صعد إليها، وآخر نهار طلب علماءها وقضاتها، فحضرنا إليه فأوقفنا ساعة، ثم أمر بجلوسنا، وطلب من معه من أهل العلم، فقال لأمير عنده وهو المولى عبد الجبار بن العلامة نعمان الدين الحنفي، والده من العلماء المشهورين بسمرقند - قل لهم إني سائلهم عن مسألة سألت عنها علماء سمرقند وبخارى وهراة وسائر البلاد التي افتتحتها فلم يفصحوا عن جواب، فلا تكونوا مثلهم، ولا يجاوبني إلا أعلمكم وأفضلكم، وليعرف ما يتكلم فإني
خالطت العلماء ولي بهم اختصاص وألفة، ولي في العلم طلب قديم وكان يبلغنا عنه أنه يتعنت العلماء في الأسئلة، ويجعل ذلك سبباً لقتلهم أو تعذيبهم فقال القاضي شرف الدين موسى الأنصاري الشافعي عني هذا شيخنا ومدرس هذه البلاد ومفتيها سلوه وبالله المستعان، فقال لي عبد الجبار، سلطاننا يقول إنه بالأمس قتل منا ومنكم، فمن الشهيد؟ قتيلنا أم قتيلكم؟ فوجم الجميع، وقلنا في أنفسنا هذا الذي بلغنا عنه من التعنت
وسكت القوم، ففتح الله علي بجواب سريع بديع، وقلت هذا سؤال سئل عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجاب عنه، وأنا مجيب بما أجاب به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لي صاحبي القاضي شرف الدين موسى الأنصاري بعد أن انقضت الحادثة والله العظيم لما قلت هذا السؤال سئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجاب عنه، وأنا محدث زماني، قلت هذا عالمنا قد اختل عقله وهو معذور، فإن هذا السؤال لا يمكن الجواب عنه في هذا المقام ووقع في نفس عبد الجبار مثل ذلك وألقى تمرلنك إلي سمعه وبصره وقال لعبد الجبار يسخر من كلامي كيف سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا وكيف أجاب؟ قلت " جاء أعرابي
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إن الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل ليرى مكانه فأينا في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو الشهيد فقال تمرلنك خوب خوب وقال عبد الجبار ما أحسن ما قلت! وانفتح باب المؤانسة، وقال إني رجل نصف آدمي، وقد أخذت بلاد كذا وكذا، وعدد سائر ممالك العجم والعراق والهند وسائر بلاد التتار فقلت إجعل شكر هذه النعمة عفوك عن هذه الأمة، ولا تقتل أحد، فقال والله إني لا أقتل أحداً قصداً، وإنما أنتم قتلتم أنفسكم في الأبواب، والله لا أقتل أحد منكم وأنتم آمنون على أنفسكم وأموالكم وتكررت الأسئلة منه والأجوبة منا، فطمع كل من الفقهاء الحاضرين، وجعل يبادر إلى الجواب ويظن أنه في المدرسة، والقاضي شرف الدين ينهاهم ويقول لهم بالله اسكتوا ليجاوب هذا الرجل فإنه يعرف ما يقول وكان آخر ما سئل عنه ما تقولون في علي ومعاوية ويزيد فأشرت إلى القاضي شرف الدين وكان إلى جانبي، أن اعرف كيف تجاوبه فإنه شيعي، فلم أفرغ من سماع كلامه إلا وقد قال القاضي
علم الدين القفصي المالكي كلاماً معناه أن الكل مجتهدون فغضب لذلك غضباً شديداً، وقال علي على الحق ومعاوية ظالم ويزيد فاسق وأنتم حلبيون تبع لأهل دمشق، وهم يزيديون قتلوا الحسين فأخذت في ملاطفته والاعتذار عن المالكي بأنه أجاب بشيء وجده في كتاب لا يعرف معناه، فعاد إلى دون ما كان عليه من البسط وأخذ عبد الجبار يسأل عني وعن القاضي شرف الدين فقال عني هذا عالم مليح وعن شرف الدين وهذا رجل فصيح فسألني تمرلنك عن عمري فقلت مولدي في سنة تسع وأربعين وسبع مائة وقد بلغت الآن أربعاً وخمسين سنة فقال للقاضي شرف الدين وأنت كم عمرك؟ فقال أنا أكبر منه بسنة فقال تمرلنك أنتم في عمر أولادي أنا عمري اليوم خمساً وسبعين سنة وحضر صلاة المغرب وأقيمت الصلاة وأمنا عبد الجبار وصلى تمرلنك إلى جانبي قائماً يركع ويسجد ثم تفرقنا وفي اليوم الثاني غدر بكل من في القلعة وأخذ جميع ما كان فيها من الأموال والأقمشة والأمتعة ما لا يحصى أخبرني بعض كتابه أنه لم يكن أخذ من مدينة قط ما أخذ من هذه القلعة، وعوقب غالب المسلمين بأنواع من العقوبة، وحبسوا بالقلعة
ما بين مقيد ومزنجر ومسجون ومرسم عليه ونزل تمرلنك من القلعة وأقام بدار النيابة، وصنع وليمة على زي المغل، ووقف سائر الملوك والنواب في خدمته وأدار عليهم كؤوس الخمر، والمسلمون في عقاب وعذاب وسبي وقتل وأسر، وجوامعهم ومدارسهم وبيوتهم في هدم وحرق وتخريب ونبش إلى آخر شهر ربيع الأول، ثم طلبني ورفيقي شرف الدين
وأعاد السؤال عن علي ومعاوية، فقلت له لا شك أن الحق كان مع علي وليس معاوية من الخلفاء، فإنه صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الخلافة بعدي ثلاثون سنة وقد تمت بعلي، فقال تمرلنك قل علي على حق ومعاوية ظالم، قلت قال صاحب الهداية يجوز تقليد القضاء من ولاة الجور، فإن كثيراً من الصحابة والتابعين تقلدوا القضاء من معاوية، وكان الحق مع علي في نوبته، فانسر لذلك وطلب الأمراء الذين عينهم للإقامة بحلب، وقال إن هذين الرجلين نزول عندكم بحلب، فأحسنوا إليهما وإلى ألزامهما وأصحابهما ومن ينضم إليهما، ولا تمكنوا أحداً من أذيتهما، ورتبوا لهم علوفة، ولا تدعوهما في القلعة بل اجعلوا إقامتهما في المدرسة يعني السلطانية التي تجاه
القلعة ففعلوا ما أوصاهم به إلا أنهم لم ينزلونا من القلعة وقال لنا الذي ولي الحكم منهم بحلب وكان يدعى الأمير موسى بن جاجي طغاي إني أخاف عليكما، والذي فهمته من سياق كلام تمرلنك أنه إذا أمر بسوء فعل بسرعة ولا يحيد عنه، وإذا أمر بخير فالأمر فيه لمن وليه وفي أول يوم من ربيع الآخر برز إلى ظاهر البلد متوجهاً نحو دمشق، وثاني يوم أرسل يطلب علماء البلد فرحنا إليه والمسلمون في أمر مريج وقطع رؤوس فقلنا ما الخبر؟ فقيل أن تمرلنك أرسل يطلب من عسكره رؤوساً من المسلمين على عادته التي كان يفعلها في البلاد التي أخذها، فما وصلنا إليه جاءنا شخص من علمائه يقال له المولى عمر، فسألناه عن طلبنا فقال يريد يستفتيكم في قتل نائب دمشق الذي قتل رسوله فقلت هذه رؤوس المسلمين تقطع وتحضر إليه بغير استفتاء وهو حلف ألا يقتل منا أحداً قصداً، فعاد إليه ونحن ننتظره وبين يديه لحم سليق في طبق يأكل منه فتكلم معه يسيراً، ثم جاء إلينا شخص بشيء من ذلك اللحم، فلم نفرغ من أكله إلا وزعجة قائمة وتمرلنك صوته عال، وساق شخص هكذا أو آخر هكذا، وجاءنا أمير يعتذر ويقول إن سلطاننا لم يأمر بإحضار
رؤوس المسلمين، وإنما بقطع رؤوس القتلى وأن يجعل منها قبة إقامة لحرمته على جري عادته ففهموا منه غير ما أراد وأنه قد أطلقكم فأمضوا حيث شئتم، وركب تمرلنك من ساعته وتوجه نحو دمشق، فعدنا إلى القلعة ورأينا المصلحة في الإقامة بها، وأخذ الأمير موسى - احسن الله إليه - في الإحسان إلينا، وقبول شفاعتنا، وتفقد أحوالنا مدة إقامته بحلب وقلعتها وتجيئنا الأخبار أن سلطان المسلمين الملك الناصر فرج قد نزل إلى دمشق، وأنه كسر تمرلنك، ومرة تجيء بالعكس إلى أن انجلت القضية عن توجه السلطان إلى مصر بعد أن قاتل مع تمرلنك قتالاً عظيماً، أشرف تمرلنك منه على الكسر والهزيمة، وإنما حصل من بعض أمرائه خيانة كان ذلك سبب توجهه آخذاً بالحزم، ودخل تمرلنك إلى دمشق ونهبها وأحرقها، وفعل فيها فوق ما فعل بحلب، ولم يدخل طرابلس بل أحضر له منها مال، ولا جاوز فلسطين وعاد نحو حلب طالباً بلاده ولما كان سابع عشر شعبان من السنة المذكورة وصل تمرلنك عائداً من الشام إلى الجبول شرقي حلب، ولم يدخلها، بل أمرالمقيمين بها من جهته بتخريبها وإحراق المدينة ففعلوا، وطلبني الأمير
عز الدين وكان من أكبر أمرائه وقال إن الأمير رسم بإطلاقك وإطلاق من معك، فاطلب من شئت وأكثر لأروح معكم إلى مشهد الحسين وأقيم عندكم حتى لا يبقى من عسكرنا أحد وكان القاضي شرف الدين لا يفارقني، فطلبنا باقي القضاة واجتمع معنا نحو من ألفي مسلم، وتوجهنا إلى مشهد الحسين المشار إليه، وأقمنا ننظر إلى النار وهي تضرم في أرجائها، وبعد ثلاثة أيام لم يبق بها أحد، فنزلنا إليها فلم نر أحدا فاستوحشنا وما قدرنا على الإقامة بها من النتن والوحشة، ولم نقدر على السلوك في الطرقات
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
…
أنيس ولم يسمر بمكة سامر
وكانت نواب بلاد الشام معه مأسورين وانفلتوا أولاً بأول، ومات سودون بالبطن معه في قبة يلبغا، واستقر في نيابة دمشق تغري بردي والله أعلم هذا ما نقلته من كلام ابن الشحنة كما وجدته
ذكر ورود هذا الخبر الذي أقلق
ووصول أسنبغا الدوادار
وعبد القصار إلى جلق
فورد من حلب أسنبغا الدوادار، والفتح الماهر المدعو بعبد القصار، وقالا معاشر المسلمين، الفرار مما لا يطاق، من سنن المرسلين، من يقدر على هذا، فيطلب لنفسه طريق النجا، ومن أطاق أن يشمر ذيله، فلا يبيتن في دمشق ليله، ولا يغالط نفسه بالمداهنة، فليس الخبر كالمعاينة فتفرقت الآراء، واختلفت الأهواء، وماج أمر الناس موجا، وتفرقوا كما هو دأبهم فوجاً فوجاً، فبعض الناس انتصح، وجهز أمره وانتزح وبعضهم كابر وأصر، وكشر أنيابه لأسنبغا وعبد القصار واهر، وأرادوا رجم هذين الناصحين، وأن يسقوهما كأس حين، وقالوا إنما أردتما بذلك تبديد الناس وتشريدهم، وإجلاءهم عن أوطانهم وتجريدهم، وتفريق كلمتهم وتمزيق جلدتهم، وإلا فالأمن حاصل، والسلطان بحمد الله واصل والنواب في حلب كانوا شرذمة قليلة، ولم يتم لهم معه الفكر والحيلة، مع أنه حصل من بعضهم مخامرة، ولم يوجد من الباقين مناصحة ومظاهرة، ولم يكن لهم رأس، فلا تأخذوا في هذه المسألة بالقياس،