الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما يتولد من حادثات الزمان، وكأن أنامل الدهر الدائر، كتبت لهم على مرآة الخاطر، ما أنشده الشاعر
ألا إنما الأيام أبناء واحد
…
وهذي الليالي كلها أخوات
فلا تطلبن من عند يوم وليلة
…
خلاف الذي مرت به السنوات
وقلت
إن اختفى ما في الزمان الآتي
…
فقس على الماضي من الأوقات
" فصل " ولما أنجز تيمور أمر حلب، ضبط أثقالها وما أخذ منها من مال وسلب، ووضعه في القلعة، ووكل به بعض أمرائه من ذوي الشجاعة والمنعة، وهو الأمير موسى بن حاجي طغاي، وكان ذا عزم سديد ورأي، وتوجه بذلك البحر الطام، غرة شهر ربيع الآخر جهة الشام، فوصل إلى حماة، ونهب ما حوت يداه، ولم يحتفل بأمر نهب وأسير، ولا بإسراع في مسير، بل سار رويدا، وهو يكيد كيدا، ويكيدون كيدا
حكاية
رأيت حين توجهت إلى بلاد الروم في أوائل شهر ربيع الأول سنة
تسع وثلاثين وثمانمائة، عند وصولنا إلى حماة بالجامع النوري بها من الجانب الشرقي على حائطه القبلي نقشاً على رخامة بالفارسي ما ترجمته " وسبب تصوير هذا التسطير، هو أن الله تعالى يسر لنا فتح البلاد والممالك حتى انتهى استخلاصنا الممالك إلى العراق وبغداد، فجاورنا سلطان مصر ثم راسلناه وبعثنا إليه قصادنا بأنواع التحف والهدايا، فقتل قصادنا من غير موجب لذلك، وكان قصدنا بذلك أن تنعقد المودة بين الجانبين، وتتأكد الصداقة من الطرفين ثم بعد ذلك بمدة قبض التراكمة على أناس من جهتنا وأرسلهم إلى السلطان مصر برقوق، فسجنهم وضيق عليهم، فلزم من هذا أنا توجهنا لاستخلاص متعلقينا، من أيدي مخالفينا، واتفق لذلك نولنا بحماه في العشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانمائة "" فصل " ثم وصل إلى حمص فلم يتعرض بها بتشتيت وتبديد، ووهبها لسيدي خالد بن الوليد قلت بديها
ألا لا تجاور سوى الخيرين
…
أحيا وكن جارهم في القبور
ألم تر حمص وسكانها
…
نجوا من بحار بلايا تمور
لأنهم جاوروا خالدا
…
ومن جاور الأتقيا لا يبور
وخرج إليه شخص من آحاد الناس، يدعى عمر بن الرواس، فاستجلب خاطره، وكأنه قدم إليه تقدمة فاخرة، فولاه أمور البلد وركن إليه واعتمد، وولى قضاء تلك البلاد، رئيساً يسمى شمس الدين بن الحداد، ونادى بالأمان، للقاصي والدان، وتبايعوا بها وتشاوروا، وفي استفادة ربح الأمن لم يتماروا ثم إن نائب الشام ضعف معه ومات على قبة يلبغا ونائب طرابلس هرب منه وللخلاص ابتغى، فوصل إلى مدينته، واستقر في ولايته، فاضطرم غضباً، واستشاط لهباً واشتعل قيظ غيظه، وقتل كل من وكله بحفظه، وأسعر بهم سقر، وكانوا ستة عشر وأما تمرداش فإنه داراه ومارى، وهرب منه في قارا، واستمر علاء الدين الطنبغا العثماني نائب صفد، وزين الدين نائب غزة وغيرهما معه في صفد، ثم سار وما ارتبك، حتى نزل على بعلبك، فخرج أهلها ودخلوا عليه، وتراموا طالبين
الصلح بين يديه، فلم يلتفت إلى هذا المقال، وأرسل فيهم جوارح النهب والاستئصال " وقرب السلطان أيضاً " ثم ارتحل مجرياً ذلك البحر الزخار، والسيل التيار، والطوفان الثرثار، حتى أشرف على دمشق من قبة سيار، ووصلت العساكر المصرية، والجنود الإسلامية، وقد ملأوا الفضاء وأشرق الكون منهم وأضاء، فيالق سهامها لحب قلب من نوى الخلاف فالقة، وصواعق سيوفها في عقاص كل عقص صاعقة، وأسنة رماحها لرتق سماء الأرواح عن أرض الأشباح فاتقة وقد طلبوا الأطلاب وحزبوا الأحزاب، وعبوا الميمنة والميسرة ورتبوا المقدمة والمؤخرة، وسووا القلب والجناح، وملأوا البطاح والبراح وساروا بالمقاتب المكتبة والكتائب المقتبة، والكواكب المركبة، والمراكب المكوكبة، والمراتب المقربة، والمقربات المرتبة، والسلاهب المجنبة، والنجائب التي هي على أكل اللجم مسلهبة، وفي كل كتيبة من الأسود الضراغم، ومن النسور القشاعم قلت
ورب ذي لجب كالطود ذي حنق
…
كأنه البحر في أثناه غابات
بحران في كل موج منهما أسد
…
يلاعب الموت في كفيه حيات
كل ترى العين معناه وصورته
…
عند النزال وإن ينزل فشطفات
إن يسر تلق السما في الأرض دائرة
…
أو سار تعقد أرضاً منه غبرات
وقد تنكبوا حنايا المنايا، وتقلدوا سيوف الحتوف، واعتقلوا الذوابل النواهل، وثبتوا حيث نبتوا، وكأنهم خلقوا من كواهل الصواهل قلت
كأن الجو ثوب لا زوردي
…
يزركش نسجه قضب الرماح
فإن عقد القتام عليه ليلا
…
أرتك صفاحه لمع الصباح
كأن نجومه النشاب ترمى
…
شياطين الكفاح لدى النطاح
ولا زالت أفواج هذه الأمواج على هذا المنهاج متلاطمة، وأثباج هذا البحر العجاج تحت العجاج متصادمة، وكل ينادي بطريق المفهوم " وما منا إلا له مقام معلوم " فوصلت غيلان الوغى إلى قبة يلبغا، يوم الأحد العاشر من شهر ربيع الآخر، عام ثلاثة وثمانمائة من الهجرة، فنزل كل من العساكر يمنة ويسرة، واستقرت العساكر
والأمراء الإسلامية في البيوت والمساكن، ونزلت الجنود التتارية غربي دمشق من داريا وإلى قطنا والحولة وما يلي تلك الأماكن ودخل بعض أثقال السلطان إلى البلد، وتحصنت القلعة والمدينة بالسلاح والعدد، ثم أخذ كل من الجيشين حذره، ونجز للمقابلة والمقاتلة أمره، وحفروا الخنادق، وسد كل على الآخر أفواه المضائق، وشرعوا في المهوشة والمناوشة والمهارشة والمعانشة، ثم أمر السلطان العساكر بالبروز من المدينة إلى الظاهر وجعل يخرج من المدينة رؤساء أعيانها، وتنحاز في المقاتلة إلى سلطانها، والأطفال الصغار، يجأرون إلى الجبار، وينادون بحرقة كل ليلة في الأزقة يا الله يا رحمن، انصر مولانا السلطان والناس في اضطراب وحركات، يستنزلون النصر والبركات، ويستغيثون الليل والنهار، يا مجاهدون الأسوار واستشهد من رؤساء البلد في تلك الأيام قاضي القضاة برهان الدين التادلي المالكي الحاكم بالشام، وشلت يد قاضي القضاة شرف الدين عيسى المالكي بضربة حسام، وجعلوا يأتون بمن يظفرون به من العدو فيقتلونه، ربما غنموا منهم من ناطق