المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ابتداء ثوران ذلك القتام فيمايتعلق بممالك الشام - عجائب المقدور في أخبار تيمور

[ابن عربشاه]

فهرس الكتاب

- ‌بسم الله الرحمن الرحيممقدمة المؤلف

- ‌فصل في ذكر نسبه وتدريجاستيلائه على الممالك وسببه

- ‌ذكر عبوره جيحون على فترةوما أجرى من عبرات بهذه العبرة

- ‌ذكر ما جرى من خبطه في دخوله إلى قرشيوخلاصه من تلك الورطة

- ‌ذكر من استرقه ذلك الجاف واستعبدهمن أحرار ملوك الأطراف

- ‌ذكر نهوض المغل على السلطانوكيف تضعضعت منه الأركان

- ‌ذكر الحيلة التي صنعهاوالخديعة التي ابتدعها

- ‌ذكر توجهه إلى بلخشانواستنصاره بمن فيها على السلطان

- ‌ذكر وثوب توقتاميش خان سلطانالدشت وتركستان

- ‌ذكر علي شير مع تيمور وما وقع بينهمامن المخالفة والشرور

- ‌ذكر ما جرى لدعار سمرقند والشطار مع تيموروكيف أحلهم دار البوار

- ‌‌‌فصل

- ‌فصل

- ‌وما بين نهري بلخشان وخجند

- ‌ذكر تصميمه العزم وقصده جمع الأطرافوأولاً ممالك خوارزم

- ‌ذكر عوده ثانياً إلى خوارزم

- ‌ذكر مراسلته ملك غياث الدين سلطانهراة الذي خلصه من الصلب وراود فيه أباه

- ‌ذكر اجتماع ذلك الجافي بالشيخ

- ‌ذكر عوده إلى خراسانوتخريبه ولايات سجستان

- ‌ذكر قصد ذلك الغدار ممالك سبزواروانقيادها إليه وقدوم واليها عليه

- ‌ذكر ما جرى لذلك الداعر في سبزوارمع الشريف محمد رأس طائفة الدعار

- ‌ذكر مراسلة ذلك الشجاع سلطان عراقالعجم أبا الفوارس شاه شجاع

- ‌ذكر توجه تيمور مرة ثالثة إلى خوارزمبالعساكر العائثة العابثة

- ‌ذكر توجه ذلك الباقعة إلى خوارزممرة رابعة

- ‌ذكر ما كان ذلك الجان راسل به شاهولي أمير ممالك مازندران

- ‌ذكر مراسلة شاه ولي سلاطينوما وقع في ذلك من الشقاق وعدم الاتفاق

- ‌ذكر ما جرى لأبي بكر الشاسبانيمع ذلك الجاني

- ‌ذكر توجه تيمور إلى عراقالعجم وخوض شاه منصور غمار ذلك البحر الخضم

- ‌ذكر دقيقة تصدت فجلت ونقضت ما أبرمة شاهمنصور من عقد حين حلت

- ‌ذكر ما نقل عن شاه منصور مما أوقع بعسكر تيمورمن الحرب والويل تحت جنح الليل

- ‌ذكر ما وقع من الأمور والشروربعد واقعة شاه منصور

- ‌ذكر ما صنع الزمان عند حلوله بأصبهان

- ‌ذكر ضبطه طرف المغل والجتاوما صدر منه في تلك الأماكن وأتى

- ‌ذكر عودة ذلك الأفعوان إلى ممالك فارسوخراسان وفتكه بملوك عراق العجم واستصفائه تلك الممالك والأمم

- ‌حكاية

- ‌سبب دخوله إلى عراق العربوإن كان إيذاؤه لا يحتاج إلى علة وسبب

- ‌سكون ذلك الزعزع الثائروهدوء ذلك البحر المائر لتطمئن منه الأطراف فيحطمها كما يريد ويدير بها

- ‌إنموذج مما كان يغور ذلك الظلوم الكفورمن عساكره في بحور، ويغوص على أمور، ثم يفور بشرور ومن جملة ذلك غوصه مما

- ‌ابتداء تخريب ذلك الخرب أذربيجانوممالك عراق العرب

- ‌صفة قلعة النجا

- ‌ذكر أخبار صاحب بغداد وأسماء آبائهوالأجداد وكيفية دخوله إلى هذه البلاد

- ‌ذكر ما افتعله من الخديعة والمكرفي بلاد أرزنجان وديار بكر

- ‌ذكر ما جرى لسلطان ماردين عيسىالملك الظاهر من المحنة والبلاء مع ذلك الغادر الماكر

- ‌إيضاح ما أخفاه من الحيلةوصلود زند تلك الأفكار الوبيلة

- ‌ذكر وصول ذلك الطوفان وجحفهأمم الدشت بعد كسره توقتاميش خان

- ‌ذكر ما وقع من الخلاف في عساكرتوقتاميش وقت المصاف

- ‌ذكر إيدكو وما صنعه وكيفخلب تيمور وخدعه

- ‌تتمة ما جرى في نواحي الشمالبين توقتاميش وإيدكو من جدال وقتال إلى أن تغير أمر كل منهما وحال

- ‌ما كنا فيه من أمور تيمور ودواهيه

- ‌ابتداء ثوران ذلك القتام فيمايتعلق بممالك الشام

- ‌ذكر ما أجاب به السلطان أبو يزيدبن عثمان القاضي برهان الدين أبا العباس سلطان ممالك سيواس

- ‌ذكر توجه العساكر الشامية لدفعتلك الداهية الدهية

- ‌ذكر رجوع ذلك الكنود وقصدهاستخلاص بلاد الهنود

- ‌ذكر ما فعله ذلك المحتالمن الخديعة في إجفال الأفيال

- ‌ذكر وصول ذلك الخبر إلى ذلك العقوقبوفاة الملكين أبي العباس أحمد والملك الظاهر برقوق

- ‌معنى كتاب وفد وهو في الهند عليهزعموا أن ولده أميران شاه أرسله إليه

- ‌ذكر ما وقع من الفتن والبدعوما سل للشرور من حسام بعد موت سلطان سيواس والشام

- ‌ذكر نبذة من أمور القاضيوكيفية استيلائه على سيواس وتلك الأراضي

- ‌ذكر محو قرايلوك عثمان آثار أنواربرهان الدين السلطان بسبب ما أضمره من العدوان وأظهره حالة العصيان وقبض

- ‌ذكر ما كان نواه قرايلوك من الرأيالمصيب ورجعه عنه لسوء طويته شيخ نجيب

- ‌ذكر ما وقع من الفساد في الدنيا والدينبعد قتل قرايلوك السلطان برهان الدين

- ‌ذكر مشاورة الناس من أهل سيواسأنى يسلكون ومن يملكون

- ‌ذكر قصد ذلك الغدار سيواسوما يليها من هذه الديار

- ‌ذكر انسجام صواعق ذلك البلاء الطاممن غمام الغرام على فرق ممالك الشام

- ‌ذكر ما أرسل من كتاب وشنيع خطابإلى النواب بحلب وهو في عين تاب

- ‌ذكر ما تمالأ عليه النوابوهم في حلب وتيمور في عين تاب

- ‌ذكر ما صبه من صواعق البيضواليلب على العساكر الشامية عند وصوله إلى حلب

- ‌زيادة إيضاح لهذه المحنة مما نقلتهمن تاريخ ابن الشحنة

- ‌ذكر خروج السلطان الملك الناصرمن القاهرة بجنود الإسلام والعساكر

- ‌حكاية

- ‌ذكر واقعة وقعت ومعركة صدعتلو أنها نفعت

- ‌ذكر ما افتعله سلطان حسينابن أخت تيمور من المكر والمين

- ‌ذكر ما نجم من النفاق بين العساكرالإسلامية وعدم الاتفاق

- ‌ذكر خروج الأعيان بعد ذهاب السلطانوطلبهم من تيمور الأمان

- ‌ذكر ما صنعه بعض الأكياس من الناسخوفاً من أن يحل بهم الباس ووقى بنفائسه النفوس والأنفاس

- ‌ذكر معنى كتاب أرسل إليهعلى يد بيسق بعدما فروا من بين يديه

- ‌ذكر إلقائهم النار في البلد لمحو الآثار

- ‌إقلاع هاتيك الرزايا وإقشاع غمامتلك الدواهي والبلايا عن بلاد الشام بما تحمله من أوزار وخطايا وآثام

- ‌ذكر ما جرى في مصر وسائر الأقطارعند سماعهم هذه الأخبار واستيقانهم هذه الأهوال والأخطار

- ‌ذكر من أصيب من سهام القضاء بالرشقووقع في مخالب أسره من أعيان دمشق

- ‌ذكر ما أباد بعد الجراد

- ‌ذكر وروده ماردين بالهيبةوصدوره عنها بعد المحاصرة بالخيبة

- ‌صفة هذه القلعة

- ‌ذكر تركه في المحاصرة، العنادوالمكابرة، وتوجهه بمارديه ذوي الفساد عن ماردين إلى بغداد

- ‌ذكر ما فعله السلطان أحمدبن الشيخ أويس، لما بلغه أنه توجه إلى ذلك النحيس

- ‌ذكر رجوع ذلك الطاغ وإقامته في قراباغ

- ‌ذكر مراسلة ذلك المريد سلطانالروم يلدريم بايزيد

- ‌ذكر طيران ذلك البوم وقصدهخراب ممالك الروم

- ‌ذكر ما عزم ابن عثمان عليهعند انصباب ذلك الطوفان إليه

- ‌ذكر ما فعله ذلك الخداع المكارونمقه في تفخيذه عن ابن عثمان جنود التتار

- ‌ذكر ما صنعه ابن عثمان من الفكر الوبيلوتوجهه إلى ملاقاة تيمور بطود عسكره الثقيل

- ‌ذكر ما فعله ذلك الساقطهمع ابن عثمان وعسكره من المغالطة

- ‌ذكر ما وقع من الخباطبعد وقعة ابن عثمان في كل ثغر ورباط

- ‌ذكر أولاد ابن عثمان، وكيف شتتهم ثم أبادهم الزمان

- ‌عوداً إلى أمور تيمور ودواهيه

- ‌ذكر ما فعله مع ابن عثمانمن نكاية غدت بأوصافه القبيحة على مر الزمان حكاية

- ‌ذكر وفود اسفنديار عليهومثوله سامعاً مطيعاً بين يديه

- ‌ذكر فتح قلعة أزمير وحتفهاونبذة من عجيب وضعها ووصفها

- ‌ذكر ما صنعه من أمر مروم وهو في بلاد الروممن قصده بلاد الخطا واستخلاص ممالك الترك والجتا، وافتكاره وهو في الغرب

- ‌ذكر حلول غضب ذلك الصيادعلى الله داد ونفيه إياه إلى أقصى البلاد

- ‌نموذج يدل على عمق ذلك البحر المحيطوما كان يصل إليه غواص فكره النشيط

- ‌ذكر ما فعله ذلك المكار عندتنجيزه أمر الروم من الغدر بالتتار

- ‌ذكر ارتفاع ذلك الغمام بصواعقبلائه عن ممالك الأروام

- ‌ذكر انصباب ذلك العذاب ماء وناراعلى ممالك الكرج وبلاد النصارى

- ‌ذكر سبب أخذه لهذا الحصن المنيعوبيان معاني ما جرى في ذلك من صنع بديع

- ‌تتمة ما جرى للكرجمع تيمور شيخ العرج

- ‌ذكر طلب الكرج الأمان، واستشفاعهمإلى ذلك الجان، بجارهم الشيخ إبراهيم حاكم شروان

- ‌ذكر ثني عنانه إلى أوطانهوقصده بلاده بعد استكماله فساده

- ‌ذكر نهوض ملوك الأطرافلاستقباله، ووفودها عليه مهنئة له بحسن مآله

- ‌ذكر توزيعه التتار أرسالاشرقاً وغرباً ويميناً وشمالاً

- ‌ذكر ما ابتدعه من منكراتهوطبع بخاتمة خواتيم سيئاته، ووافى باستيفائه رائد وفاته

- ‌ذكر بعض حوادث متقدمةلمتعلقات ذلك العابث

- ‌ذكر عزمه كما كان على الخطاومجيئه سكرة الموت بالحق وكشفه عنه الغطا، ثم انتقاله من سفره إلى سقره

- ‌ذكر مرسوم أرسله إلى ألله داد، بت فيه من الأكبادوفت القلوب والأعضاد، وزاد ما خبله فيه من هموم بأنكاد

- ‌ذكر سبب انكسار ذلك الجباروانتقاله إلى دار البوار، واستقراره في الدرك الأسفل من النار

- ‌فصل في ذكر ما وقع بعد وفاة تيمور

- ‌ذكر من ساعده البختواستولى بعد تيمور على التخت

- ‌ذكر خلاص العساكر من البندوقفولهم مع عظامه إلى سمرقند

- ‌ذكر ما أضمره وزراء تيموروأخفاه كل منهم في التامور

- ‌ذكر وصول خليل سلطانبما ناله من سلطان إلى الأوطان

- ‌ذكر مواراة ذلك الخبثوإلقائه في قعر الجدث

- ‌فصل في اعتدال الزمان، وأخبار خليل سلطان

- ‌ذكر من أظهر العناد والمراءوتشبث بذيل المخالفة والعصيان من الأمراء والوزراء

- ‌ذكر أخبار ألله داد صاحب أشبارهوإخلائه إياها وقصده دياره، وما صنعه في تدبير الملك وأثاره قولاً وفعلاً

- ‌فصل

- ‌ذكر ورود مكتوبين إلى ألله دادمن خليل سلطان وخدايداد، تخالفت معانيهما وتصادمت فحاويهما

- ‌ذكر ما تم لألله داد مع خدايدادوكيف ختله وخلبه واسترق عقله وسلبه

- ‌ذكر ورود كتاب من خليلفيه لفظ رقيق لحل أمر جليل

- ‌فصل

- ‌ذكر لحوق ألله داد بخليل سلطانوحلوله مكرماً معززاً في الأوطان

- ‌ذكر تنبه خدايداد، بأن ألله داد خبل عقلهبأنكال وأنكاد

- ‌ذكر ما وقع في تورانبعد موته من حوادث الزمان

- ‌ذكر نهوض إيدكو بالتتاروقصده ما وراء النهر وتلك الديار

- ‌ذكر بير محمد حفيد تيمور ووصيهوما جرى بينه وبين خليله ووليه

- ‌ذكر تجهيز خليل سلطان سلطان حسينلمناصرته وخروجه عن الخليل سلطان وقبضه على أمرائه ومخالفته

- ‌ذكر خداع ألله داد سلطان حسينوتلافيه تلافه بالمكر والمين

- ‌ذكر أخذ سلطان حسين على أمراء الميثاقومشيه على خليل سلطان وهم معه في الإيثاق

- ‌تبريز خليل من سمرقنده لملاقاة سلطانحسين بطوائف جنده، ورجوع سلطان حسين مما يرومه بخفي حنين

- ‌بقية ما جرى لبير محمد مما قصدهمن فرح وهم وكيف آل ذلك إلى وبال وحزن فنقص وما تم

- ‌ذكر مقابلة العساكر الخليليةجنود قندهار بصدق نية، وإلقائهم بهزيمتهم إياهم في شر بلية

- ‌ذكر خروج عسكر العراق على خليل سلطانومجاهرتهم بالخروج وقصدهم الأوطان

- ‌ذكر ما فعله بير محمد بعد انكسارهوما صنعه بعد وصوله إلى قندهاره

- ‌ذكر توجه بير محمد لمقابلة خليلسلطان ثاني كرة، وما حصل عليه في ذلك من كرة وفرة، وتوليته الدبر كما بدا

- ‌ذكر ما صنعه بير محمد من حيلةعادت عليه بأفكاره الوبيلة، لأن جدواها كانت قليلة

- ‌ذكر اعتراف بير محمد أنه ظلموطلبه الصلح وإلقائه السلم

- ‌ذكر مخالفة ونكد، وقعت بين بير علي وبير محمدأزاحت ثوب الحياة عنهما، وأراحت مخاليفهما منهما

- ‌ذكر حوادث الزمان في غيبة خليل سلطان

- ‌ذكر تجريد خليل سلطان الأجنادوتوجهه إلى شيخ نور الدين وخدايداد

- ‌ذكر إيقاد شيخ نور الدين وخدايداد، ناراً

- ‌للخليل ليحرقاه، فأطفأها الله تعالى ووقاه

- ‌ذكر مفارقة شيخ نور الدين خدايدادوتقاسمهما تلك البلاد

- ‌ذكر رجوع شيخ نور الدين إلى الاعتذاروالتنصل عند خليله مما كان منه وصار

- ‌ذكر مر

- ‌التي خربها جنكيز خان، وتجهيزه العساكر لهذا الشأن

- ‌ذكر ما فعله شاه رخ من جهة خراسانفي مقابلة ما فعله خليل سلطان

- ‌إشارة إلى ما حدث في أقاليم إيرانوما جرى من سيول الدماء عند نضوب ذلك الطوفان

- ‌ذكر خروج الناس من الحصروطلبهم أوطانهم مما وراء النهر

- ‌ذكر ما أثار الزمان الغدارمن دمار وبوار، ألقى به الخليل في النار

- ‌ذكر ما افتكره ألله داد، ودبرهفي مراسلة خدايداد

- ‌ذكر ما قصده خدايداد من الكيدووقوع خليل سلطان في قنص الصيد

- ‌ذكر ما جرى من الفساد بسمرقندعند قدوم خدايداد

- ‌ذكر بلوغ هذه الأمور شاه رخ بن تيموروتلافيه تلك الحوادث وحسمه مادة هذه العوابث

- ‌ذكر ما جرى بسمرقند بعد خروج الجنودالجندية وقبل وصول الشواهين الشاه رخية

- ‌ذكر بدور " بدور " الدولة الشاه رخيةفي سماء ممالك ما وراء النهر بعد غروب شمس النوبة الخليلية

- ‌ذكر ما قصده خدايداد من إتمام النكد والفسادوكيف آل ذلك إلى النكال إلى أن جرى عليه الوبال

- ‌تتمة ما جرى من خليل وخدايدادمن المعاقدات، وتأكيد العهود والمودات، إلى أن أدركهما هادم اللذات

- ‌ذكر عود خليل سلطان من ممالك أندكانوقصده عمه شاه رخ، ولعبه بالنفس مع ذلك البرخ

- ‌فصل

- ‌‌‌‌‌فصل

- ‌‌‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌‌‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌‌‌فصل

- ‌فصل

الفصل: ‌ابتداء ثوران ذلك القتام فيمايتعلق بممالك الشام

‌بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المؤلف

الحمد لله الذي على منوال إرادته تنسج مقاطع الأمور، ومن ينبوع قضائه إلى لجج قدره يجري تيار الأعصار والدهور أذاق بعض بني آدم بأس بعض ليبلوهم أيهم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور، وأرسل عليهم في القرن الثامن من الهجرة بحار فتن أقبلت كقطع الليل المظلم لم يدر أحد ما هي فإذا هي تمور أحمده حمد من كان على شفا جرف من نارها فأنقذه منها، وأشكره شكر من ورطه فيها عدله فأنجته أيادي فضله عنها وأشهد أن لا إله إلا الله الحكم العدل، الذي يقتص للمظلوم من الظالم يوم الفصل وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي أرسله رحمة للعالمين وجعله رسول

ص: 2

الله وخاتم النبيين، فأخبر صلى الله عليه وسلم عن السر المصون، ونبأ بما كان في الأزل وبما يكون إلى يوم يبعثون، واستعاذ من غلبة الدين وقهر الرجال، ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال صلى الله عليه صلاة تذكي المسك الأذفر في صدور الكتب والتواريخ، وتدني لقائلها في يوم الجزاء ثمرات الحسنات من أعلى الشماريخ وعلى آله وصحبه الذين أفاضوا سيول الفتح في الأقاليم فغمروها، وشيدوا أركان الإسلام وأثاروا الأرض بالإيمان، وعمروها بالعدل والإحسان أكثر مما عمروها وسلم تسليماً غزيراً دائماً أبداً كثيراً أما بعد فلما كان في التواريخ عبرة لمن اعتبر، وتنبيه لمن افتكر، وإعلام أن فاطن الدنيا على سفر، وإحضار لصورة حال من مضى وغبر، كيف قدر واقتدر، ونهى وأمر، وبنى وعمر، وختل وختر وغلب وقهر، وكسر وجبر، وجمع وادخر، وتكبر وفجر،، وكيف عبس وبسر، وضحك واستبشر، وتقلب في أطواره من الطفولية إلى الكبر، إلى أن قلبته أيدي العبر، واختطفته وهو آمن ما يكون مخاليب القضاء والقدر، فخالط

ص: 3

ما صفا من عيشه الكدر، وتنغص حتى ذهب عنه ما حلا ومر إن في ذلك لعبرة لمن اعتبر وتذكرة لمن ادكر وتبصرة لمن استبصر وكان من أعجب القضايا بل من أعظم البلايا، الفتنة التي يحار فيها اللبيب، ويدهش في دجى حندسها الفطن الأريب ويسفه فيها الحليم، ويذل فيها العزيز ويهان الكريم قضية تيمور، رأس الفساق، الأعرج الدجال الذي أقام الفتنة شرقاً وغرباً على ساق أقبلت الدنيا الدنية عليه فتولى وسعى في الأرض فأفسد فيها وأهلك الحرث والنسل وتيمم حين عمته النجاسة الحكمية صعيد الأرض، فغسل بسيف الطغيان كل أغر محجل فتحققت نجاسته بهذا الغسل أردت أن أذكر ما رأيته، وأقص في ذلك ما رويته إذ كانت إحدى الكبر وأم العبر والداهية التي لا يرضى القضاء في وصفها بذا القدر والله أسأل إلهام الصدق وسلوك طريق الحق إنه ولي الإجابة ومسدد سهم المرام إلى غرض الإصابة وهو حسبي ونعم الوكيل

‌فصل في ذكر نسبه وتدريج

استيلائه على الممالك وسببه

اسمه تيمور بتاء مكسورة مثناة فوق وياء ساكنة مثناة تحت وواو

ص: 4

ساكنة بين ميم مضمومة وراء مهملة هذه طريقة إملائه وفي التصريف زنة بنائه، لكن كرة الألفاظ الأعجمية إذا تداولها صولجان اللغة العربية خرطها في الدوران على بناء أوزانها، ودحرجها كيف شاء في ميدان لسانها، فقالوا في هذا تارة " تمور " وأخرى " تمرلنك " ولم يجر عليهم في ذلك حرج ولا ضنك وهو بالتركي الحديد ابن ترغاي بن أبغاي ومسقط رأس ذلك الغدار قرية تسمى خواجة إيلغار وهي من أعمال كش فأبعدها الله من حش وكش مدينة من مدن ما وراء النهر عن سمرقند بنحو من ثلث عشر شهر قيل رؤى ليلة ولد كأن شيئاً شبيه الخوذة تراءى طائراً في عنان الجو ثم سقط إلى فناء الدو ثم انبث على الأرض وانتشر وتطاير منه مثل الجمر والشرر، وتراكم حتى ملأ البدو والحضر وقيل لما سقط إلى الأرض ذلك السقيط كانت كفاه مملوءتين من الدم العبيط فسألوا عن أحواله الزواجر والقافة وتفحصوا عن تأويل ذلك من الكهنة وأهل العيافة فقال بعضهم يكون شرطياً وقال بعض ينشأ لصاً حرامياً، وقال قوم بل يكون قصاباً سفاكاً،

ص: 5

وقال آخرون بل يصير جلاداً بتاكاً وتظافرت هذه الأقوال، إلى أن آل أمره إلى ما آل، وكان هو وأبوه من الفدادين ومن طائفة أوشاب لا عقل لهم ولا دين، وقيل كان من الحشم الرحالة والأوباش البطالة، وكان ما وراء النهر مأواهم، وتلك الضواحي مشتاهم، وقيل كان أبوه إسكافاً فقيراً

جداً، وكان هو شاباً حديداً جلداً، ولكنه لما كان به من القلة يتجرم، وبسببه تلك الأصرام تتضرر وتتضرم ففي بعض الليالي سرق غنمة واحتملها فضربه الراعي في كتفه بسهم فأبطلها، وثنى عليه بأخرى في فخذه فأخطلها، فازداد كسراً على فقره، ولؤماً على شره، ورغبة في الفساد، وحنقاً على العباد والبلاد، وطلب له في ذلك الأضراب والنظراء، وعشا عن ذكر الرحمن فقيض له من الشياطين القرناء، مثل عباس وجاهنشعاه، وقماري وسليمان شاه، وأيدكو تيمور وجاكو وسيف الدين، نحو أربعين لا دنيا لهم ولا دين، وكان مع ضيق يده وقلة عدده وعدده، وضعف بدنه وحاله وعدم ماله ورجاله يذكر لهم أنه طالب الملك ومورد

ص: 6

ملوك الدنيا موارد الهلك، وهم في ذلك يتناقلون عنه هذا النقل وينسبونه إلى كثرة الحماقة وقلة العقل، ويدنونه منهم ويقبلون إليه ليسخروا منه ويضحكوا عليه

إن المقادير إذا ساعدت

ألحقت العاجز بالحازم

فشرع فيما يقصده والقضاء يرشده والقدر ينشده

لا يؤيسنك من مجد تباعده

فإن للمجد تدريجاً وترتيباً

إن القناة التي شاهدت رفعتها

تنمو فتنبت أنبوباً فأنبوبا

وكان في بلد كش شيخ يسمى شمس الدين الفاخوري، وهو معتقد تلك البلاد وعليه لكل من قصد شيئاً من أمر الدين والدنيا والاعتماد، فذكر أن تيمور وهو فقير عاجز بين عز موهوم وذل ناجز، لم يكن له سمى ثوب قطن وأنه باعه واشترى بثمنه رأس ماعز وقصد الشيخ المشار إليه وعول فيما قصده عليه، وقد ربط بطرف حبل عنق ذلك العناق وربق عنق نفسه بالطرف الآخر من ذلك الرباق

ص: 7

وجعل يتشحط على عصى من جريد حتى دخل على ذلك الشيخ المفيد فصادفه هو والفقراء مشغولين بالذكر مستغرقين فيما هم فيه من الوجد والفكر، فلا زال قائماً حتى أفاقوا من حالهم وسكتوا عن قالهم فلما وقع نظر الشيخ عليه سارع إلى تقبيل يديه، وأكب على رجليه، فتفكر الشيخ ساعة، ثم رفع رأسه إلى الجماعة وقال كأن هذا الرجل بذل عرضه وعروضه واستمدنا في طلب مالا يساوي عند الله تعالى جناح بعوضة، فنرى أن نمده ولا نحرمه ولا نرده فأمدوه بالدعاء إسعافاً لما طلبه فأشبهت قصته قضية ثعلبة ورجع من عند الشيخ وخرج، وعرج بعدما عرج إلى ما عرج وقيل إنه كان في بعض تجرماته فضل الطريق صورة، كما ضلها معنى وسيرة، وكاد يهلك عطشاً وجوعاً، وسار على ذلك أسبوعاً فوقع في أثناء ذلك على خيل السلطان فتلقاه الجشاري باللطف والإحسان وكان تيمور ممن يعرف خصائص الخيل بسماتها ويفرق بين هجانها وهجينها بمجرد النظر إلى هيآتها، فأطلع الجشاري على ذلك منه وأخذ علم ذلك عنه وزاد فيه رغبة، وطلب منه

ص: 8

دوام الصحبة وجهزه إلى السلطان مع أفراس له طلبها منه وأخبره بفضيلته وما شاهده عنه فأنعم السلطان عليه ووصى به الجشاري ورده إليه، فلم ينشب الجشاري أن مات فتولى تيمور وظيفته ولا يزال يترقى عند السلطان حتى تزوج شقيقته ثم أن غاضبها في بعض مكافحاته ومقاله فعيرته بما كان عليه من أول أمره وحاله فسل السيف ونحاها على أنها تفر من بين يديه فلم تكترث به ولم تلتفت إليه فضربها ضربة أزهق بها نفسها وأسكنها رمسها ثم لم يسعه إلا الخروج والعصيان والتمرد والطغيان إلى أن كان من أمره ما كان وكان السلطان اسمه حسين، وهو من بيت الملك ونافذ الكلمتين، وتخت ملكه مدينة بلخ وهي من أقصى بلاد خراسان، ولكن كانت بحار أوامره جارية في ممالك ما وراء النهر إلى أطراف تركستان وقيل كان أبوه أمير مائة عند السلطان المذكور، وهو بالجلادة والشهامة بين أضرابه مشهور ويمكن الجمع بين هذه الأقاويل باعتبار اختلاف الزمان وتنقل الأحوال والحدثان والأصح أن أباه ترغاي المذكور كان

ص: 9

أحد أركان دولة السلطان ورأيت في ذلك تاريخ فارسي يدعى " المنتخب " وهو من بدء الدنيا إلى زمان تيمور وهو شيء عجب، نسباً يتصل منه تيمور إلى جنكيز خان من جهة النساء حبائل الشيطان ولما استولى تيمور على ما وراء النهر وفاق الأقران، تزوج بنات الملوك فزادوه في ألقابه كوركان، وهو بلغة الموغول الختن لكونه صاهر الملوك وصار له في بيتهم حركة وسكن وكان للسلطان المذكور من الوزراء أربعة عليهم مدار المضرة والمنفعة هم أعيان الممالك، وبرأيهم يقتدي السالك

والترك لهم قبائل وشعب، تكاد توازي قبائل العرب، وكل واحد من هؤلاء الوزراء كان من قبيلة لسراج آرائه في بيوت تعميرها فتيلة طويلة، قبيلة أحدهم تسمى ارلات، وقبيلة الثاني تدعى جلائر، وقبيلة الثالث يقال لها قاوجين، وقبيلة الرابع اسمها برلاس، وكان تيمور ابن رابعهم في الناس فنشأ شاباً لبيباً، مصراعاً هماماً حازماً؟ جلداً أريباً، وكان يصاحب نظراءه من أولاد الوزراء ويعاشر أضرابه من فتيان الأمراء، إلى أن قال لهم في بعض الليالي وقد اجتمعوا

ص: 10

في مكان خال وأخذت منهم العشرة والنشاط وارتفعت أستار الأسرار وامتد للبسط بساط أن جدتي فلانة وكانت من ذوي العيافة والكهانة رأت مناماً ما ذاقت منه أحلاماً وعبرته بأنه يظهر لها من الأولاد والأحفاد من يدوخ البلاد ويملك العباد ويكون صاحب القران ويذل له ملوك الزمان، وذاك هو أنا وقد قرب الوقت ودنا، فعاهدوني أن تكونوا لي ظهراً وعضداً وجناحاً ويداً وأن لا تستحيلوا عني أبداً، فأجابوه إلى ما دعاهم إليه وتقاسموا أن يكونوا في السراء والضراء معه لا عليه، ولم يزالوا يتجاذبون أطراف هذا الكلام في كل مقام ويتفاوضون فيض غدير هذا الغدر من غير احتشام واكتتام حتى آنس برقه قاطن كل مصر وشام وخاض في حديثه كل قديم هجره من خاص وعام وشعر به السلطان وعلم أن خلافه في دوح المملكة بان فأراد أن يرد كيده في نحره ويريح الدنيا من شره والعباد والبلاد من عاره وعره ويعمل بموجب ما قيل

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى

حتى يراق على جوانبه الدم

ص: 11

فأخبره بذلك بعض الناصحين فخرج وهوى إلى حضيض العصيان وهو سالم فعرج ويمكن أنه في بعض هذه الأوقات وأثناء هذه الحالات توجه إلى الشيخ شمس الدين المشار إليه واستمده كما ذكر فيما عول عليه فإنه كان يقول جميع ما نلته من السلطنة وفتحته من مستغلقات الأمكنة، إنما كان بدعوة الشيخ شمس الدين الفاخوري وهمة الشيخ زين الدين الخوافي، وما لقيت بركة إلا بالسيد بركة وسيأتي ذكر زين الدين وبركة ثم قال تيمور ما فتحت أبواب السعادة والدولة علي ولا ضحكت عروس فتوحات الدنيا إلا من سهام سجستان ومن حين أصابني ذلك النقصان أنا في ازدياد إلى هذا الأوان والظاهر أن بدو أمره وخروجه في تلك الفئة كان فيما بين الستين والسبعين والسبعمائة وقال لي شيخي الإمام العالم العامل الكامل المكمل الفاضل فريد الدهر وحيد العصر علامة الورى أستاذ الدنيا علاء الدين شيخ المحققين والمدققين قطب الزمان مرشد الدوران أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد البخاري نزيل دمشق أدام الله تعالى أيام حياته، وأمد الإسلام والمسلمي

ص: 12

ن بميامن بركاته في شهور سنة ست وثلاثين وثمانمائة أن تيمور قتل السلطان حسيناً المذكور في شعبان سنة إحدى وسبعين سبعمائة ومن ذلك الوقت استقل بالملك وكانت وفاته في شعبان سنة سبع وثمانمائة على ما سيأتي فمدة استيلائه مستقلاً ست وثلاثون سنة وذلك خارجاً عن مدة خروجه وتجرمه إلى حين استيلائه ولما خرج صار هو ورفقاؤه، يتجرمون في بلاد ما وراء النهر ويعاملون الناس بالعدوان والقهر فتحرك لدفعهم كل ظاعن وساكن وضيقوا عليهم تلك المغاني والأماكن فقطعوا جيحون وصفر منهم ذلك المكان فاشتغلوا بالتجرم في بلاد خراسان، خصوصاً في ضواحي سجستان ولا تسأل عما أفسد في فدافد خراسان ومفاوز باورد وماخان فذهب بعض الليالي وقد أضر بهم السغب واشتعل فيهم من الجوع اللهب فدخل حائطاً من حوائط سجستان قد أوى إليه بعض رعاء الضأن، فاحتمل منها رأساً وأدبر فشعر به الراعي وأبصر فأتبعه للحين للحين وضربه بسهمين أصاب بأحدهما فخذه وبالآخر كتفه فلله دره ساعدا إذ أبطل بهذا الضرب الموزون نصفه ثم أدركه واحتمله، وإلى سلطان هراة المسمى بملك

ص: 13

حسين أوصله فبعد ضربه أمر بصلبه، وكان للسلطان ابن رأيه غير متين يدعى ملك غياث الدين، فشفع فيه واستوهبه من أبيه فقال له أبوه إنه لم يصدر عنك ما يدل على صلاحك ويسفر عن نجابتك وفلاحك، وهذا جغتائي حرامي مادة الفساد لئن أبقى ليهلكن العباد والبلاد

فقال ابنه وما عسى أن يصدر من نصف آدمي وقد أصيب بالدواهي ورمى، ولا شك أن أجله قد اقترب فلا تكونن في موته السبب، فوهبه إياه فوكل به من داواه إلى أن اندمل جرحه وبرئ قرحه، فكان في خدمة ابن سلطان هراة من أعقل الخدم وأضبط الكفاة، فتوفرت عنده حرمته وارتفعت درجته وسمعت كلمته، فعصى من نواب السلطان نائبه المتولي على سجستان، فاستدعى تيمور أن يتوجه إليه فأجابه إلى ذلك وعول عليه وأضاف إليه طائفة من الأعوان، فوصل إلى سجستان وقبض على نائبها المتمادي في العصيان واستخلص أموال تلك البلاد، وأخذ من أطاعه من الأجناد، وتلا آية العصيان بالجهر، وارتحل بمن معه إلى ما وراء النهر وقيل

ص: 14

بل كان في خدمة ابن السلطان إلى أن ودع أبوه الحياة وانتقل، واستقر ولده في الملك واستقل فعند ذلك هرب تيمور إلى ما وراء النهر وقد قوي منه الرأس والظهر وكان إذ ذاك قد اجتمع عليه رفقاؤه وانحاز إليه أصحابه المتجرمون وعشراؤه فأرسل غياث الدين الطلب وراءهم وقصد أن يكفي المسلمين شرهم وعناءهم وهيهات فقد كان سبق العذل السيف وضيع اللبن في الصيف

‌ذكر عبوره جيحون على فترة

وما أجرى من عبرات بهذه العبرة

فوصل تيمور وجماعته إلى جيحون وكان إذ ذاك مثلهم طاغياً ولم يمكنهم التواني لأن الطلب كان شبيههم باغياً فقال تيمور لأصحابه النجاء النجاء ليتعلق كل منكم بعنان فرسه ومعرفته وليلق نفسه في الماء وتواعدوا إلى مكان، وقال توجهوا من غير توان فمن لم يأت الموعد يعلم أنه قد فقد فتهافتوا هم وخيولهم في ذلك الماء العجاج والتيار الزخار والأمواج تهافت الفراش على السراج ولم يعلم واحد منهم حال الآخر، ولا اطلع من تقدم منهم على أمر

ص: 15

من تأخر، وكابدوا أحوال الموت وشاهدوا أهوال الفوت، فنجوا ولم ينقص منهم واحد، واجتمعوا إلى ذلك الموعد، وذلك بعد أن أمنت منهم البلاد، واطمأن في مسالكها كل رائح وغاد، فجعلوا يتجسسون الأخبار، ويتتبعون الآثار، ويحاربون الله ورسوله، ويؤذون عباده ويقطعون سبيله، ولم يزل على ذلك يجري ويمشي إلى أن وصل مدينة قرشي

‌ذكر ما جرى من خبطه في دخوله إلى قرشي

وخلاصه من تلك الورطة

فقال يوماً لأصحابه، وقد أضر به الدهر وأضرى به، وأخصب منهم ربع الفساد وأعشب أن بالقرب منا مدينة نخشب مدينة أبي تراب النخشبي رحمة الله عليه، مدينة مصونة، مسورة مكنونة لئن ظفرنا بها لتكونن لنا ظهراً وملاذاً وملجأ ومعاذا، وإن حاكمها موسى لو حصلناه وأخذنا ماله وقتلناه، لتقوينا بما له من خيول وعدة، ولحصل لنا الفرج بعد الشدة، وأنا أعلم لها من ممر الماء درباً هين الوصول واسعاً رحباً فشمروا ذيلهم وتركوا في مكان خيلهم واستعملوا في نيل مرادهم ليلهم ودخلوا حبس

ص: 16

المدينة وقصدوا بيت الأمير، ورفعوا أيديهم فصادفوا يدهم والحصير وكان الأمير في البستان خارج البلد، فأخذوا ما وجدوا له من أسلحة وعدد وركبوا خيله، وقتلوا من وجدوا من الأكابر غيلة، فاجتمع عليهم أهل البلد وأرسلوا إلى الأمير فأدركهم بالمدد، فتراكم عليهم البلاء باطناً وظاهراً فلم يجدوا لهم سوى الاستسلام ناصرا فقال له أصحابه لقد ألقينا بأنفسنا إلى حقيقة الهلاك من هذا المجاز فقال لا عليكم ففي مثل هذه المواطن يمتحن الرجل ويراز، فأجمعوا كيدكم ثم إئتوا صفاً واندفعوا نحو باب المدينة يداً واحدة زحفاً، حاطمين على العدو، من غير توان ولا هدو، فإني أظن أنه لا يثبت لكم شيء، ولا يقف أمامكم حي، فامتثلوا أمره ورفعوا الصوت، وقصدوا الباب خائضين غمار الموت، وهجموا على العساكر هجوم الليث واندفقوا ولا اندفاق الغيث، ففتح لهم عند فتح الباب، لأمر يريده مسبب الأسباب فلم يلو أمامهم أحد على أحد ولا نفعه ما هو فيه من العدد والعدد ثم انثنوا إلى مكانهم سالمين ولم يزالوا على ذلك عائثين عابثين

ص: 17

واجتمع عليهم أصحابهم، وانحاز إليهم في الفساد أضرابهم، فصاروا نحو من ثلاثمائة، ولمن يتحيز إليهم من أهل الشر فئة فأرسل السلطان إليهم عسكراً غير مكترث بهم فكسروه، واستولوا على حصن من الحصون فجعلوه معقلاً لكل ما ادخروه

قلت لا تحقرن شأن العدو وكيده

فلربما صرع الأسود الثعلب

وقيل إن البعوضة تدمي مقلة الأسد وقيل ولربما قمرت بالبيدق الشاه

‌ذكر من استرقه ذلك الجاف واستعبده

من أحرار ملوك الأطراف

وأرسل تيمور إلى ولاة بلخشان، وكانت الولاية بها لأخوين وهما بها مستقلان تلقيا ذلك عن أبيهما وكان السلطان نزعها من أيديهما ثم أقرهما فيه على أن يكونا من تحت أمره، واسترهن أولادهما عنده، فصارا أسيري قهره، فلما راسلهما تيمور على طاعته أجاباه ودخلا تحت كلمته

‌ذكر نهوض المغل على السلطان

وكيف تضعضعت منه الأركان

ثم إن الموغول نهضت من جهة " الشرق " على السلطان حسن فاستعد لهم

ص: 18

وقطع جيحون، ووقع الحرب بين الجهتين، فانكسر السلطان فراسلهم أيضاً ذلك الجان واسم حاكمهم قمر الدين خان فأجابوه مراده واقتفوا ما أراده وسلطوه على السلطان ليستخلص من يده البلاد وواعدوه بمصاهرتهم وأمدوه بمظاهرتهم ورجعوا إلى بلادهم وقد أسلموه زمام قيادهم، فقويت بذلك شوكته وسكنت القلوب هيبته فلم يسع السلطان إلى بذل الجهد والامكان في إطفاء ثائرته وقطع دابرته فجعله نصب عينيه وتوجه بنفسه إليه، بعسكر جرار كالبحر الزخار حتى انتهى إلى مكان يسمى قاغلغا وهو صدفان بينهما مضيق هو الجادة العظمى والطريق، يسير المار في ذلك مقدار ساعة وفي وسط الدرب باب إذا أغلق وأحمى فلا شيء مثله في المناعة، وحواليه جبال كل منها عرنينه قد شمخ وقدمه قد غاص ثبوتاً ورسخ فصح أن يقال فيه أنف في السماء واست في الماء فأخذ العسكر فم ذلك الدربند من جهة سمرقند وتيمور على الجانب الآخر وهو كالمضايق والمحاصر

ص: 19

‌ذكر الحيلة التي صنعها

والخديعة التي ابتدعها

فقال تيمور لأصحابه إني أعرف هنا جادة خفية مسالكها أبية لا تطؤها الخطا ولا يهتدي إليها القطا، فهلم نسري ليلنا ونقود في المسرى خيلنا فنصبحهم من ورائهم وهم آمنون، فإن أدركناهم ليلاً فنحن الفائزون فأجابوه إلى ذلك وشرعوا في قطع تلك الوعور والمسالك، وساروا ليلهم أجمع وبلغ الفجر المطلع فأدركهم الصباح ولم يدركوا الجيش، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت وتنكد لهم العيش ولم يمكنهم الرجوع وأذنت الشمس بالطلوع، فوصلوا إلى العسكر وقد أخذ في التحميل وعزم على الرحيل فقال أصحابه بئس الرأي فعلنا في قبضة العدو حصلنا، لقد وقعنا في الأشراك وألقينا بأيدينا أنفسنا إلى الهلاك فقال تيمور لا ضرر، توجهوا نحو العسكر وانزلوا بمرأى منهم على خيلكم واتركوها ترعى، واقضوا من ورد النوم والراحة ما فاتكم في ليلكم، فتراموا عن خيلهم كأنهم صرعى وتركوا خيولهم ترعى

وإذا السلامة أحرستك عيونها

نم في المخاوف كلهن أمان

ص: 20

واصطد بها العنقاء فهي حبائل

واقتد بها الجوزاء فهي عنان

فجعل العسكر يمر بهم ويخال أنه منم حزبهم حتى إذا استراحوا ركبوا خيولهم وصاحوا ووضعوا السيف في أعدائهم راكبين أكتافهم من ورائهم، فقتلوهم قتلاً ذريعاً وغادروهم جريحاً وصريعاً، وعم الخطب المدلهم ولم يعلم أحد البلاء كيف دهم واتصل الخبر بالسلطان وقد خرج التلافي عن حيز الإمكان، فهرب إلى بلخ وقد سلخ من المملكة إي سلخ وشرع تيمور في النهب والغارات والسلب ثم ضبط الأثقال وجمع الأموال ولم رعاع الناس والمداره وأطاعوه وهم ما بين راض وكاره واستولى على ممالك ما وراء النهر وتسلط على العباد بالغلبة والقهر، وأخذ في ترتيب الجنود والعساكر واستخلاص الحصون والدساكر وكان نائب سمرقند وأحد الأركان شخصاً يدعى علي شير من جهة السلطان، فكاتبه تيمور على أن تكون الممالك بينهما نصفين ويكون معه على السلطان حسين فرضي علي شير بذلك وقاسمه الولايات والممالك، وتوجه إليه وتمثل بين يديه، فزاد في إكرامه

ص: 21

وبالغ في احترامه

‌ذكر توجهه إلى بلخشان

واستنصاره بمن فيها على السلطان

ثم إنه ترك على شير بعدما ركن إليه وقصد بلخشان، فاستقبله ملكاها وتمثلا بين يديه وأتحفاه بالهدايا والخدم وأمداه بالجيوش والحشم، فسار وهما معه من بلخشان قاصدين بلخ لمحاربة السلطان، فتحصن منهم، فأحاطوا به من كل مكان، فأخرج أولادهما الذين كانوا عنده في الرهان فضرب أعناقهم بمرأى من أبويهم، ولم يرق لهم ولا من عليهم

ثم إنه ضعف حاله وقل عنه خيله ورجاله، فنزل مستسلماً للقضاء والقدر راضياً بما ذهب في قضاء الله بما حلا ومر، فقبض عليه تيمور وضبط الأمور ثم رد أميري بلخشان إليها مكرمين وتوجه إلى سمرقند ومعه السلطان حسين وذلك في شعبان سنة إحدى وسبعين، بعدما خلا من الهجرة سبعمائة سنين ووصل إلى سمرقند واتخذها دار ملكه، وشرع في تمهيد قواعد الملك ونظمها في نطام سياسته وسلكه، ثم إنه قتل السلطان وأقام من جهته شخصاً يدعى سيورغاتمش من

ص: 22

ذرية جنكيز خان وقبيلة جنكيز خان هم المتفردون باسم الخان والسلطان لأنهم قريش الترك، لا يقدر أحد أن يتقدم عليهم ولا تمكن أحد من انتزاع ذلك الشرف من يديهم ولو قدر أحد على ذلك لكان تيمور الذي استخلص الممالك وسلك المسالك فرفع سيورغاتمش دفعاً للمطاعن وقطعاً للسان سنا كل طاعن وإنما لقب تيمور الأمير الكبير، وإن كان في أسره كل آمر منهم ومأمور والخان في أسره كالحمار في الطين وشبيه الخلفاء بالنسبة في هذا الزمان إلى السلاطين واستمر علي شير نائباً في سمرقند فكان يكرمه ويستشيره في أموره ويقدمه

‌ذكر وثوب توقتاميش خان سلطان

الدشت وتركستان

ثم إن توقتاميش خان سلطان الدشت والتتار لما رأى ما جرى بين تيمور والسلطان حسين فار دم قلبه وغار، وذلك لعله النسب والجوار وهيأ العسكر الجرار والجيش الزخار وتوجه إلى مصاف تيمور من جهة سغناق وانزار، فخرج إليه تيمور من سمرقند، وتلاقيا بأطراف تركستان قريباً من نهر خجند وهو نهر سيحون وسمرقند

ص: 23

بين نهري سيحون وجيحون فقامت بين العسكرين سوق المحاربة ولم ينفق بينهم سوى معاملات المضاربة، ولا زالت رحى الحرب تدور إلى أن انطحن عسكر تيمور، فبينا عسكره قد فل وعقد جنوده انحل وإذا برجل يقال له السيد بركة قد أقبل فقال له تيمور وهو في غاية الضرر يا سيدي السيد جيشي انكسر، فقال له السيد لا تخف ثم نزل السيد عن فرسه ووقف وأخذ كفا من الحصباء وركب فرسه الشهباء ونفخها في وجه عدوهم المردي وصاح بقوله " ياغي قاجدي " فصرخ بها تيمور تابعاً ذلك الشيخ النجدي وكان عباسي الصوت فكأنه دعى الإبل الظمأى بجوت جوت فعطفت عساكره عطفة البقر على أولادها، وأخذت في المجالدة مع أضدادها وأندادها ولم يبق في عسكره من جذع ولا قارح إلا وهو بقوله " ياغي قاجدي " صائح، ثم إنهم كروا كرة واحدة بهمة متعاقدة ونهمة متعاضدة فرجع جيش توقتاميش منهزمين وولوا على أعقابهم مدبرين، فوضع عسكر تيمور فيهم السيوف وسقوهم بهذا الفتوح كاسات الحتوف وغنموا الأموال والمواشي وأسروا أوساط الرؤوس والحواشي

ص: 24

ثم رجع تيمور إلى سمرقند وقد ضبط أمور تركستان وبلاد نهر خجند وعظم لديه السيد بركة وحكمه في جميع ما استولى عليه وملكه وهذا السيد اختلف القول فيه فمن قائل إنه كان مغربياً بمصر حجاما فذهب إلى سمرقند وتسيد بها وعلا قدره وتسامى، ومن قائل أنه كان من أهل المدينة الشريفة، ومنهم من يقول إنه من أهل مكة المنيفة، وعلى كل حال فإنه كان من أكبر الأعيان في بلاد ما وراء النهر وخراسان، ولا سيما وقد أمد تيمور بهذه النجدة وخلصه بهذه اللطيفة المصادفة للقضاء والقدر في هذه الشدة، فقال تيمور تمن علي واحتكم لدي، فقال له يا مولانا الأمير إن أوقاف الحرمين الشريفين في الأقاليم كثير ومن جملة ذلك " اندخوى " من ممالك خراسان، وأنا وأولادي من جملة مستحقي ذلك الإحسان وإذا أقيم أصل ذلك وخصمه وعلم قضمه وخضمه وضبطت أوقافه ومصارف ذلك وصرافه، ما كانت حصتي وحصة أولادي أقل من هذه القصبة في هذا الوادي فاقطعني إياها، فأقطعه إياها مع مضافاتها وأعمالها وقراها، وهي إلى الآن في يد أولاده

ص: 25

وأسباطه وأحفاده

‌ذكر علي شير مع تيمور وما وقع بينهما

من المخالفة والشرور

ثم إن تيمور وقع بينه وبين علي شير مخالفة، وانحاز إلى كل منهما طائفة فاغتاله تيمور وختله، ثم قبض عليه وقتله، فصفت الولايات والممالك لتيمور بعض الصفا، وهرول إلى طاعته من الناس كل وجه ورأس كانافي التأبي وقفا

‌ذكر ما جرى لدعار سمرقند والشطار مع تيمور

وكيف أحلهم دار البوار

وكان في سمرقند طائفة من الدعار كثيرون وهم أنواع، فمنهم مصارعون ومنافقون وملاكمون ومعالجون، وهم فيها بينهم فرقتان كالقيس واليمن والعداوة والمقاتلة بينهم قائمة على مر الزمن، ولكل طائفة منها رؤس وظهور وأعضا وضروس وكان تيمور مع أبهته يخافهم لما كان يظهر له عنادهم وخلافهم فكان إذا قصد جانبا أقام له في سمرقند نائبا فإذا بعد عن المدينة خرج من تلك الجماعة طائفة فخلعوا النائب أو خرجوا مع النائب وأظهروا المخالفة فما يرجع تيمور إلا وقد انفرط نظامه

ص: 26

وتخبطت أموره وتشوش مقامه فيحتاج إلى تجديد تمهيد وتخريب وتشييد فيقتل ويعزل ويعطي ويجزل ثم يتوجه لتمهيد ممالكه وتوطيد مسالكه فيعودون إلى عكرهم ويثوبون إلى خلتهم ومكرهم، وتكررت هذه القضية نحواً من تسع مرار فضاق تيمور ذرعاً بالأشرار والدعار فأعمل الحيلة في اغتيالهم، وكف أذاهم واستئصالهم، فصنع سورا ودعا إليه الخلائق كبيرا وصغيرا وصنف الناس أصنافاً، وجعل كل ذي عمل إلى عامله مضافا وميز أولئك الدعار مع رؤسائهم على حدة، وفعل معهم ما فعله أنوشروان بن كيقباد بالملاحدة، وأرصد له في أحد الأطراف أنصارا وقرر معهم أن كل من أرسله إليهم يولونه دمارا، ويكون إرساله إليهم على قتله شعارا، ثم إنه جعل يدعو رؤس الناس ويسقيهم بيده الكاس ويخلع عليهم أفخر اللباس، وإذا أفضت النوبة من أولئك الدعار إلى أحد سقاه كأسه وخلع عليه وأشار أن يتوجه به إلى نحو الرصد، فإذا وصل إليهم خلعوا عنه خلعته بل وثوب الحياة فهتكوه وسكبوا عسجد قالبه في بوتقة الفناء فسبكوه

ص: 27

إلى أن أتى على آخرهم واستوفى بذلك قطع دابرهم، ومحا آثارهم، وأطفأ نارهم، فصفت له المشارع وخلا ملكه من مجاذب ومنازع ولم يبق له فيما وراء النهر ممانع ولا مدافع

‌‌

‌فصل

في تفصيل ممالك سمرقند

‌وما بين نهري بلخشان وخجند

فمن ذلك سمرقند وولاياتها وهي سبعة تومانات واندكان وجهاتها وهي تسعة تومانات والتومان عبارة عما يخرج عشرة آلاف مقاتل وفيما وراء النهر من المدن المشهورة والأماكن المعتبرة المذكورة سمرقند ومسورها قديماً على ما زعموا اثنا عشر فرسخاً وكان ذلك على عهد السلطان جلال الدين قبل جنكيز خان ورأيت حد مسورها من جهة الغرب قصبة بناها تيمور وسماها دمشق ومسافتها عن سمرقند نحو من نصف يوم والناس إلى الآن يحفرون سمرقند العتيقة ويخرجون دراهم وفلوساً سكتها بالخط الكوفي فيسبكون الفلوس ويخرجون منها فضة ومن مدن ما وراء النهر مرغينان وهي التخت التي كانت قديما وبها كان إيلك حان ومنها خرج الشيخ الجليل العلامة برهان الدين المرغيناني

ص: 28

صاحب الهداية رحمه الله، وخنجند وهي على ساحل سيحون، وترمذ وهي على ساحل جيحون ونخشب وهي قرشي المذكورة، وكش، وبخارى وأندكان وهي أماكن مشهورة وغير ذلك ومن الولايات بلخشان، وممالك خوارزم، وإقليم صغانيان، إلى غير ذلك من الأطراف الواسعة والأكناف الشاسعة وفي عرفهم ما وراء النهر إلى جهة الشرق توران وما كان في هذا الطرف إلى جهة الغرب إيران ولما اقتسم كيكاوس وافراسياب البلاد كانت توران لافراسياب، وإيران لكيكاوس بن كيقباد، وعراق هو معرب إيران

فصل

في " ذكر ابتداء ما فعله من التسلط بالقهر بعد استصفائه ممالك ما وراء النهر ولما صفت له ممالك ما وراء النهر وذلت لأوامره جوامح الدهر، شرع في استخلاص البلاد واسترقاق العباد وجعل ينسج بأنامل الحيل الأشراك، والأوهاق، ليصطاد بذلك ملوك الأقاليم وسلاطين الآفاق فأول من صاهر المغول وصافاهم وهادنهم وهاداهم وتزوج ببنت قمر الدين ملكهم، وصار آمناً من تبعتهم ودركهم، وهم جيرانه من جهة الشرق ولا تباين بينه وبينهم ولا فرق،

ص: 29

إذ العلة وهي الجنسية والمصاهرة والمجاورة حاصلة للجهتين، والملة هي التوراة الجنكيز خانية ممشاة في كلتا الدولتين، فأمن شرهم وكفي كيدهم وضرهم

‌ذكر تصميمه العزم وقصده جمع الأطراف

وأولاً ممالك خوارزم

فحين أمن مكرهم وسد بالمصالحة ثغرهم صمم العزم على التوجه إلى ممالك خوارزم وهم مجاوره غرباً بشام ومباينوه بتمشية قواعد الإسلام وتختهم مدينة جرجان وهي من أعظم البلدان وهذه المملكة ذات مدن عظيمة وولايات جسيمة، تختها مجمع الفضلاء ومحط رحال العلماء ومقر الظرفاء والشعراء ومورد الأدباء والكبراء ومعدن جبال الاعتزال وينبوع بحار أهل التحقيق من أرباب الهدى والضلال، نعمها كثيرة وخيراتها غزيرة، ووجوه فضائلها مستنيرة، واسم سلطانها حسين صوفي وهو من الاعتقادات الباطلة قد عوفي، ومدن ما وراء النهر وضع بعضها قريب من بعض لأنها كلها مبنية باللبن والآجر على الأرض وأهل خوارزم كأهل سمرقند في اللطافة وأفضل من أهل سمرقند

ص: 30

في الحشمة والظرافة يتعانون المشاعرة والأدب، ولهم في فنون الفضل، والمحاسن أشياء عجب، خصوصاً في معرفة الموسيقى والأنغام، ويشترك في ذلك منهم الخاص والعام، ومما هو مشهور عنهم أن الطفل في المهد منهم إذا بكى أو قال آه فإن ذلك يكون في شعبة دوكاه فلما وصل تيمور إلى خوارزم كان حسين صوفي غائباً عنها، فنهب حواليها وما وصلت يده إليه منها ولم يقدر عليها، فلم يكترث بها ولا التفت إليها، ثم لم أطراف حاشيته وعاد إلى مملكته

‌ذكر عوده ثانياً إلى خوارزم

ثم إنه شد حزام الحزم وكر ثانياً إلى خوارزم باستعداد تام وجيش طام وكان سلطانها أيضاً غائبا وأقام لجميلة بكرها خاطبا، فحاصرها وضاجرها وشدد على أعناق مسالكها التلابيب وكاد أن يتشبث بأذيالها منه المخاليب فخرج إليه رجل من أعيانها وكان تاجرا وله قدم صدق عند سلطانها يقال له حسن سوريج، والتمس أن يرفع عنهم ذلك الأمر المريج وأن يبذل له

ص: 31

ما طلب في مقابلة ما يريد من أسر وسلب فطلب منه حمل مائتي بغل فضة، ترفع إلى خزائنه نضة فلم يزل يراجعه ويلاطفه ويمانعه حتى صالحه على ربع سؤاله وأقام المصالح بذلك من ماله وصلب حاله، ووزن له ذلك في الحال وأخذ تيمور في الترحال وكف عن الأذى شياطين جنده وعزم على التوجه إلى سمرقنده

‌ذكر مراسلته ملك غياث الدين سلطان

هراة الذي خلصه من الصلب وراود فيه أباه

ثم إنه راسل سلطان هراة ملك غياث الدين الذي كان مغيثه عملاً بقوله كتب الله على كل نفس خبيثة وطلب منه الدخول في ربقة الطاعة وحمل الخدم والتقادم إليه بحسب الاستطاعة وإلا قصد دياره وبلغه دماره فأرسل ملك غياث الدين يقول صحبة الرسول أما كنت خادماً لي وأحسنت إليك وأسبلت ذيل إحساني ونعمتي عليك؟ فختلت وقتلت وفتكت وفتلت وفعلت فعلتك التي فعلت، وذلك بعد أن نجيتك من الضرب والصلب، فإن لم تكن إنساناً تعرف الإحسان فكن كالكلب فعبر جيحون وتوجه إليه فلم يكن لغياث

ص: 32

الدين قوة الوقوف بين يديه، فأرسل إلى حشمه وسكان قراه فاجتمعوا هم ومواشيهم حول هراة وحفر خندقاً حول البساتين، محيطاً بالرعاع وضعفة المساكين، وحصر نفسه في القلعة، وحسب أن يكون له بذلك منعة، وذلك لركاكة رأيه أولا وآخراً وجمود قريحته وقلة عقله وانعكاس فكره ودولته قلت

من لم يصادف سعده تقديره

يخطفه في تدبيره تدميره

فلم يكترث تيمور له بقتال وحصار، ولكن أحاطت به العساكر دائراً ما دار ومكث تيمور في الأمن والدعة، وعدوه في الضيق بعد السعة، فاضطربت الرؤوس والحواشي ومارت الأنعام والمواشي، وغص البلد بالزحام، وهلكت الخواص والعوام، وأضناهم " الوصب وأنضاهم " السغب وعلاهم الصراخ والصخب فأرسل إليه السلطان يطلب منه الأمان وعلم أنه اختنق بسببه وأنه أعانه أولاً فبلي به فذكره سابقة العرفان وما أسداه إليه من إحسان، وطلب منه تأكيد الأمان بالأيمان فحلف له تيمور فحلف له تيمور أنه يحفظ له الذمام القديم وأن لا يراق له دم ولا يمزق له أديم فخرج إليه ودخل عليه وتمثل بين

ص: 33

يديه فدخل تيمور إلى المدينة وصعد إلى قلعتها الحصينة وصحبته السلطان، وقد أحاطت به جنود هراة والأعوان فأشار واحد من أبطال صاحب هراة على السلطان أن يقتل تيمور ويجعل نفسه فداه وقال له ما معناه أنا أفدي المسلمين بنفسي ومالي وأقتل هذا الأعرج ولا أبالي، فلم يجبه إلى إشارته واستسلم لقضاء الله تعالى وإرادته وقال إن لله تعالى تصريفاً في عباده ولا بد أن ينفذ فيهم سهم مراده ولا مفر من القضا ولا محيد عما قدر الله وقضى

وإذا أتاك من الأمور مقدر

وفررت منه فنحوه تتوجه

وهذا سر لا بد من ظهوره فلا تبحث عن حقيقة أموره فمن غالب القضاء غلب ومن ناهب الزمان سلب، ومن قاوى تيار المقدور غرق ومن استلذ بالغفلة في مشارب اللهو شرق، وذكر عند ذلك الوقت مقالة أبيه له واطلع على تحقيقه ولكن السهم خرج فما أمكن رده إلى فوقه

‌ذكر اجتماع ذلك الجافي بالشيخ

زين الدين أبي بكر الخوافي وكان في بعض قدماته خراسان سمع أن في قصبة خواف رجلاً قد

ص: 34

منحه الله تعالى الألطاف، عالماً عاملا كبيراً، فاضلا ذا كرامات ظاهرة وولايات باهرة وكلمات زاهرة ومقاومات طاهرة ومكاشفات صادقة ومعاملات مع الله تعالى بالصدق ناطقة، يدعى الشيخ زين الدين أبا بكر، الطائر اجتهاده في حظيرة القدس أعلى وكر فقصد تيمور رؤيته وتوجه إليه وجماعته فقالوا للشيخ إن تيمور قادم عليك وواصل إليك يقصد رؤيتك ويرجو بركتك، فلم يفه الشيخ بلفظة ولا رفع لذلك لحظه فوصل تيمور إليه ونزل عن فرسه ودخل عليه، والشيخ مشغول بحاله على عادته، جالس في فكره على سجادته، فلما انتهى إليه قام الشيخ فاحدودب تيمور منكباً على رجليه، فوضع الشيخ على ظهره يديه، قال تيمور لولا أن الشيخ رفع يديه عن ظهري بسرعة لخلته انرض ولقد تصورت أن السماء وقعت على الأرض وأنا بينهما رضضت أشد رض ثم إنه جلس بين يدي ذلك المنتخب على ركبتي الأدب، وقال له بالملاطفة في المحاورة على سبيل الاستفهام لا المناظرة يا سيدي الشيخ لم لا تأمرون ملوككم بالعدل والإنصاف وأن لا يميلوا

ص: 35

إلى الجور والاعتساف؟ فقال له الشيخ أمرناهم وتقدمنا بذلك إليهم فلما يأتمروا فسلطانك عليهم فخرج من فوره من عند الشيخ وقد قامت منه الحدبة وقال ملكت الدنيا ورب الكعبة، وهذا الشيخ هو الموعود بذكره، ثم إن تيمور قبض على ملك هراة واحتاط على ما ملكت يداه وضبط ولاياتها جانبا جانباً، وقرر لكل جانب نائبا وتوجه إلى سمرقند قافلا بما أمكنه، وحبس السلطان في المئذنة وأوصد عليه بابها ووكل بحفظه أصحابها وأضاف إليهم لشدة الحفاظ الزبانية الشداد الغلاظ وذلك لحلفه أن لا يريق دمه وأن يحفظ له ذممه، فلم يرق له دماً ولكنه قتله في الحبس جوعاً وظما

‌ذكر عوده إلى خراسان

وتخريبه ولايات سجستان

ثم عاد إلى خراسان وقد عزم على الانتقام من سجستان فخرج إليه أهلها طالبين الصلح والصلاح فأجابهم إلى ذلك على أن يمدوه بالسلاح فأخرجوا إليه ما عندهم من عدة ورجوا بذلك الفرج من الشدة فحلفهم وكتب عليهم قسامات بالغة أن مدينتهم غدت من السلاح فارغة، فلما تحقق ذلك منهم وضع السيف فيهم

ص: 36

وأضاف بهم جنود المنايا عن بكرة أبيهم ثم خرب المدينة فلم يبق بها شجر ولا مدر ومحاها فلم يبن لها عين ولا أثر، ورحل عنها وليس بها داع ولا مجيب، وما فعل ذلك بهم إلا لأنه أولاً منهم أصيب وذكر لي الشيخ الفقيه زين الدين عبد اللطيف بن محمد بن أبي الفتح الكرماني الحنفي نزيل دمشق بالمدرسة الجقمقية في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة أن الذين تخلصوا من القتل من أهل سجستان بهزيمة أو غيبة أو بنوع لطيفة من الله تعالى المنان لما تراجعوا إليها بعد رجوع تيمور عنها أرادوا أن يجمعوا بها فأضلوا يوم الجمعة وما اهتدوا إليه، حتى أرسلوا إلى كرمان من دلهم عليه

‌ذكر قصد ذلك الغدار ممالك سبزوار

وانقيادها إليه وقدوم واليها عليه

ثم لما أثار بسجستان ما أثار قصد بعساكره مدينة سبزوار، وكان واليها يدعى حسن الجوري مستقلاً بالإمارة وهو رافضي، فما أمكنه إلا الإطاعة واستقباله من الهدايا والخدم بما استطاعه، فأقره على ولايته وزاد في رعايته " فصل " - وكان من عادة تيمور وفكره أنه كان في أول أمره إذا نزل بأحد مستضيفاً استنسبه وحفظ

ص: 37

اسمه ونسبه، وقال له إذا بلغك أني استوليت وعلى الممالك استقليت، فأتني بعلامة كذا فإني أكافئك إذا، فلما انتشر ذكره وشاع أمره وفشا في الدنيا خبره وخبره هرعت الناس بالعلائم إليه، ووفدت من كل فج عميق عليه وكان ينول كل أحد منزلته ويحله مرتبته

‌ذكر ما جرى لذلك الداعر في سبزوار

مع الشريف محمد رأس طائفة الدعار

وكان في مدينة سبزوار رجل شريف من الشطار يدعى السيد محمد السربدال، معه جماعة من الرجال كلهم دعار يسمون السربداليه يعني الشطار، وكان هذا السيد رجلاً مشهورا بالمآثر والفضائل مذكورا، فقال تيمور علي به فإني ما جئت إلا بسببه، وقد كنت متشوقاً إليه ومتشوقاً لعلم ما لديه، فدعوه له فدخل عليه فقام إليه واعتنقه وقابله ببشرة منطلقة، وأكرمه وأدناه وقال في جملة فحواه يا سيدي السيد قل لي كيف أستخلص ممالك خراسان وأحويها وأنى أحوزها أقاصيها وأدانيها وماذا أفعل حتى يتم لي هذا الأمر وأرتقي هذا المسلك الصعب الوعر؟ فقال له السيد يا مولانا الأمير أنا رجل فقير وقير، من آل الرسول

ص: 38

من أين أنا وهذا الفضول، وإني وإن قيل لي شريف، رجل عاجز ضعيف لا طاقة لي بموارد الهلك، ومن أنا حتى أتشاوف لمصالح الملك، ومن داخل الملوك أو خارجهم أو عارضهم في أمورهم أو مازحهم كان كالعائم في مجمع البحرين، وكالجاثم في منتطح الكبشين، والخارج عن لغته لحان وشتان ما بين المأمون والطحان، فقال له لا بد أن تدلني على الطريقة وتخبرني عن المجاز إلى هذه الحقيقة ولولا أنني تفرست فيك ذلك وتكهنت أن برأيك تقتدى المسالك، ولولا أنك أهل لهذه المعرفة ما فهت لك ببنت شفة، ولا استغنيت عنك استغناء التفه عن الرفه، فإن فراستي أياسية وقضاياي كلها قياسية فقال ذلك المشير أيها الأمير أو تسمع في هذا مقالتي وتتبع إشارتي؟ فقال ما استشرتك إلا لأتبعك ولا جاربتك إلا لأمشي معك فقال إن أردت أن يصفو لك المشرب وتنال الممالك من غير أن تتعب فعليك بخواجة علي بن المؤيد الطوسي قطب فلك هذه الممالك ومركز دائرة هذه المسالك فإن أقبل عليك بظاهره لم يكن بباطنه

ص: 39

إلا معك وإن ولى عنك بوجهه فلن يفيدك غيره ولن ينفعك فكن على استجلاب خاطره وحضوره إليك أبلغ جاهد فإنه رجل صلب، وظاهره وباطنه واحد، وإن طاعة الناس منوطة بطاعته وأفعال الكل مربوطة بإشارته فما فعل فعلوا فإن حط حطوا وإن رحل رحلوا وكان هذا الرجل أعني خواجه علي المذكور رجلاً شيعياً موالياً عليا يضرب السكة باسم الاثني عشر إماماً ويخطب بأسمائهم، وكان شهماً هماماً ثم قال السيد يا أمير ادع خواجه علي فإن لبى دعوتك وحضر حضرتك فلا تترك من أنواع الاحترام والتوقير، والإكرام والتكبير شيئاً إلا وأوصله إياه، فإنه يحفظ لك ذلك ويرعاه، وأنزله منزلة الملوك العظام في التعظيم والتوقير والاحترام ولا تدع معه شيئاً مما يليق بحشمتك فإن ذلك كله عائد إلى حرمتك وعظمتك ثم خرج السيد من عند تيمور، وجهز قاصده إلى الخواجة علي المذكور يقول له إنه قد مهد له الأمور فإن جاءه قاصده فلا يتوقف عن الطاعة ولا يقعد عن التوجه إليه ولا ساعة، ويكون منشرح البال آمناً سطواته في الحال والمآل فاستعد خواجه علي لقدوم

ص: 40

الوارد وورود القاصد، وهيأ الخدمات والتقادم والحمولات، وضرب باسمه واسم متولاه الدرهم والدينار، وخطب باسمهما في جوامع الأمصار وقعد لأمره منجزاً وأقام للطلب مستوفزا وإذا بقاصد تيمور جاء منه بكتاب فيه من ألطف كلام وألين خطاب يستدعيه مع انشراح الصدر وتوفير التوقير وتكثير البر فنهض من ساعته ملبياً بلسان طاعته ولم يلبث غير مسافة الطريق وقد بأمل فسيح وعهد وثيق، فلما أخبروه بوفوده جهز لاستقباله أساورة جنوده وسر سرورا شديدا وكأنه استأنف ملكاً جديدا، فلما وصل قدم هدايا فاخرة وتحفاً متكاثرة وطرائف ملوكية وذخائر كسروية فعظمه تعظيماً بالغاً وأولاه إنعاماً سائغاً وأسبل على قامة رجائه من خلع إعزازه وإكرامه ذيلا سابغاً واستمر به على ولايته وزاد في بره وكرامته فلم يبق في خراسان أمير مدينة ولا نائب قلعة مكينة ولا من يشار إليه إلا وقصد تيمور وأقبل عليه، فمن أكابرهم أمير محمد حاكم باورد وأمير عبد الله حاكم سرخس، وانتشرت هيبته في الآفاق وبلغت سطوته مازندران

ص: 41

وكيلان وبلاد الري والعراق، وامتلأت منه القلوب والأسماع وخافه القريب والبعيد وعلى الخصوص شاه شجاع وكل هذا في مدة قصيرة وأيام قلائل يسيرة، نحواً من سنتين بعد قتله السلطان حسين

‌ذكر مراسلة ذلك الشجاع سلطان عراق

العجم أبا الفوارس شاه شجاع

ولما صفت له بلاد خراسان وأذعن لطاعته كل قاص ودان، راسل شاه شجاع سلطان شيراز وعراق العجم يطلب منه الطاعة والانقياد وإرسال الأموال والخدم ومن جملة كتابه وفحوى خطابه إن الله تعالى سلطني عليكم وعلى ظلمة الحكام والجائرين من ملوك الأنام ورفعني على من باراني ونصرني على من خالفني وعاداني، وقد رأيت وسمعت فإن أجبت وأطعت فبها ونعمت وإلا فاعلم أن في قدومي ثلاثة أشياء، الخراب والقحط والوباء وإثم كل ذلك عائد عليك، ومنسوب إليك فلم يسع شاه شجاع إلا مهادنته ومهاداته ومصاهرته ومصافاته وزوج ابنته بابن تيمور ولم يتم ذلك السرور لحدوث الشرور فانقبضت تلك المباسطة بواسطة إفساد الواسطة وتثريب الخاطبة وتخريب الماشطة قلت

ص: 42

بديها مضمنا

إذا انتخبت لأمر عن واسطة

فاحزر دهاه وكن منه على وجل

واعلم بأن طباع الأنس قد جبلت

من الجفاء ومن مكر ومن دخل

فلا تثق أبداً منهم بواسطة

واشرع بنفسك فيه غير متكل

فإنما رجل الدنيا وواحدها

من لا يعول في الدنيا على رجل

ومد عنان الكلام في هذا المقام يخرجنا عن المرام ولكن تمت رياض المحبة زاهرة وأرباض المودة عامرة، وقفول المراسلة والمصادقة بين الطرفين سائرة واستمروا على ذلك من غير نزاع إلى أن توفي شاه شجاع وكان شاه شجاع هذا رجلاً عالماً فاضلاً يقرر الكشاف تقريراً شافياً كاملا وله شعر رائق، وأدب فائق فمن شعره العربي على ما قيل

ألا إن عهدي بالغرام يطول

وأسباب صبري لا تزال تزول

أصون هواها كل ما ذر شارق

ولكن ما بي قد ينم نحول

ومن لم يذق صبر الصبابة في الصبا

علمت يقينا أنه لجهول

ومن شعره الفارسي

ص: 43

أي بكام عاشقان حسنت جميل

كي كزينم ديكري برتوبديل

كر زيادت غافلم عيشم حرام

ورزجورت دم زنم خونم سبيل

هركسي تدبير كاري مكند

مارها كرديم بانعم الوكيل

وهو شاه شجاع بن محمد بن مظفر وأبوه كان من أفراد الناس ومن أهل البر يسكن ضواحي يزد وأبرقوه، ذا بأس شديد يخافه القريب والبعيد ويرجوه وكان قد نبع بين يزد وشيراز حرامي من عرب آل خفاجة سد على سالكي الطريقة حقيقة المجاز يدعى جمال لوك أفقر الغني وأباد الصعلوك، لا يبالي بالرجال قلت أو كثرت ولا يكترث بكواكب النبال إذا الكواكب على رأسه انتثرت، فأباد طائفة من البلاد وأهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، فكمن له أبو شاه شجاع في بعض وهد أويفاع ثم قابله مواجهة، وكافحه مشافهة ونازله فصرعه وقطع رأسه وانتزعه وقصد برأسه السلطان فقدمه على سائر الأعوان وأقطعه أماكن عدة وقربه وجعله عدة لكل شده وكان له عدة أولاد وأقارب وأحفاد كل منهم رئيس مطاع فمن أولاده شاه مظفر وشاه محمود وشاه شجاع فصار كل منهم ذا كلمة نافذة ويد معطية آخذة ولم يكن

ص: 44

للسلطان ولد ينقر وراءه في أمور الملك أو ينقب فلما أقبل عليه رائد المنية أجابه وولى مدبراً ولم يعقب وكان إذ ذاك وقد ثبتت أوتاد محمد بن مظفر فتقدم في السلطنة ومن سواه تأخر، فصار في ممالك عراق العجم الملك المطاع واستقل من غير تشاق ونزاع وتصرف في الممالك كيف يشاء ورداه الله خلعه " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء " ومات في حياته ولده شاه مظفر المذكور وخلف ولده شاه منصور، ثم جرى بين شاه شجاع وبين أبيه من النزاع والشرور مالا خير فيه وقبض على أبيه وقهره وفجعه بكريمتيه وأعدمه بصره، وتمكن من السلطنة واستقر وكان به مرض جوع البقر بحيث إنه كان لا يقدر على الصوم لا في السفر ولا في الحضر وكان كثيراً ما يدعو الله الغفور ألا يجمع بينه وبين تيمور فلما أدركه الأجل وطوى فراش الموت منه بساط الأمل أحضر ماله من أقارب وأولاد وقسم عليهم الممالك والبلاد فولى ابنه لصلبه زين العابدين شيراز، وهي كرسي الملك ومقصد الوافدين، وأقطع أخاه السلطان أحمد ولايات كرمان وأعطى ابن أخيه شاه

ص: 45

يحيى يزد، وابن أخيه شاه منصور، أصبهان، وأسند وصيته بذلك إلى تيمور وخلد ذلك في رق منشور وأعد على ذلك من حضر مجمعه فكان كمن سلم الريح لزوبعة

ولما أدمج الموت ثوب عمر شاه شجاع، انتشرت بين أقاربه شقق الشقاق والنزاع، فقصد شاه منصور زين العابدين وقبض عليه واستولى على شيراز وفجعه بكريمتيه، وخالف عمه ونقض حبل عهده وفعل مع ابنه ما فعله أبوه بجده، وحبل هذه القصة ممدود والاشتغال بنقضه وإبرامه يخرج عن المقصود فانمعض تيمور وامتعص وتجرع الغصص وارتهص، ولكن ارتقب في ذلك انتهاز الفرص

‌ذكر توجه تيمور مرة ثالثة إلى خوارزم

بالعساكر العائثة العابثة

ثم إن تيمور جدد الحزم وصمم العزم على التوجه إلى خوارزم، فتوجه إلى تلك البلاد من خراسان على طريق استراباد، وكان سلطانها أيضاً غائبا فأراد أن يولي عليهم من جهته نائبا، فخرج إليه حسن المذكور وصالحه واشترى منه الشرور والمقابحة، وقال له يا مولانا الأمير كلنا عندك أسير ولكن سلطاننا غائب

ص: 46

وإذا أقيم علينا من جهتك نائب ثم رجع إلينا السلطان، فلابد أن يقع بينهما شنآن، وإذا كان الأمر كذا فربما يصل إلي منه أذى، فيكون ذلك سبب تأكيد العداوة ويزداد بينكما الجفا والقساوة فيفيض حنقك على المسلمين ويقع فساد والله لا يحب المفسدين، وهب أن حسين صوفي صار نائبك فكل الخلق يجب عليه أن يراعي خدمتك وجانبك، ورأيك أعلى واتباع مرسومك أولى فسمع تيمور كلامه وقبل قوله وقوض للرحيل خيامه، وكان لحسن المذكور ابن غير فالح له عمل غير صالح فكأنه فتك بحظية من حظايا السلطان وذاع ذلك في المكان وفاح ذفره في أنف الزمان، فلم يتقيد بذلك الفعل القبيح حسن، وقال إن لي على السلطان، منناً وأي منن، حيث حميت بلده من كل ظلوم كفار، وبذلت في ذلك مالي ووجاهتي ثلاث مرار، فلابد أن يقابل هذه المصالحة بالعفو عن جريمة ولدي والمسامحة فلما آب السلطان م سفره واطلع على حقيقة الأمر وخبره قبض على حسن وولده وقتلهما وألقاهما بين يدي أسد قهره فأكلهما، وخرب ديارهما ونقل إلى خزائنه

ص: 47

شعارهما ودثارهما ثم لم يلبث حسين صوفي أن توفي، وولي بعده يوسف صوفي، وكان تيمور قبل ذلك قد صاهرهم وناصرهم على مخالفيهم وظاهرهم، وزوج ابناً له يدعى جهانكير عقيلة منهم ذات قدر كبير وأصل خطير ووجه مستنير أحسن من شيرين وأظرف من ولادة، ولكونها من بنات الملوك كانت تدعى خانزاده، فولدت له محمد سلطان وكان في نجابته وإقباله ساطع البرهان، فلما شاهد تيمور في شمائله مخايل السعادة وقد فاق في النجابة أولاده وأحفاده أقبل دون الكل عليه وعهد مع وجود أعمامه إليه، لكن عاند الدهر ذلك الظلوم فتوفي قبله في آق شهر من بلاد الروم وسيأتي ذكر ذلك

‌ذكر توجه ذلك الباقعة إلى خوارزم

مرة رابعة

فلما سمع تيمور ما جرى على حسن من الشرور تحنق وشد الأزم ووجه ركاب الغضب إلى خوارزم فأخذها وقتل سلطانها وهدم أركانها وخرب بنيانها، وولى على ما بقي منها نائباً من عنده ونقل جميع ما أمكنه نقله منها إلى ممالك سمرقنده، وتاريخ خراب

ص: 48

خوارزم " عذاب " كما أن تاريخ خراب دمشق " خراب "

‌ذكر ما كان ذلك الجان راسل به شاه

ولي أمير ممالك مازندران

ثم إنه لما كان توجه إلى خراسان راسل شاه ولي أمير ممالك مازندران، وكاتب الأمراء المستقلين بذلك المكان، فمنهم اسكندر الجلابي وارشيوند وإبراهيم القمي، واستدعاهم إلى حضرته كما هو جاري عادته بالضرورة فأجابه إبراهيم وارشيوند واسكندر، وتأبى عليه شاه ولي ذلك الغضنفر ولم يلتفت إلى خطابه وخشن له في جوابه

‌ذكر مراسلة شاه ولي سلاطين

وما وقع في ذلك من الشقاق وعدم الاتفاق

ثم أرسل شاه ولي إلى شاه شجاع سلطان عراق العجم وكرمان وإلى السلطان أحمد بن الشيخ أويس متولي عراق العرب وأذربيجان يخبرهما بورود خطابه وصدور جوابه، ثم قال أنا ثغركما وإن انتظم أمري انتظم أمركما، وإن نزل بي منه بائقة فإنها بممالككما لاحقة، فإن ساعدتماني بمدد كفيتكما هذا النكد وإلا فتصيران

ص: 49

كما قيل

من حلقت لحية جار له

فليسكب الماء على لحيته

فأما شاه شجاع فأطرح قوله ورماه وهادن تيمور كما ذكر وهاداه وأما السلطان أحمد فأجاب بجواب مهمل وقال هذا الأشل الأعرج الجغتائي ما عساه أن يفعل؟ ومن أين ومن أين للأعرج الجغتائي أن يطأ العراقين؟ وإن بينه وبين هذه البلاد لخرط القتاد، ولكم بين مكان ومكان فلا يخل العراق كخراسان

ولئن عقدت على التوجه إلى ديارنا نيته، لتحلن به منيته، ولترتحلن عنه أمنيته، فإنا قوم لنا البأس والشدة والعدة والعدة والدولة والنجدة ولنا يصلح التشامخ والتأبي حتى كأنه قال فينا المتنبي

نحن قوم ملجن في زي ناس

فوق طير لها شخوص الجمال

فلما علم ذلك منهم شاه ولي وأيقن أن كلا منهما عن شجوه خلا قال أما أنا فوالله لأوافقنه بعزم صادق ونفس مطمئنة فلئن ظفرت به لأنددن بكما في الأمصار، ولأجعلنكما عبرة لأولي الأبصار، وإن ظفر بي فلا علي ما يصل إليكما فلينزلن القضاء الطام والبلاء العام عليكما، ثم استد للقائه

ص: 50

واستسلم لقدر الله تعالى وقضائه، ولما تراءى الجمعان، واتصلت المراشقة بالضراب والطعان ثبت شاه ولي ساعة لما نابه من شره وهره، ثم ولى الدبر لما حطمه ما رأى من كر وفر وتبع السنة في الفرار مما لا يطاق وتوجه إلى الري إذ ما أمكنه التوجه إلى العراق، وكان بها أمير مستقل يدعى محمد جوكار متصرفاً بحكومته في تلك القرى والأمصار، وكان كريماً شجاعاً وملكاً مطاعاً ومع ذلك فإنه دارى تيمور وراعى منه بعض الأمور وخاف سطوته وبأسه فقتل شاه ولي وأرسل إلى تيمور رأسه

‌ذكر ما جرى لأبي بكر الشاسباني

مع ذلك الجاني

وكان في بعض ولايات مازندران، رجل يسمى أبا بكر من قرية تدعى شاسبان، وكان في الحروب كالأسد الغضوب وكان قد أباد وأبار الجم الغفير من عساكر التتار، إذا انتمى في المجال لا تثبت له الرجال وإن وضع العمامة، أقام فيهم القيامة، ولا زال يكمن بين الروابي والجبال، ويجندل الجنود والأبطال، حتى صارت تضرب به الأمثال وترعد منه الفرائص ولو في طيف

ص: 51

الخيال، فكان القائل منهم يقول لمركوبه إذا علق عليه أو سقاه فتأخر عن الماء أو جفل من المخلاة كأن أبا بكر الشاسباني في الماء أو بين العليق تراه وقيل لم يتضرر عسكر تيمور في مدة استيلائه، مع كثرة حروبه ومصافاته وإبلائه، إلا من ثلاثة أنفار، أضروا به وبعساكره غاية الإضرار، وأوردوا كثيرا ًمنهم موارد النار أحدهم أبو بكر الشاسباني، ثانيهم سيدي علي الكردي، وثالثهم " أمت " التركماني " فأما أبو بكر هذا فذكروا أنه في بعض مضايق مازندران، تغلبت عليه الجغتاي من كل مكان " وسدوا عليه وجه المخلص وشدوا حبل المقنص فألجأوه إلى جرف مقاله جرف، مقدار ثمانية أذرع ما بين الحرف إلى الحرف، كأن قعره جب النقير، أو واد في قعر السعير فنزل أبو بكر عن جواده المضمر وطفر وطمر من أحد الجرفين إلى الآخر بما عليه من السلاح والمغفر، ولم ينل منهم ضراً ونجا كما نجا تأبط شراً ثم اتصل بحاشيته وأبادهم، ونقل إلى طاحون الفناء منهم من استكمل دياسهم وحصادهم، ثم ما أدري أمره إلى ماذا آل، وكيف تقلبت به الأحوال وأما سيدي علي الكردي

ص: 52

فإنه كان أميراً في بلاد الكرد، ومعه طائفة من الخيل الجرد، والرجال غير المرد، في جبال عاصيه، وأماكن وعرة متقاصية، فكان يخرج هو وجماعته، ومن شملته طاعته، ويترك على فم المضائق من هو به واثق ثم يشن على عساكر تيمور الغارات، ويدرك فيهم للمسلمين الثارات، ويقتطع من حواشيهم وما يمكنه من مواشيهم، ثم يرجع إلى أوكاره بما قضى من أوطاره ولم يزل على ذلك الثبات في حياة تيمور وبعد أن مات إلى أن أدركته الوفاة ففات وأما أمت التركماني فإنه كان من تراكمة قراباغ وله ابنان قد وضع كل منهما على لقب تيمور أي داغ، وكانت الحروب والنزال بينهم وبين أميران شاه وعساكر الجغتاي لاتزال، وأفنوا من جماعتهم عدداً لا يحصى، وجانباً فات لا يستقصى إلى أن غدر واحد من المنتسبين إليهم، فطلب غرتهم ودل عسكر أميران شاه عليهم، فبيتوهم ليلا وأراقوا من دمائهم سيلا فاستشهد الثلاثة في سبيل الله رحمهم الله قلت

وأصعب فتنة تشميت الأعدا

وأنكى منه تخذيل الموالى

ص: 53

وقيل

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة

على المرء من وقع الحسام المهند

وقيل

" إذا كان هذا بالأقارب فعلكم

فماذا الذي أبقيتم للأباعد "

‌ذكر توجه تيمور إلى عراق

العجم وخوض شاه منصور غمار ذلك البحر الخضم

ولما توفي شاه شجاع ووقع بين أهله كما مر النزاع، واستقر أمر العراق العجمي على شاه منصور وخلصت ممالك مازندران وولاياتها لتيمور، وكان شاه شجاع قد أوصى إلى تيمور بولد زين العابدين كما ذكر ووكل أمره إليه، وجد تيمور على شاه منصور طريقاً بما فعله مع ابن عمه زين العابدين فاحتج بذلك ومشى عليه، فاستمد شاه منصور أقاربه فكلهم صار محاربه وغدا مجاذبه ومجانبه وأقام كل منهم يحفظ جانبه، فتهيأ لملاقاته وحده، بنحو ألفي فارس كاملي العدة، بعد أن حصن المدينة وحوطها بالأهبة المكينة، ورتب خيلها ورجلها وحرض على التصبر والتربص أهلها، فقال له أكابر أعيانها

ص: 54

والرؤس من سكانها كأنا بك في المقتحم وسدى الحرب قد التحم، وقد منعناه من الوصول إلينا ودافعناه عن الهجوم علينا، وربما جندنا له رجالا وأبطلنا من عسكره أبطالا، ثم ماذا تصنع أنت بألفي راكب مع هذا الغمام المتراكم المتراكب؟ وربما يحل عقدك أو يفل جندك فلا ترى لنفسك في الهيجاء إلا طلب الخلاص والنجاء وتتركنا لحماً على وضم بعد أن زلت بنا معهم القدم ولا ينفعنا بعد تأكيد العداوة الندم، ولا يجبر منا إذ ذاك هذا الكسر إلا بالقتل أو النهب والأسر فوضع يده على دبوسه شاه منصور وقال هذا الألف في الكاف السادسة من أم من يفر من تيمور، أما أنا فأقاتل وجندي، فإن خذلني جندي قاتلت وحدي، وبذلت في ذلك جدي وجهدي، وعاينت عليه وكدي وكدي، فإن نصرت نلت قصدي وإن قتلت فلا علي ممن بقي بعدي، وكأني أنا كنت الحاضر والخاطر في خاطر الشاعر حين قال

إذا هم ألقى بين عينيه عزمه

ونكب عن ذكر العواقب جانباً

وقيل إن شاه منصور فرق رجاله على قلاعه، وأراد بذلك حفظ مدنه

ص: 55

فضاع في ضياعه، ثم جمع رؤساء شيراز وأجنادها وأفلاذ أكبادها وأولادها وقال إن هذا عدو ثقيل وهو وإن كان خارجياً فهو في بلادنا دخيل، فالرأي أني لا أنحصر معه في مكان ولا أقابله بضراب وطعان بل أتنقل في الجوانب وأتسلط أنا ورعاياي عليه من كل جانب فنصفع أكتافه ونقطع أطرافه ونواظبه بالنهار ونراقبه بالليل ونعد له ما استطعنا من قوة ومن رباط الخيل فكلما وجدنا منه غرة كسرنا منه القفا والغرة فتارة ننطحه وأخرى نرمحه وكرة نجرحه ومرة نجدحه ونسلبه الهجوع ونمنعه الرجوع فتشتد عليه المضايق وتنسد عليه الطرق والطرائق غير أن القصد منكم يا أحرار ويا نمور النفار ونسور النقار أن تحتفظوا بضبط الأسوار ولا تغفلوا عنها آناء الليل وأطراف النهار، فإني ما دمت بعيداً عنكم لا يدنو أحد منهم منكم، وإن حاصروكم ففيكم كفاية وأستودعكم الله وهو نعم الوقاية، وغاية ما تكونون في هذه البؤسى مقدار ما واعد الله نبيه موسى ولله هذا الرأي ما كان أمتنه ووجه هذا القصد ما كان أحسنه ثم إنه خرج ذاهباً، وقصد جانباً

ص: 56

‌ذكر دقيقة تصدت فجلت ونقضت ما أبرمة شاه

منصور من عقد حين حلت

فبينا هو عند باب المدينة جائز نطرته سعلاة من مشؤومات العجائز، فبدرته بالملام وآذته بالكلام ونادت بلسان الاعجام انظروا إلى هذا " تركس بحرام " رعى أموالنا وتحكم في دمائنا وفارقنا أحوج ما نحن إليه في مخاليب أعدائنا، جعل الله حمل السلاح عليه حراماً ولا أنجح له قصداً ولا أسعف له مراماً، فقدحت زناده وجرحت فؤاده، وتأججت نيران غضبه، وأحرق أكداس تدبره شواظ لهبه وثارت نفسه الأبية، وأخذته حمية الجاهلية حتى ذهب لب ذلك الرجل الحازم، وغلط فأمسى وهو لغلطه ملازم، فثنى عنان عزمه، وكز أسنان أزمه، وأقسم لا يبرح عن المقاومة، ولا يرجع في مجلس القضاء ملازمة المصادمة، ويجعل ذلك دأبه صباحاً وعشاء، إلى أن يعطي الله النصر لمن يشاء ثم قابل، ورتب أبطاله وقاتل وكان في عسكر شاه منصور أمير خراساني مباطن لتيمور، يدعى محمد بن زين الدين من الفجرة

ص: 57

المعتدين، وجل العساكر كان معه، فسار إلى تيمور، وأكثر الجند تبعه، فلم يبق منهم إلا دون الألف، فما فر واحد منهم من الزحف فثبت شاه منصور، بعد أن تضعضعت منه الأمور، فلم تزل نيران الهيجاء تنتطح، وزناد الحرب تورى إذ تنقدح، وشرار السهام تتطاير، وثمار الرؤوس بمناجل السيوف تقطف فتتناثر، حتى أقبل جيش الليل وشمر للهزيمة جند النهار الذيل، فتراجع كل منهم إلى وكره، وأعمل شاه منصور فكره في مكره

‌ذكر ما نقل عن شاه منصور مما أوقع بعسكر تيمور

من الحرب والويل تحت جنح الليل

فعمد إلى فرس جفول، من بين الخيول، أجمح من دهر رمح وأرمح من عصر جمح، وأتى بها عسكر العدو وقد أخذ الليل في الهدو، ثم ربط في ذنبها قدراً من النحاس، ملفوفة في قطعة بلاس، وشدها شدة أحكم وثاقها، وصوب رأسها نحو العدو وساقها، فجالت الفرس في المعسكر واضطربت، واختبطت الناس واحتربت وانسابت جداول السيوف في بطون تلك البحار وانسربت، حتى كأن الساعة

ص: 58

اقتربت، مواأو السماء عليهم بالشهب انقلبت، والأرض بهم اهتزت وربت وشاه منصور واقف حواليهم كالبازي المطل عليهم، يقتل من شذ، ويبيد من فذ وصار كما قيل

الليل داج والكباش تنتطح

نطاح جد ما أراها تصطلح

فقائم وقاعد ومنبطح

فمن نجا برأسه فقد ربح

قيل أنهم اقتتلوا فيما بينهم حتى فني نحو من عشرة آلاف نفس، فلما قوض الليل خيامه ورفع النهار أعلامه، علموا البلاء كيف دهاهم، وليت الليل لم يكن فارق ذراهم ثم إن شاه منصور أصبح وقد قل ناصره وفل مؤازره، فانتخب من جماعته فئة نحواً من خمسمائة، فجعل يصول بهم صولة الأسد، ويخوض بهم غمار الموت، فلا يلوي أمامهم أحد على أحد، ويميل يسره ويمنه وينتسب ويصيح أنا شاه منصور الصابر المحتسب، فتراهم بين يديه حمرا مستنفرة فرت من قسورة، وقصد مكاناً فيه تيمور فهرب منه ودخل بين النساء واختفى بينهن وغطى بكساء، فبادرنه وقلن نحن حرم وأشرن

ص: 59

إلى طائفة من العسكر المصطدم وقلن هناك بغيتك وبين أولئك طلبتك، فألوى راجعاً وتركهن مخادعا وقصد حيث أشرن إليه وقد أحاطت به جموع العساكر وحلقت عليه قلت بديهاً

وما حز أعناق الرجال سوى النسا

وأي بلاء مالهن به أبلى

وكم نار أحرقت كبد الورى

ولم يك إلا مكرهن لها أصلا

وكان على فرس فاقت خصالا فضرب فيهم بسيفين يميناً وشمالا، وفرسه السبوح كانت تقاتل معه وتصدم وتكدم من يقربها في تلك المعمعة وكأنه ينشد معنى ما قلته في " مرآة الأدب "

يد الله قوتني فغلت يداهم

وهذى يدي فيهم بسيفين تضرب

فصار كلما قصد رعلة من تلك الرعال، افترقت أمامه يميناً وشمالا وإن كانوا كلهم من أهل الشمال ولكن

إذا لم يكن عون الله للفتى

فأول ما يجني عليه اجتهاده

حتى أنهكته الحرب وكلت يداه من الطعن والضرب، وجندلت

ص: 60

أبطاله وقتلت خيله ورجاله وتغيرت من كل جهة أحواله، وسدت طرائقه وشدت مضايقه وخرست شقاشقه وضرست فيالقه وخمدت بوارقه وهمدت بيادقه وحص جناحه وقص نجاحه وخف مداحه وأثقلت جراحه وسكنت غمغمته، فانفرد عن أصحابه وقد آده الجراح وأودى به ولم يبق معه في ذلك البحر سوى نفرين أحدهما يدعى توكل والآخر مهتر فخر، وأخذه الدهش، وغلب عليه العطش ونشف الرهج والوهج كبده وطلب شربة ماء فما وجده فلو وجد ما يبل له ريقه لما قدر أحد أن يقطع عليه طريقه، فرأى الأولى طرح نفسه بين القتلى، فأطرح بينهم نفسه، ورمى أهبته وسيب فرسه وقتل توكل ونجا فخر الدين، وبه من الجراح نحو من سبعين، وعمر بعد ذلك حتى بلغ تسعين، وكان من الأبطال والمصارعين فتراجع جيش تيمور وتضام، وانتعش بعد أن بلغ موارد الحمام، وذلك بعد أن قتل منهم مالا يعد، وأفنى ليلاً ونهاراً مالا يحصر ولا يحد

وطفق تيمور في القلق، والضجر والأرق، لفقد شاه منصور وعدم الوقوف

ص: 61

على حال ذلك الأسد الهصور، أهو في الأحياء فيخشى فكره، أم انتقل إلى دار الفناء فيؤمن مكره، فأمر بتفتيش الجرحى، والتنقيب عنه بين القتلى والطرحى، إلى أن كادت الشمس تتوارى بالحجاب، ويغمد حسام الضياء من الظلام في قراب، فعندما ضم دينار البيضاء، تحت ذيل ملاءة الضياء، ومد نساج القدرة في جو الفضاء سدى، والليل إذا سجى ونثر على سطح هذا الأديم المسا دراهم كواكبه الزهراء، واتسع الظلام واتسق، عثر واحد من الجغتاي على شاه منصور وبه أدنى رمق، فتشبث شاه منصور بذلك الإنسان، بل الشيطان الخوان، وناداه الأمان الأمان أنا شاه منصور فاكتم عني هذه الأمور وخذ مني هذه الجواهر وخافت في قضيتي ولا تجاهر، ولا رأيتك ولا رأيتني، ولا عرفتك ولا عرفتني، وإن أخفيت مكاني ونقلتني إلى إخواني وأعواني، كنت كمن أعتقني بعدما اشتراني، ومن بعد ما أماتني أحياني، وكنت ترى مكافأتي، وتغنم مصافاتي، ثم أخرج له من الجواهر، ما يكفيه وذريته إلى يوم الآخر فكأن في قصته واستكشاف غصته كالمستغيث بعمرو عند كربته فما عتم

ص: 62

أن وثب على شاه منصور، وحز رأسه، وأتى به إلى تيمور وحكى له ما جرى بتنجيز المشترى، فما صدقه، ولا في كلامه استوثقه بل أخرج من قبائله وشعوبه من عرفه به فعرفوه بشامة كانت في وجهه علامة، فلما علم أنه شاه منصور بعينه، وتميز له صدق ذلك الرجل من مينه تحنق وتحيف، وتحرق لقتل شاه منصور وتأسف، ثم سأل ذلك الرجل عن محتده، وعن والده وولده، وعن قبيلته وذويه، ومخدومه ومربيه، فلما استوضح أخباره، وعلم نجاره ووجاره أرسل مرسومه إلى متولي تلك الدار فقتل أهله وأولاده وأعوانه وأنصاره وآله وأحفاده وأختانه وأصهاره وقتله شر قتلة ومحا آثاره وصادر مخدومه وقتله وخرب دياره ثم أرسل إلى أطراف ممالكه مطالعات، يذكر فيها صور تلك المصافات والمواقعات، وما شوهد من وثبات شاه منصور وثباته، وغشيانه غمرات الحروب وضرباته، وما حصل في واقعة القتال على الحديد في صف مرسلاته، وكيف زلزلت العاديات ولولت النساء في فتح حجراته بعبارات هائلة وكلمات في ميادين الفصاحة والبلاغة جائلة، وهذه المطالعات

ص: 63

تقرأ في المحافل والمشاهد، وتتلى في المصادر والموارد ويستمد منها ذوو الأدب، ويعني بحفظها الكتاب والصبيان في الكتاب " رأيت " في أخبار بعض المعتنين، أنه في شوال سنة خمس وتسعين، ورد رسول صاحب بسطام، يؤذن سلطان مصر بالإعلام، أن تيمور قتل شاه منصور واستولى على شيراز وسائر البلاد، وأرسل رأسه إلى حاكم بغداد، وأمره بالطاعة، هو ومن معه من الجماعة، وأرسل إليه خلعة، وأن يضرب السكة باسمه ويخطب بذلك في الجمعة، فلبس خلعته وائتمر ممتثلاً كل ما به أمر وأنه علق رأس شاه منصور، بعدما طافوا به على السور، وما أظن لذلك صحة

‌ذكر ما وقع من الأمور والشرور

بعد واقعة شاه منصور

فاستولى تيمور على ممالك فارس وأرض عراق العجم وراسل من داناه من أقارب شاه شجاع وملوك الأمم، واستمال الخواطر، وآمن البادي والحاضر، ورحل فجاز مدينة شيراز، وضبط أحوالها، وقرر فيها خيلها ورجالها، ونادى بالأمان، للقاصي والدان فلبت دعوته ملوك البلاد ولم يسعهم معه إلا الإطاعة

ص: 64

والانقياد فوصل إليه سلطان أحمد من كرمان، وشاه يحيى من يزد وعصى سلطان أبو إسحاق في سيرجان فأنعم وخلع على من أطاع وانقاد، ولم يتعرض لمن أظهر العناد، ولم يشق بينه وبين مخالفيه العصا، وأكرم من أطاعه ليوقع بذلك من عصى وطرح على شيراز وسائر البلدان مال الأمان، وأقام في كل بلدة من جهته نائباً وتوجه إلى أصبهان، وأحسن إلى زين العابدين الذي هو وصية من أبيه، ووظف له من الجوامك والادرارات ما يكفيه وذويه

‌ذكر ما صنع الزمان عند حلوله بأصبهان

فلما وصل إلى أصبهان، وكانت من أكبر البلدان مملوءة بالأفاضل ومحشوة بالأماثل، وبها شخص من علماء الإسلام، والسادة الأعلام، قد بلغ في العلم الغاية، وفي العمل والاجتهاد النهاية، أفعاله مبرورة، وكراماته مشهورة، ومآثره مذكورة، ومحاسنه على جبهة الأيام مسطورة، وهو معتقد المسلمين، وكان اسمه إمام الدين، وكان أهل أصبهان يذكرون

ص: 65

له تيمور، ويحذرون من شره أي محذور، فيقول لهم ما دمت فيكم حياً، لا يضركم كيده شيا، فإن وافاني الأجل، فكونوا من أذاه على وجل، اتفق أنه في وصول تيمور، توفي الشيخ المذكور، فأصبحت أصبهان ظلمات بعضها فوق بعض بعد أن كانت نوراً على نور، فتضاعفت حسرتهم، وترادفت كسرتهم، فوقعوا في الحيرة، وصاروا كأبي هريرة رضي الله عنه حيث يقول

للناس هم ولي في اليوم همان

فقد الجراب وقتل الشيخ عثمان

فخرجوا إليه وصالحوه على جمل من الأموال، فأرسل فيهم لاستخلاصها الرجال، فوزعوها على الجهات، وفرضوها على الحارات والمحلات، وتفرق فيهم المستخلصون، فكانوا يعيثون فيهم ويعبثون، واستطالوا عليهم فجعلوهم كالخدم، وتوصلوا إلى أن مدوا أيديهم إلى الحرم، فانتكوا منهم أي نكاية، فرفع أهل أصبهان إلى رئيسهم الشكاية، وكثرت منهم الشكية، وهم قوم لهم حمية، وقالوا الموت على هذه الحالة، خير من الحياة مع هذه الاستطالة فقال لهم رئيسهم إذا أقبل المساء، فإني أضرب الطبل لكن لا تحت كساء، فإذا سمعتم الطبل قد دق،

ص: 66

فالقول قد حق، فليقبض كل منكم على نزيله وليحتكم فيه بسمين رأيه وهزيله، فاتفقوا على هذا الرأي المعكوس والأمر المنكوس في الطالع المنحوس، وقصروا مدى أنظارهم السقيمة، عن قصارى هذه الأمور الوخيمة ولما تعرى العنان من ثوب نوره، وأبدل الجو قمامه بسموره، ومضى هزيع من الليل، ضرب الرئيس الطبل فحل بالمستخلصين الويل، فقتلوهم وكانوا نحواً من ستة آلاف، وأصبحوا، وقد غرسوا في دوح العصيان أغصان الخلاف، فأثمر ذلك لهم الحور بعد الكور وبان لهم البوار فأصبحوا بوراً بهذا البور ولما سل الفجر حسامه، وحسر النهار لثامه، بلغ تيمور ذلك الصنع المشئوم فنفخ الشيطان منه في الخيشوم، فارتحل من فوره واستل عضب غضبه ونثل جعبة جوره، وتوجه نحو المدينة مزمجرا متكالباً مستأسداً متنمرا، فوصل إليها، وأخنى عليها، وأمر بالدماء أن تسفك، وبالحرمات أن تهتك، وبالأرواح أن تسلب، وبالأموال أن تنهب، وبالعمارات أن تخرب، وبالزروع أن تحرق، وبالضروع أن تخرق، وبالأطفال أن تطرح، وبالأجساد

ص: 67

أن تجرح، وبالأعراض أن تثلم، وبالذمم أن تسلم ولا تسلم، وأن يطوى بساط الرحمة، وينشر مسح النقمة، فلا يرحم كبير لكبره، ولا صغير لصغره، ولا يوقر عالم لعلمه، ولا ذو أدب لفضله وحلمه، ولا شريف لنسبه ولا منيف لحسبه، ولا غريب لغربته، ولا قريب لقرابته وقربته، ولا مسلم لإسلامه، ولا ذمي لذمامه، ولا ضعيف لضعفه، ولا جاهل لركاكة رأيه وسخفه وبالجملة فلا يبقى على أحد، ممن هو داخل البلدة فأما أهل المدينة فعلموا أنه ليس للجدال مجال، فضلاً عن ضراب وقتال وأن قبول الاعتذار محال وأنه ليس ينجيهم من ريب المنون مال ولا بنون ولا يقبل منهم في تلك الساعة عدل ولا تنفعهم شفاعة فتحصنوا بحصون الاصطبار، وتدرعوا دروع الاعتبار، وتلقوا سهام القضاء من حنايا المنايا بمجن تسليم المراد، واستقبلوا ضربات القدر من سيوف الحتوف بأعناق التفويض والانقياد، فأطلق في ميادين رقابهم عنان الحسام البتار، وجعل مقابرهم بطون الذئاب والضباع وحواصل الأطيار ولا زالت عواصف الفناء تحتهم من أشجار الوجود

ص: 68

حتاً، حصروا عدد القتلى فكانوا نحو ست مرات من أمة يونس بن متى، فاستغاث بعض البصراء، بواحد من رؤوس الأمراء، وقال البقية في البقية، والرعاية في الرعية، فقال ذلك الأمير للسائل الفقير اجمعوا بعض الأطفال عند بعض القلل، فلعل أن نلين منه عند رؤيتهم شيئاً ما عسى ولعل، فامتثلوا ما به أمر، ووضعوا شرذمة من الأطفال منه على الممر

ثم ركب ذلك الأمير مع تيمور وأخذ به على تلك الأطفال ومر، ثم قال له انظر يا مخدوم نظر الرأفة إلى المرحوم فقال ما هؤلاء الطرحى الأشقياء؟ فقال أطفال معصومون، وأمة مرحومون محرومون، استحر القتل بوالديهم، وحل غضب مولانا الأمير على أكابرهم وذويهم وهؤلاء يسترحمونك بعواطفك الملوكية وصغرهم، ويستشفعون إليك بذلهم وضعفهم ويتمهم وفقرهم وكسرهم، أن ترحم ذلهم، وتبقي على من بقي لهم، فلم يحر جوابا ولا أبدى خطابا، ثم مال بعنان فرسه عليهم، ولم يظهر أنه بصر بهم أو نظر إليهم، ومالت معه تلك الجنود والعساكر، حتى أتى منهم على الأول والآخر، فجعلهم طعمة للسنابك، ودقة تحت أقدام

ص: 69

أولئك ثم جمع الأموال، وأوثق الأحمال، ومال راجعاً إلى سمرقند بما قد نال وكم بين هذه الأمور والقضايا، من دواه وبلايا، وأخبار وحكايات وتجهيز سرايا، وتولية وعزل، وإبراز هزل في صورة جد وجد في صورة هزل، وبناء وهد، وصد ورد، وتعمير غامر، وتخريب عامر، وتهان وتعاز وانحراف وتواز ومباحثات مع علماء، ومناظرات مع كبراء، ورفع وضعاء ووضع شرفاء، وتمهيد قواعد، وتقريب أباعد، وتبعيد أدان، وبروز مراسيم إلى كل قاص ودان، إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصر، ولا يضبط بديوان ولا دفتر

‌ذكر ضبطه طرف المغل والجتا

وما صدر منه في تلك الأماكن وأتى

ولما وصل إلى سمرقند أرسل ابن ابنه محمد سلطان بن جهانكير، مع سيف الدين الأمير، إلى أقصى ما تبلغ إليه مملكته، وتنفذ فيه كلمته، وهو وراء سيحون شرقاً سوا، أخذاً في نحور ممالك المغل والجتا والخطا نحواً من مسيرة شهر، عن ممالك ما وراء النهر، فمهدوا هناك الوهد واليفاع وبنوا في جملة من القلاع، وأقصاها بلد يسمى اشبارة فبنوا فيه حصناً حصيناً معداً للنهب

ص: 70

والغارة، وخطب من بنات الملوك ملكة أخرى وكانت الأولى تدعى الملكة الكبرى، والأخرى الملكة الصغرى فأجابهم ملكهم إلى ما سأل، وأناب إلى ما طلبه منه بالإطاعة وبذل، وارتجت منه أقاليم المغل والخطا، وذلك لما بلغهم مما فتك، في كل طرف وبتك، من بلاد الإسلام وسطا وكان السفير في ذلك " الله داد " أخو سيف الدين المذكور، وهو الذي استخلص أموال دمشق ونزل في دار ابن مشكور وأمر تيمور ببناء مدينة على طرف سيحون من ذلك الجانب، وعقد إليها جسراً على متن النهر بالمراسي والمراكب، وسماها شاه رخية وهي في أماكن رخية وسبب تسمية ابنه شاه رخ بهذا الاسم، ووسم هذه المدينة بهذا الوسم، أنه كان على عادته، مشغولاً بلعب الشطرنج مع بعض حاشيته، وقدأمر ببناء هذه المدينة على هذا الساحل، وكانت إحدى حظاياه معه وهي حامل، فرمى على خصمه شاه رخاً، فذبل خصمه لذلك وارتخى، وبينما خصمه قد وقع في الأين وإذا بمبشرين جاءا مخبرين، أحدهما يبشره بولد، والآخر يبشره بتمام عمارة البلد، فسماها بهذين الاسمين، ووسمهما بهذين الوسمين

ص: 71

‌ذكر عودة ذلك الأفعوان إلى ممالك فارس

وخراسان وفتكه بملوك عراق العجم واستصفائه تلك الممالك والأمم

ثم عاد، بعد تمهيد البلاد وتوطيد قواعد ممالك تركستان، إلى بلاد خراسان، فاستقبله الملوك والأمراء، والسلاطين والوزراء، وسارعوا إليه من كل جانب، ما بين راجل وراكب، ملبين دعوته، حذرين سطوته مغتنمين خدمته، وسلموه الأنجاد والأغوار، والأطاد والقفار والقرى وسكانها، والذرى وقطانها، والقلاع العاصية، وربطوا بذيل أمره كل ناصية ممتثلين أوامره مجتنبين زواجره، عاقدي نطاق عبوديته بأنامل الإخلاص، تابعي رائد مرضاته على نجائب الولاء والاختصاص، فمنهم جميع من مر ذكره من المطيعين، ومن كانوا في الشواهق ممتنعين منيعين، ومن جملتهم إسكندر الجلابي أحد ملوك مازندران، وأرشيوند الفارسكوهي ذلك الأسد الغضبان، صاحب الجبال والشوامخ العاصية القلال، وإبراهيم القمي صاحب النجدة، والمعد لكل شدة، وأطاعه السلطان

ص: 72

أبو إسحاق من سيرجان، فاجتمع عنده ملوك عراق العجم سبعة عشر نفراً ما بين سلطان وابن سلطان وابن أخي سلطان، كلهم في ممالكه ملك مطاع، مثل سلطان أحمد أخي شاه شجاع، وشاه يحيى ابن أخي شاه شجاع، سوى ملوك مازندران، وسوى أرشيوند وإبراهيم وملوك خراسان ولما سلك السلطان أبو إسحاق نمط أقاربه في الطاعة وعمل على ذلك الطراز، خلف ببلده سيرجان نائباً يقال له " كودرز "

فاتفق في بعض الأيام، أنه اجتمع عند تيمور هؤلاء الملوك العظام، فكانوا عنده في خيمة له وهو بينهم وحده، فأشار واحد منهم هو شاه يحيى، وقد أمكنت الفرصة، أن يقتله ويرفع عن العالم هذه الغصة، فأجابه بعض وامتنع بعض، وقال لمن رضي بذلك منهم ومن لم يرض إن لم تكفوا، وعن هذا المقال تعفوا، أخبرته بهذه المقالة وأطلعته على هذه الحالة، فامتنعوا عن هذا الرأي المتين والفكر الرصين، لاختلافهم ولا يزالون مختلفين، وكأنه طالع أحوالهم أو تفرس أقوالهم، فأسرها في نفسه ولم يبدها لهم ثم مكث أياماً، وجلس للناس جلوساً عاماً، وقد لبس ثياباً حمراً، ودعا هؤلاء الملوك السبعة عشر طراً،

ص: 73

ثم أمر فقتلوا جميعاً في ساعة واحدة صبرا، ثم لما أبادهم، ضبط بلادهم، وجمع طريفهم وتلادهم، وقتل أولادهم وأحفادهم وأقام في ممالكهم أولاده، وأمراءه وأحفاده وأسباطه وأجناده وسبب قتله هؤلاء الملوك وفتكه، وتمزيقه ستر حياتهم وهتكه، أن بلاد العجم كانت لا تخلو عن الملوك الأكابر، ومن ورث الملك والسلطنة كابراً عن كابر، وهي ممالك واسعة، أطرافها شاسعة، مدنها وافرة، وقراها متكاثرة، وأوتاد أوتادها راسخة، وعرانين أطوادها شامخة، ومخدرات قلاعها ناشزة، ومضمرات مكانها ومعادنها غير بارزة، كواسر أكاسرها كاسرة، ونواشر جوارحها للظهور ناشرة، ونمور دعارها طامرة، وببور شطارها طافرة، وثعابين أبطالها في جداول الجدال ظاهرة، وتماسيح أقيالها في بحار الحراب قاهرة فنظر تيمور بعين بصيرته في وذيلة تأمله ومرآة فكرته، فرأى أنه لا يزكو له ورد عارضها من شوكة عارض، ولا يصفو ورد ثغر فائضها من شارب معارض، ولا يثبت له في بنيان ممالكها أساس يحكم، ولا ينبت له في بستان مسالكها غراس تنعم وكان قصده إبقاء مبانيها، وإجراء أموره

ص: 74

على ما اقتضته التوراة الجنكيز خانية فيها، فلم يمكن عمل فلاحة سلطنته في بسيط أرضها، وسوق أنهار أوامره في جرائب ممالكها طولها وعرضها، إلا بقلع علائق أنساب أكابرها، وكسر قوادم أخشاب أحساب أكاسرها، فسعى في استئصال فرعهم وأصلهم، واجتهد في إهلاك حرثهم ونسلهم، وجعل لا يسمح لهم ببزرة نطفة في أرض رحم إلا قلعها، ولا يشم منهم رائحة زهرة في كم كمين إلا قطعها وقيل إنه كان في مجلس فيه اسكندر الجلابي، وكأنه كان مجلس نشاط ومقام انشراح وانبساط، فسأل اسكندر في ذلك المحضر، وقال إن حكم القضاء بإفساد بنيتي، من تراه يتعرض لأولادي وذريتي؟ فأجابه وهو في حالة الشطح، وقد خلت علية دماغه ووضع سراج العقل منها فوق السطح أول من ينازع أولادك المشائيم، أنا وأرشيوند وإبراهيم، فإن نجا من مخاليبي منهم أحد، فإنه لا يخلص من أنياب إبراهيم الأسد، وإن أفلت منهم من ذلك البند، فإنه لا مخرج له من شرك أرشيوند، وكان أرشينود وابراهيم غائبين فلم يتعرض تيمور لاسكندر بضرر وشين وأراد بالإبقاء عليه، وقوعه

ص: 75

مع صاحبيه، فلما أفاق اسكندر، ليتم ما قال، فقال لا مفر من قضاء الله ولا مجال، ولا عتب في ذلك علي، أنطقني بذلك الله الذي أنطق كل شيء ثم إن اسكندر وإبراهيم هربا، فقبض على أرشيوند وألقاه في النازعات فصار نبأ، وهتك حريم عمره إذ جرعه أول الرعد فأقرأه آخر نوح وسبأ، ثم إن اسكندر لم ير له أثر، ولا سمع عنه إلى يومنا هذا خبر وكان كبير الهامة، طويل القامة، إذا مشى بين الناس كأنه علامة، حتى قيل أن يدي ذلك القصر المشيد كان نحواً من ثلاثة أذرع ونصف بالحديد، وإبراهيم القمي استمر على انكماشه، ثم مات على فراشه، فكان ذلك سبب إيراده الملوك وأبناءهم المهالك " فصل " ثم أن تيمور عصى عليه كودرز في قلعة سيرجان، وقال إن مخدومي شاه منصور موجود إلى الآن، وكان هذا الكلام فاشياً في الخاص والعام، فكان كودرز يتوقع ظهوره، ويزجي على ذلك أعوامه وشهوره فحاصر تيمور قلعة سيرجان، فلم يلح له عليها سلطان، فوجه إليها عساكر شيراز ويزد وأبرقوه وكرمان، وأضاف إليهم عساكر سجستان، وذلك بعد أن شملها العمران،

ص: 76

وكان نائبها يدعى شاه أبا الفتح، فحاصروها نحواً من عشر سنين، وهم ما بين ظاعنين عنها وعليها مقيمين، وهي بكر لا تفتح لطالبها باباً، وعانس لا يملك خاطبها منها خطابا وكان تيمور ولى كرمان، شخصاً يدعى " إيدكو " من إخوان الشيطان فكان هو المشار إليه، ومن العسكر هو المعول عليه

ولما تحقق كودرز من شاه منصور وفاته، وخذله الأنصار، وأعجزه الانتصار وفاته، كان أبو الفتح يراسله كل ساعة، ويتكفل له عند تيمور بالشفاعة، أذعن للصلح، واستعمل في ذلك أبا الفتح، ونزل مترامياً عليهم، وسلم الحصن إليهم فحنق إيدكو عليه، لكون عقد الصلح لم ينحل على يديه، فقتله من ساعته، ولم يلتفت إلى أبي الفتح وشفاعته، فأخبر تيمور بذلك وكان في بعض الممالك، فغضب عليه غضباً شديداً، ولكن فات التدارك " فصل " مما يحكى عن إيدكو هذا متولي كرمان أنه كان بها للسلطان، أحمد أخي شاه شجاع ولدان صغيران، أحدهما يدعى سلطان مهدي والآخر سليمان خان، وكان سليمان خان في غاية الحسن واللطافة، حاوياً معني الملاحة والظرافة، معبى بالكمال،

ص: 77

مربى بالدلال، ألفاظه رائقة، وألحاظه راشقة، والأرواح إليه شائقة، وأرباب الألباب له عاشقة، حركاته في القلوب ساكنة، ولفتاته للخلق فاتنة، كما قيل

نسيم عبير في غلالة ماء

وتمثال نور في أديم هواء

وعمره إذ ذاك ستة أعوام ولكن مفتتن به الخاص والعام، فعزم إيدكو على إتلافهما، وإلحاقهما بأسلافهما، ولم يكتف من تلك الدرة بأنها صارت يتيمة، لا رق لأمهما التي خربت ديارها لكونها مخدرة كريمة، ولم يكن لها مدافع ولا عنها ممانع فطلب من الجلادين من يعتمد في ذلك عليه، فلم تطب نفس أحد أن تمتد يده بمكروه إليه، ومضى على ذلك مدة، والخلق بسبب هذه القضية في ضيق وشدة، حتى وجدوا عبداً أسود، كأنه للبلاء مرصد، وكأن الشياطين له عبدة والعفاريت جنود وحفدة، وثوب ليل القهر من سدا سواده انتسج، وأصل الشجرة التي طلعها كأنه رؤوس الشياطين من حبة فؤاده نبتت فنتج، يستلذ عند صدى صوته خوار الثيران، ويستحسن عند خيال صورته مشاهدة الغيلان قلت

ص: 78

زبانية النيران تكره وجهه

وحين تراه تستعيذ جهنم

قد نزع الله من قلبه المرحمة، وجبل فؤاده على المأثمة فأرغبوه أن يختلهما، ويقتلهما، وكانت عين سليمان خان رمدا، وقد سكن في حجر دايته وتهدى فدخل عليه ذلك الظالم من ساعته، واغتاله وهو راقد في حجر دايته، وضربه في جنبه بخنجر، وأنفذه من الجنب الآخر، فارتفع الضجيج والولولة، ووقع العجيج في الناس والزلزلة، وعم المأتم أمه الوالهة وأهلها، وطفق الناس يبكون عليها ولهاً، والظاهر أن هذه الأمور، كانت بإشارة تيمور، وعسكر ذلك الظلوم الكفار، ما كان يخلو عن مثل هذه الشرور والأشرار، ولو كان فاعله من غيرهم، لكن لعلة المصاحبة والمرافقة كان يسير بسيرهم

‌حكاية

لما ارتحل من الشام بجنوده الغزيرة، كان مع واحد منهم أسيرة، كشفت أيدي النوائب قناع عصمتها ولطمتها، وعلى يدها بنت لها

ص: 79

رضيع ففطمتها، فلما قربوا من حماة، جعلت البنت تئن أنين الأواه، ولما بها من المضض المنكى تنكد وتبكي ومعهم جمال من بغداد، منطو على الفساد، محتو على النكاد، مجبول على الغلاظة والقساوة، معمول من الفظاظة والغباوة، ممتلئ من البذا متضلع من الأذى، لم يخلق الله تعالى في قلبه من الرحمة شيئاً فينتزع، ولم يودع لسانه لفظاً من الخير فيستمع، فأخذ تلك البنت من أمها، فدار في وهما أنه إنما أخذها ليخفف عنها من همها، وكانت راكبة على جمل ثم انقطع ساعة عن الثقل ثم وصل ويده خالية وقهقهته عالية، فاستكشفت أمها حالها، فقال مالي ومالها فهوى عقلها ووهى، فطرحت نفسها ونحت نحوها، فأخذتها وانقلبت وأتت بها وركبت، فتناولها منها مرة أخرى، على أن لا يسومها ضراً، ثم غاب عنها ورجع وقد صنع كما صنع، فألقت نفسها ثانية، وعدت إليها ثانية وجاءت وهي عانية، وقطوف حياتها دانية، فركبت وأخذتها، وضعتها على كبدها التي منها فلذتها، فأخذها منها مرة ثالثة، بنية في الفساد عابثة، وحلف لها يميناً حانثة أنه بحملها ينوء، ولا يمسها

ص: 80

بسوء، فحملها ساعة ثم خرج عن سنة الجماعة، ورمى بها في بعض البطاح وفعل بها ما فعله اليهودي بصاحبه الأوضاح وجاء ويده الدامغة، في الإثم ملأى ومن البنت فارغة، وقد سلبها سلبها، وجلب إلى أمها جلبها، فاطرحت نفسها باكية، ورامت الرجعى جارية، فقال لها لا تتعبي، كفيتك همها فارجعي واركبي، فبكت وصاحت، وأنت وناحت، ووقعت في العناء وإن كانت قد استراحت، والناس على دين ملوكهم، سالكون طرائق سلوكهم

‌سبب دخوله إلى عراق العرب

وإن كان إيذاؤه لا يحتاج إلى علة وسبب

ولما خلص لتيمور جميع ممالك العجم، ودانت له الملوك والأمم، وانتهت مراسيمه إلى حدود عراق العرب، غضب السلطان أحمد صاحب بغداد واضطرب، فجهز جيشاً عرمرماً، وجعل رئيسهم أميراً مقداماً مقدماً، يدعى سنتاي، فتوجه الجيش نحو الجغتاي، فبلغ تيمور خبر الجيش وخبره، فسر بذلك قلبه وانشرح صدره، فجعل ذلك سبباً لمهاوشته، وذريعة لمحاربة ملك العراق ومناوشته، وأنفذ جيشاً كراراً، بل بحراً زخاراً، فتلاقيا بصدق نية، على مدينة

ص: 81

سلطانية، فصدق كل منهما صاحبه الضراب، وسدد لنحره ألسنة الأسنة وسهام الحراب، واستمد بحر الجغتاي من أفواج أمواجه واصطدم، فانكسر في قساطله قنيات جند سنتاي فانهزم، ووصل فلهم إلى بغداد، وتشتتوا في البلاد فألبس السلطان أحمد سنتاي المقنعة، وأشهره في بغداد بعد أن ضربه وأوجعه، وكف تيمور عن عناده، وقفل متوجهاً إلى بلاده

‌سكون ذلك الزعزع الثائر

وهدوء ذلك البحر المائر لتطمئن منه الأطراف فيحطمها كما يريد ويدير بها

الدوائر

ثم إن تيمور خرج من سمرقند إلى ضواحيها، وجعل ينتقل في جوانبها ونواحيها، وبنى حواليها قصبات سماهن بأسماء كبار المدن والأمهات، وقد صفت له سمرقند وولاياتها، وممالك ما وراء النهر وجهاتها، وتركستان وما فيها من البلاد ونائبها من جهته يدعى خدايداد وخوارزم التي بها فتك وسطا، وكاشغر وهي في نحر ممالك الخطا، وبلخشان وهي ممالك على حدة عن ممالك سمرقند متباعدة، وأقاليم خراسان وغالب ممالك مازندران،

ص: 82

ورستمدار وزاولستان وطبرستان والري وغزنة واستراباد، وسلطانية وقزوين وسائر تلك البلاد وجبال الغور المنيعة، وعراق العجم وفارس الشامخة الرفيعة، وكل ذلك من غير منازع، ولا مجاذب ولا ممانع، وله في كل مملكة من هذه الممالك ولد، أو ولد ولد أو نائب معتمد

‌إنموذج مما كان يغور ذلك الظلوم الكفور

من عساكره في بحور، ويغوص على أمور، ثم يفور بشرور ومن جملة ذلك غوصه مما

وراء النهر وخروجه من بلاد اللور

ثم إنه مع اتساع مملكته وانتشار هيبته وصولته وشيوع أراجيفه في الأقطار، وبلوغ تخاويفه تجاويف الأقاليم والأمصار، وثقل أثقاله، وعدم اختفاء توجهه إلى جهة وانتقاله، كان يجري في جسد العالم، مجرى الشيطان من ابن آدم، ويدب في البلاد، دبيب السم في الأجساد قلت

يصوب يمنة ويصيب يسرة

وينوي جبهة والقصد نقره

بينا يكون له في المشارق بيارق فيالق، إذ لمع له في الغرب بوارق

ص: 83

بوائق، وبينما نغمات طبوله وضربات أعواده تقرع في حصار العراق وأصبهان وشيراز، وإذا برنات أوتاره وبوقات أبواقه تسمع في مخالف الروم ومقام الرهاوي وركب الحجاز فمن ذلك أنه مكث في سمرقند مشغولاً بإنشاء البساتين وعمارة القصور، وقد أمنت منه البلاد واطمأنت الثغور، فلما انتهت أموره وبلغ الكمال قصوره، أمر بجمع جنده، إلى سمرقنده، ثم أمرهم أن يصنعوا لهم قلانس ابتدعها، وعلى صورة من التركيب والتضريب اخترعها، فيلبسونها ويسيرون، وما بين إلى أين يصيرون، ليكون ذلك لهم شعاراً، وقد كان أرصد له في كل جهة من مماليكه جشاراً، ثم رحل عن سمرقند، وأشاع أنه قاصد خجند، وبلاد الترك وجند ثم إنه اندمس في دردور عسكره وإنقمس، كأنه في لجة بحر انغمس، ولم يشعر أحد أين عطف، ولا أنى قصد المختطف، ولا زال في تأويب وآساد، وجوب بلاد بعد بلاد، يسر سير الكواكب، ويجري جري المراكب ويطرح ما وقفه وكل من نجائب الجنائب، حتى نبع من بلاد اللور، ولم يكن لأحد به شعور، وهي بلاد عامرة، خيراتها

ص: 84

متكاثرة وفواكهها وافرة، اسم قلعتها بروجرد وحاكمها عز الدين العباسي، وقلعتها وإن كانت في الحضيض لكن كانت تسامي بمناعتها حصون الجبال الرواسي، وهي مجاورة همذان ومتاخمة عراق العرب كأذربيجان، فأحاط بالقلعة وما حواليها وحاصر ملكها المتولي عليها ولما كان صاحبها بلا عدد ولا عدد ولا أهبة ولا مدد، وكان في صورة المتوكل المحتسب وأتاه البلاء من حيث لا يحتسب، لم يسعه إلا طلب الأمان، والانقياد له والإذعان، فنزل إليه وسلمه قياده فقبض عليه وضبط بلاده، ثم أرسله إلى سمرقند وحبسه، وضيق عليه نفسه ونفسه، ثم بعد ذلك بمدة حلفه ورفع عنه ما نابه وصالحه على جمل من الخيل والبغال، ورده إلى بلاده، واستنابه

ولما استخلص ذلك الكفور ولايات تلك الكفور، واصل السير إلى همذان، في أقرب زمان، فوصل إليها وأهلها غافلون فجاءها البأس بياتاً أو هم قائلون، فخرج إليه منها رجل شريف يقال له " مجتبى " وكان عند الملوك مصطفى ولديهم مرتضى، فشفع فيهم فشفعه على أن يبذلوا مال الأمان، ويشتروا بأموالهم ما من عليهم

ص: 85

من الأرواح والأبدان، فامتثلوا أمره وفعلوا، ووزعوا ذلك فجمعوه، وإلى خزائنه نقلوا، فدعته نفسه الجانية أن طرح عليهم المال ثانية، فخرج إليه ذلك الرجل الجليل، ووقف في مقام الشفاعة مقام البائس الذليل، فقبل شفاعته، ووهبه جماعته، ثم إنه سدك بمكانه وجثم، حتى تلاحق به عسكره والتأم

‌ابتداء تخريب ذلك الخرب أذربيجان

وممالك عراق العرب

ولما بلغ السلطان أحمد بن الشيخ أويس ما فعله بغنم رعايا جيرانه اللور وهمذان ذلك الأويس، وعلم أنه لابد له من قصد مملكته ودياره، لأنه هو بادأه بالشر وطرح على شراره طائر شراره، وإن عسكره وإن كان كالسيل الهامر فإنه لا مقاومة له ببحره وتياره، وأنه إذا جاء نهر الله بطل نهر عيسى، ولا مقابلة لسحرة فرعون مع عصا موسى قلت

السيل يقلع ما يلقاه من شجر

بين الجبال ومنه الصخر ينفطر

حتى يوافى عباب البحر تنظره

قد اضمحل فلا يبقى له أثر

فاستعد للبلاء قبل نزوله، وتأهب له قبل حلوله فتشمر للهزيمة،

ص: 86

وعلم أن إيابه سالماً نصف الغنيمة، واقتصر من بسيط فقه المقاتلة والمقابلة على الوجيز، وصمم على الخروج من ممالك بغداد والعراق وتبريز وقال لنفسه النجاء النجاء وجهز ما يخاف عليه صحبة ابنه السلطان طاهر إلى قلعة النجا، وأرسل إلى تيمور الأشعار والهجاء، فمن ذلك ما ترجمته فقلت

لئن كانت يدي في الحرب شلا

فرجلي في الهزيمة غير عرجا

ثم قصد البلاد الشامية، وذلك في سنة خمس وتسعين وسبعمائة، في حياة الملك الظاهر أبي سعيد برقوق رحمه الله تعالى فوصل تيمور إلى تبريز ونهب بها الذليل والعزيز، ووجه إلى قلع النجا العساكر لأنه كانت معقل السلطان أحمد وبها ولده وزوجته والذخائر، وتوجه هو إلى بغداد ونهبها ولم يخربها ولكن سلبها سلبها وكان الوالي بالنجا رجلاً شديد البأس يدعى ألتون، عند السلطان أحمد مأمون، وله إليه ركون، ومعه جماعة من أهل النجدة، وأولي البأس والشدة، نحو من ثلاثمائة رجل في العدة وكان ينزل بهم ألتون إذا أخذ الليل في السكون، ويشن الغارة على تلك العساكر

ص: 87

والمكان المسكون، فوهن أمر العسكر فأبلغوا تيمور هذا الخبر فأمدهم بأربعين ألف مقاتل مشهور مع أربعة أمراء كبيرهم يدعى قتلغ تيمور، فوصلوا إلى القلعة ولم يكن إذ ذاك ألتون بها، وكان قد خرج للغارة على من في ضواحيها، فبينا هو راجع وإذا بالنقع ساطع فلما اطلع طلع الخبر قال " أين المفر " فقيل كلا " لاوزر " فعلم أن لا ملجأ من الله إلا إليه، فثبت جأشه وحاشيته وتوكل عليه، وقال إن الرؤوس في مثل هذا المقام إنما يكونون تحت الأعلام، فاحطموا نحو قلب هؤلاء اللئام، فأما أن تبلغوا المرام أو تموتوا على ظهر الخيل وأنتم كرام، إذ لا ينجيكم من هذا الكرب سوى الطعن الصادق والضرب، قلت

كريماً مت وإلا مت لئيما

فما والله بعد الموت موت

فتعاضدوا بهمة صادقة، وعزيمة على حصول الخلاص من الله تعالى واثقة، وقد أحاطوا بهم إحاطة الشبكة بالسمكة، وصاروا في وسطهم كالمغزل في الفلكة، وقصدوا الراية وحامليها، ومن يليها وذويها، فساعدهم ساعد سعد لحيان بنصرته، وحل عنهم القبض الداخل

ص: 88

وأنكيس عقلته، فاسالوا على راياتهم ذات البياض من الدماء حمرة، وفتحت لجماعتهم طريق إلى عتبة النصرة، فلاح لهم فلاح وجنح لهم نجاح، فنجوا من الشرور، وحصل لهم السرور، بعد أن قتلوا من العسكر أميرين أحدهما قتلغ تيمور ولما وصل هذا الخبر إليه، اسودت الدنيا في عينيه، بل انقلب الكون والمكان عليه، ثم نهض إليها بنفسه، وربض عليه بحرسه، وأحاط بجوانبها وألقم الحرس أفواه مضاربها

‌صفة قلعة النجا

وهذه القلعة أمنع من العقاب، وأرفع من السحاب، يناجي السماك سماكها، ويباهي الأفلاك استمساكها، كأن الشمس في شرفها ترس من الإبريز على بعض شرفها، وكأن الثريا في انتصابها، قنديل معلق على بابها، لا يحوم طائر الوهم عليها، فأنى يصل طائش السهم إليها، ولا يتعلق بخدم خدمتها خلخال خيال وافتكار، فضلاً عن أن يحلق على معصم عصمتها من عساكر الأساورة سوار وكان ألتون قد تربى في ترائب ترابها، وأهل مكة أخبر بشعابها، فصار كلما سجى الليل الساجم، وأرصد

ص: 89

لسراق الشياطين عيونه الرواجم، هبط من تلك القلال، وسرى سري طيف الخيال ودب دبيب الشحم في اللحم، والماء في العود والنار في الفحم، من درب لم تتوهمه الظنون، بعون من لا تراه العيون، بحيث لا يشعر به الحرس، ولا يبصر به العسس، ولا يزال يتلو عليهم آيات الإغفاء، وينفث بطلسمات الاستخفاء، ويتقرب ويترقب، حتى يلوح له في الحي مضرب، فيقتل ويسلب، وينهب ويهرب، فيكر سالماً ويفر غانماً فلم يزل ذلك دأبهم ودأبه، حتى أعجز تيمور وأصحابه، فلم ير تيمور أوفق من الارتحال، لضيق المجال وعسر المنال، فارتحل عنها بعد أن رتب عليها للحصار اليزك، واستمر الحصار مدة طويلة والقضاء يقول له اصبر فإنها لن تعجزك، قيل إنها مكثت في الحصار اثنتي عشرة سنة وسبب أخذه لها أن ألتون المذكور، كان له أخ بالفسق مشهور، فحصل بينه وبين أم السلطان طاهر، خيانة أوجبت عليها ما يجب على العاهر، فاطلع على ذلك طاهر بن السلطان أحمد، فقبض عليهما، وقتلهما، سالكاً في ذلك الرأي الأحمد وكان إذ ذاك ألتون عن القلعة غائباً، قد خرج منها

ص: 90

وقصد للغارة جانباً، فلما رجع ألتون أغلقوا باب القلعة عليه، ورموا بأخيه من فوق السور إليه، وأخبروه خبره، وعجره وبجره، فقال جزاكم الله أحسن الجزاء، وجعل حظكم من الخيرات أوفر الأجزاء لو كنت عالماً فعله، أو حاضراً قتله، لعاملته بما هو أهله، وفعلت به ما يجب فعله، ولحل به من الزمان دواهيه، وأريتكم العبر فيه، ولأشهرته في خلق الله تعالى وبريته، وناديت عليه هذا جزاء من يخون ولي نعمته ثم طلب الدخول فقطعوه عن الوصول، فقال أما أخي فإنه جنى فذاق ثمرة ما جناه، وأما أنا فقلبي على الوفاء بعهدكم من الأزل وإلى حين وفاتي لم أزل موالي وليكم ومعادي عدوكم فإن طردتموني فإلى أين أذهب، وإن رددتم رغبتي فيكم ففيمن أرغب، فقالوا ربما أدركتك الحمية، ولحقتك العصبية، فتذكرت أخاك، وتفكرت شدتك بعد رخاك فنقمت، وانتقمت، واعوججت بعد أن استقمت، وتكدر منك ما صفا وظهر ما اختفى، ناهيك قصة الأخوين مع ذات الصفا قلت

ص: 91

ويمكن وصل الحبل بعد انقطاعه

ولكنه تبقى به عقدة الربط

فأنشأ أيماناً واثقة، أن كلماته وعهوده صادقة، فقالوا له لا تطل الحديث فما حييت مالك عندنا مقيل ولا مبيت، فارجع من حيث جئت، وهذا آخر العهد منك غضبت أم رضيت، فأخذ يذم دهره، ويعض يديه ندامة وحسرة، على أنه أنفذ عمره، في طاعة من لم يعرف قدره، ثم دنى فتدلى، وعبس وتولى، وسيب فرسه وماله، وفرق خيله ورجاله، ولما لم يكن له ملجأ، سوى قلعة النجا وقد خرجت من يده، وألقت النار في كبده، ضرب أخماساً لأسداس، فيمن يقصده من الناس ثم أورى برأيه الزند، أن يقصد مدينة مرند، وكانت تحت حكم تيمور، وفيها أوامره تمور، فسالمها وقصد حاكمها لابساً لبدا، وتاركاً مالاً وولدا، لما اتصل بحاكمها الخبر، أحاط به الجبن والخور، فاضطرب واقشعر، واضطرم واعتكر، وأخذ الحذر ورام المفر، فقيل أنه وحده من غير رجال وعدة، فرجع عقله إليه، ودخل ألتون عليه، فأخذ في التفتيش عن أموره، ثم قطع رأسه وأرسله إلى تيمور، فتحرق لذلك

ص: 92

وانتكى وتأسف عليه وبكى، وأرسل إلى قاتله فعزله، ثم صادره وقتله

ثم أن السلطان طاهر لما أحدث هذا الحدث وتنجس بهذه الخبائث والخبث لم يمكنه الإقامة فأذن بالرحيل، وأم بجماعته قبل التحويل، إذ نشز عنه مخدرات القلعة فعجز عن إحصان تحصينها، وعنن في افتضاض أبكارها وعونها وقل جيشه وفل، فسل متاعه منها وانسل، فذل لتيمور صعابها، وفتح له من غير معالجة بابها، فولى فيها من يثق به من الأعوان، ووصى به لعلة المجاورة الشيخ إبراهيم حاكم شروان، ثم ثنى عنان الفساد، إلى صوب بغداد، فهرب السلطان أحمد كما ذكر إلى الشام في فئة، وذلك في شوال سنة خمس وتسعين وسبعمائة، فوصل إليها حادي عشريه يوم السبت، فكبتها وما حواليها أي كبت، " ثم صدر هو وقبيله عن ولاية بغدان قاصدين ديار بكر وأرزنجان "

‌ذكر أخبار صاحب بغداد وأسماء آبائه

والأجداد وكيفية دخوله إلى هذه البلاد

وهو السلطان مغيث الدين أحمد بن الشيخ أويس بن الشيخ حسن بن حسين ابن آقبغا بن أيلكان صاحب بغداد وأذربيجان، وما أضيف

ص: 93

إلى ذلك من ولايات وممالك، وأيلكان جده الأعلى ابن القان الكبير النجيد شرف الدين سبط القان أرغون ابن أبي سعيد وكان والده الشيخ أويس من أهل الديانة والكيس، ملكاً عادلاً، وإماماً شجاعاً فاضلاً، مؤيداً منصوراً صارماً مشكورا، قليل الشر كثير البر، صورته كسيرته حسنة، وكانت دولته تسع عشرة سنة، وكان محباً للفقراء، معتقداً للعلماء والكبراء وكان قد أخبر في منامه بوقت موافاة حمامه، فاستعد لحلول فوته، ورصد نزول موته، وخلع من الملك يده، وولاه حسيناً ولده، وهو أكبر بنيه، والأفضل من أهله وذويه، ونبذ أدانيه ودنياه، وأقبل على طاعة مولاه، واستعطفه إلى الرضا، والعفو عما مضى، ولازم صلاته وصيامه، وزكاته وقيامه، ولا زال يصلي ويصوم، حتى أدركه ذلك الوقت المعلوم، فأظهر سره المصون، وتلا " فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " فدرج على هذه الطريقة الحسنة، وقد جاوز نيفاً ثلاثين سنة، ومن مغرب تبريز أفل قمره، وفي سنة

ص: 94

ست وسبعين وسبعمائة وصل إلى الشام خبره واستقر ولد جلال الدين حسين مكانه، وأفاض على رعيته فضله وإحسانه، وكان كريم الشمائل، جسيم الفضائل، وافر الشهامة، ظاهر الكرامة، أراد أن يمشي على سنن والده، ويحيي ما دثر من رسوم آثاره ومعاهده، فخذلته الأقدار، وخالطت صفو مساعيه الأكدار وفي سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة وصل من قصاده إلى الشام فئة، وهم القاضي زين الدين علي بن جلال الدين عبد الله بن نجم الدين سليمان العبايقي الشافعي، قاضي بغداد وتبريز، والصاحب شرف الدين بن الحاج عز الدين الحسين الواسطي وزير السلطان وغيرهما ثم في جمادى الآخرة من هذه السنة وثب السلطان أحمد على أخيه المشار إليه فقتله، وقام لينصر الملك والدين مكانه فخذله فملأ جفن حياته من الفناء سنة، وعمره إذ ذاك نيف وعشرون سنة ولما استولى السلطان على ممالك العراق، مد يد تعديه وضم جناح الشفقة والإرفاق، وشرع يظلم نفسه ورعيته، ويذهب في الجور والفساد يومه وليلته، ثم بالغ في الفسق والفجور، فتجاهر

ص: 95

بالمعاصي وتظاهر بالشرور، واتخذ سفك الدماء إلى سلب الأموال وثلم الأعراض سلما فقبل إن أهل بغداد مجوه، واستغاثوا بتيمور، فأغيثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، فلم يشعر إلا والتتار قد دهمته، وعساكر الجغتاي خيلاً ورجلاً حطمته، وذلك يوم السبت المذكور، من الشهر المشهور، فاقتحموا بخيلهم دجلة وقصدوا الأسوار، ولم يمنعهم ذلك البحر البتار، ورماهم أهل البلد بالسهام وعلم أحمد أنه لا ينجيه إلا الانهزام، فخرج فيمن يثق به قاصد الشام، فتبعه من الجغتاي قوم لئام، فجعل يكر عليهم ويردعهم، ويفر منهم فيطمعهم، وحصل بينهم قتال شديد، وقتل من الطائفتين عدد عديد، حتى وصل إلى الحلة، فعبر من جسرها نهر دجلة، " ثم قطع الجسر ونجا من ورطة الأسر، واستمرت التتار في عقبه تكاد أنوفها تدخل في ذنبه فوصلوا إلى الجسر ووجدوه مقطوعاً، فتزاموا في الماء وخرجوا من الجانب الآخر ولم يزالوا تابعاً ومتبوعاً ففاتهم ووصل إلى مشهد الإمام وبينه وبين بغداد ثلاثة أيام "

‌ذكر ما افتعله من الخديعة والمكر

في بلاد أرزنجان وديار بكر

ص: 96

فوصل إلى ديار بكر واستخلصها، ومن أيدي ولاتها خلصها، فعصت عليه قلعة تكريت فتسلط عليها من عساكره كل عفريت، وذلك يوم الثلاثاء رابع عشر ذي الحجة، وقد ارتجت منه البلاد أشد رجة، فحاصرها وأخذها في صفر بالأمان، ونزل إليه متوليها حسن بن يولتمور متدرع الأكفان، وفي حضنه وعلى عاتقه أطفاله، وقد ودعه أهله وماله، وأسلمته خيله ورجاله، وذلك بعد أن عاهده أن لا يريق دمه، فأرسله إلى حائط فقضه عليه وردمه، وقتل من بها من رجال وسبى النساء وأسر الأطفال، وجعل يعيث ويستأصل، ويقطع في الفساد ويوصل حتى أناخ يوم الجمعة حادي عشرين صفر سنة ست وتسعين على الموصل، فأخربها وكسرها، ثم أتى رأس عين ونهبها وأسرها، ثم إلى الرها تحول، ودخلها يوم الأحد غرة شهر ربيع الأول، فزاد عيثاً وفساداً، وجارى فيما عاند ثموداً وعادا، وخرج من تلك البلد، ثاني عشرين يوم الأحد ثم اختار من نسور قومه طائفة، على ورد الدماء حائمة وعلى قتل المسلمين عاكفة، فأخذهم واندغر وفي ممالك ديار بكر انغمر، ولم يزالوا بها عائثين، ولأذاها قاصدين،

ص: 97

وعليها ظالمين، وفيها ماردين، فقصدها بتلك العفاريت المصاليت، وواصل السير إليها فوصلها في خمسة أيام من تكريت، ومسافة ما بينهما للمجد، اثنا عشر يوماً إن لم تزد، وكان سلطانها الملك الظاهر تحقق أنه لا يضر من التجأ إليه، وقدم في ثوب الطاعة عليه، فما وسعه إلا التشبث بذيل ذممه، والانتظام في سلك خدمه

‌ذكر ما جرى لسلطان ماردين عيسى

الملك الظاهر من المحنة والبلاء مع ذلك الغادر الماكر

لكنه خاف غائلته، فجمع حاشيته وصاغيته، وقال إني ذاهب إلى هذا الرجل، ومظهر له الانقياد، فإن ردني حسبما أريد فهو المراد وإن طالبني بالقلعة، فكونوا أنتم على التأبي والمنعة، وإياكم أن تسلموها إليه، أو تعتمدوا في الكلام عليه، وإن دار الأمر بين تسليم القلعة وبين إتلافي، فاحتفظوا بالقلعة واجعلوا التلافي في تلافي، فإنكم إن تسلموها إليه، خرجتم من باطنكم وظاهركم، وأتى بالهلاك على أولكم وآخركم، وخسرتم شعاركم ودثاركم، وغبنتم أنفسكم ودياركم، وإذا كان كذلك فأنا أجعل نفسي فداكم، وأكفيكم بروحي

ص: 98

ما داهاكم، وبعض الشر أهون من بعض، وها أنا أجس لكم النبض ثم قصد ذلك الكالح والمفسد الطالح، بعدما استخلف ابن أخيه الملك الصالح شهاب الدين أحمد بن الملك السعيد اسكندر بن الملك الصالح الشهيد، ونزل يوم الأربعاء خامس عشري شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وسبعمائة، واجتمع به في سلخه بمكان يسمى الهلالية، فقابله بشنعة، وقبض عليه بسرعة، وطلب منه تسليم القلعة فقال القلعة عند أربابها وبيد أصحابها وأنا لا أملك إلا نفسي فقدمتها إليك، وقدمت بها عليك، فلا تحملني فوق طاقتي، ولا تكلفني غير استطاعتي فأتى به إلى القلعة وطلبها منهم فأبوا، فقدمه إليهم ليضرب عنقه أو يسلموه فنبوا، فطلب منه في مقابلة الأمان من الدراهم الفضية مائة تومان وكل تومان ستون ألفاً، خارجاً عما يتقرب به إليه زلفى، ثم إنه شد وثاقه، وسد عليه ليذهب عنه ما به من قوة كل باب وطاقه، وشمر للفساد ذيله، وجعل يريح رجله ويسمن خيله، ويتفوق كاسات فساده، ويعربد على عباد الله وبلاده، واستمر على ذلك لا يعي ولا يفيق، ويتردد ما بين الفردوس

ص: 99

إلى رسمل ونصيبين والموصل العتيق ثم أمر عساكره في جمادى الآخرة أن يمروا قاصدين، ويقصدوا ماردين، فسابقوا الطير ولاحقوا السير، وجازوا بالنهار الأنهار وبالليل السيل، فقطعوا فقار القفار، قطع الهندي وعملوا في تلك الجبال والقلال بما قاله الكندي وهو

سموت إليها بعد ما نام أهلها

سمو حباب الماء حالاً على حال

فوصلوا إليها على غفلة، واحتووا عليها من غير مهلة، وذلك يوم الثلاثاء ثاني عشره، وقد سل الصبح حسام فجره، وطار غراب الدجى عن وكره، فصاروا سوار معصم تلك الأسوار، وأحلوا الدمار هاتيك الديار، فعموها رجفاً، وساموها خسفاً، وهدوها زحفاً، ودكوها وجفاً، وتعلقوا بأهداب أرجائها وتسلقوا بالسلالم من أرضها إلى سمائها، وكان متسلقهم على الأسوار، من القبلة رابية اليهود، ومن الغرب التلول، ومن الشرق المنشار، فأخذوا المدينة عنوة وقسراً، وملؤها فسقاً وكفرا، وترفع أهل المدينة إلى القلعة، ولم يكره أحد سواهم علو المنزلة والرفعة، واكوهدوا ملتجئين إلى قوادمها وخوافيها، وذب عنهم من القلعة بالسهام والمكاحل من كان فيها،

ص: 100

فقتلوا من ظفروا به ذكراً أو أنثى صغيراً أو كبيراً، ولم يرتضوا بما فيها نهباً وبمن فيها أسيرا، فجالد بعض الناس وأظهر لهم بعض جلادة وأراد بتثبته لهم أن يضم الجهاد إلى الشهادة، ولا زالت آيات القتال عليهم تتلى، حتى امتلأت المدينة من الجرحى والقتلى، واستمر ذلك من قبل طلوع الشمس، إلى أن صار اليوم الأمس وحين التقى على وجنتي الكون عارضا الليل، واستوفى أولئك المطففون من ظلمهم وتعديهم الميزان والكيل، وبادر نون الظلام يؤنس الشمس بالالتقام، طرأ على تلك الحركات السكون فتراجعوا ونزل العسكر مقابل عربون، وقد قتل من العسكرين ما سبق العدد، وأكثرهم كان من أهل البلد، فباتوا يعدون السلاح ويثقفونه، وينتظرون الصباح ويستبطئونه، إلى أن شق الليل مكتوم جيبه، وأظهر الظلام مكنون غيبه، وأمر الكون وجه النهار أن يضرب على جنبي الآفاق أطراف شيبه، بكروا بكور الغراب وبدروا إلى الحراب والخراب، وعصروا أهل المدينة وحاصروها أشد حصر، وهدموها وأسوارها من الظهر، فمحوا آثارها بعد العصر، ثم باءوا بالآثام

ص: 101

وقد انتشر كظلمهم الظلام

‌إيضاح ما أخفاه من الحيلة

وصلود زند تلك الأفكار الوبيلة

ولما آب أمله بالخيبة، ولم يمكنه تحصيل القلعة بالهيبة، شحذ فكراً وجدد مكراً، وتاب عن المقابحة، وثاب إلى المصالحة، فردع ذلك الخميس، في نهار الخميس وأرسل إليهم يقول، ضمن كتاب مع رسول علم أهل قلعة ماردين والضعفاء والعجزة المساكين والعطاش أننا قد عفونا عنهم وأعطيناهم الأمان على نفوسهم ودمائهم، فليأمنوا وليضاعفوا لنا الأدعية وهذه الرسالة نقلتها كما وجدتها، فما استب كيده، ولا أنجح قصده، لأن رصدها كانوا غير راقدين، وشياطين حرسها كانوا كهى ماردين، فارتحل ذلك البلية بكرة السبت إلى البشرية، وأرسل إلى آمد الجنود مع أمير يدعى سلطان محمود، فتوجه بجيش طام وحاصرها خمسة أيام وأرسل يستمده عليها، فتوجه بنفسه إليها، وأحلها الهوان، فطلبوا الأمان، فأمن البواب، ففتح له الباب فدخل من باب التل، ووضع السيف في الكل، فأباد الجميع وأبار العاصي والمطيع وأسروا

ص: 102

الصغار، وهتكوا أستار الحرم وحرم الأستار، وأذاقوا الناس لباس البأس، والتجأ بعض الناس إلى الجامع، فقتلوا منهم نحو ألفي ساجد وراكع، ثم حرقوا الجامع، ورحلوا وتركوها بلاقع، فهداه إبليس إلى أخذ قلعة أرجيس ثم بادر بالتحريك وحط على قلعة أونيك وفيها مصر بن قرا محمد أمير التركمان، فحاصرها وأخذها بالأمان، وذلك في سنة ست وتسعين وسبعمائة بعد عيد رمضان، ثم قتل كل من كان بها من الجند، وصير مصر إلى سمرقند " فصل " ثم استصحب الملك الظاهر بسوء نية ورحل سابع ذي القعدة سنة ست وسبعين وسبعمائة، وحبسه في مدينة سلطانية، وحبس عنده من أمرائه الأمير ركن الدين وعز الدين السليماني واسنبوغا وضياء الدين وضيق عليه بأن يقطعوا عن أهله خبره، بحيث لا يدري أحد عجره وبجره، ولما أثخنه وشد الوثائق قصد التوجه إلى دشت قبجاق، فأجرى نحوها ما أقام من الفتنة على قدم وساق، ومكث الملك الظاهر سنة لا يدري أحد خبره في يقظة ولا سنة ثم وفدت

ص: 103

الملكة الكبرى إلى سلطانية وخففت عنه ما به من ضيق وبلية، وفسحت له في مراسلة جماعته، وحرضته على طلب الدخول في رضى تيمور وطاعته، زاعمة أنها ناصحة له وطالبة مصلحته، وكان ذلك من مكايد تيمور وبإشارته

ثم رجع تيمور من الدشت في شعبان سنة ثمان وتسعين فمكث بسلطانية ثلاثة عشر يوماً ثم توجه إلى همذان، ومكث بها إلى ثالث عشر شهر رمضان، ثم استدعى من سلطانية الملك الظاهر، بإكرام تام وانشراح صدر وخاطر، ففكوا قيوده وقيود متعلقيه وعظموه غاية التعظيم مع ذويه، وتوجه إليه يوم الخميس خامس عشره ودخل عليه يوم السبت سابع عشره، فتلقاه بالاحترام واعتنقه، وأذهب عنه دهشته وقلقه، وقبله في وجهه مراراً واعتذر إليه مما فعله معه جهاراً، وقال له إنك لله ولي، ورفيع القدر كأبي بكر وعلي، وتحلل منه عما صدر في حقه عنه، وأضافه ستة أيام، وخلع عليه خلع الملوك العظام، وأحله محلا جميلا، وأعطاه عطاء جزيلا، من ذلك مائة فرس وعشرة بغال وستون ألف دينار كبكية وستة جمال، وخلع مزركشه مكلله،

ص: 104

وإنعامات وافرة مكملة، ولواء يخفق على رأسه منصوراً وستة وخمسين منشورا، كل منشور بتولية بلد، وأن لا ينازعه فيه أحد، أول ذلك الرها إلى آخر ديار بكر إلى حدود أذربيجان وأرمينية وكل ذلك من الدهاء والمكر وأن جميع حكام تلك البلاد يكونون تحت طاعته معدودين في جملة خدمه وجماعته، يحملون إليه الخراج والخدم، ولا ينقلون إلا عن أمره قدماً عن قدم، بحيث يكون شخص كل منهم من مجاوريه بما أفاء الله عليهم لظله فيئا، ويعفى هو فلا يحمل إلى تيمور ولا غيره شيئاً، وهذا وإن كان في الظاهر كالإكرام، فإنه فيما يؤول إليه وبال عليه وانتقام، وفيه كما ترى ما فيه، وإلقاء العداوة بينه وبين مجاوريه، وينجر ذلك إلى أن يلتجي إليه ويعول في كل أموره عليه، ويدخل لكثرة الأعداء تحت ضبنه، فيصل إذ ذاك منه إلى حصنه ثم إنه شرط عليه أنه كلما طلبه جاء إليه، ثم عانقه وودعه، وأمر أمراءه لتشييعه فخرج من الضيق إلى السعة، لثالث عشر شهر رمضان ليلة الجمعة، سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، فوصل إلى سلطانية، في عيشة رضية، وحالة

ص: 105

هنية ثم عزم على تبريز في جحفل نفيس عزيز واجتمع بأميران شاه فزاد في إكرامه وعطاياه شيعه في أحسن هيئة وأيمن طور فجاء على وسطان بدليس وأرزت إلى الصور ووصل خبره إلى قبائله والعشائر، فابتهج الناس ودقت البشائر، فوصل يوم الجمعة حادي عشري شوال، وخرج أهل المدينة والأكابر للاستقبال، وسبق الناس ولي عهده الملك الصالح، فدخل المدينة بفأل سعيد وأمر ناجح، وتوجه إلى مدرسة حسام الدين، وزار والده وأمواته الماضين، وعزم على ترك التخت المنيف، والتوجه إلى الحجاز الشريف، فلم تتركه الناس خاصة وعامة، وتراموا عليه وقبلوا أقدامه، فصعد إلى محل كرامته، واستقر في كرسي مملكته وسيأتي لهذا الشأن مزيد البيان وما جرى من الأمور عند قدوم تيمور، وحلول عسكره اللئام، ماردين بعد خرابهم ممالك الشام قيل لما استقر الملك الظاهر في مملكته، اجتمع عنده جماعة من أدباء وقدماء حضرته، فاقترح عليهم أن يقولوا في ذلك شيئاً، فقال أولاً

ص: 106

بدر الدين حسن بن طيفور

طغى تمر واستأصل الناس ظلمه

وشاعت له في الخافقين الكبائر

لقد زاد بغياً فافرحوا بزواله

لأن على الباغي تدور الدوائر

فقال ركن الدين حسين بن الأصغر أحد الموقعين ثانياً

كن من رجال إذا ما الخطب نابهم

ردوا الأمور إلى الرحمن واغتنموا

فسلموا الأمر لما أن رأوا خطرا

لذي الجلال فلما سلموا سلموا

فقال القاضي صدر الدين بن ظهير الدين الحنفي السمرقندي ثالثاً

طويل حياة المرء كاليوم في غد

فخيرته أن لا يزيد على الحد

ولا بد من نقص لكل زيادة

وإن شديد البطش يقتص للعبد

ثم قال علاء الدين بن زين الدين الحصني أحد الموقعين رابعاً

لا تحزن فالذي قضى الله يكون

والأمر موكل إلى كن فيكون

ما بين تحرك بلحظ وسكون

الحالة تنقضي وذا الأمر يهون

فأعجبه ذلك وأجازه خمسة آلاف درهم وصرفه والله أعلم

ذكر رجوعه من ديار بكر والعراق

وتوجهه إلى مهامه قبجاق ووصف

ص: 107

ملوكها وممالكها وبيان أوضاعها ومسالكها

ثم إنه رجع من عراقي العرب والعجم، وقد ثبتت له في ممالكها أية قدم، وذلك بعد أن قدم عليه الشيخ إبراهيم وسلمه مقاليد ما بيده من أقاليم، وتقلد طوق عبوديته، ووقف في مواقف خدمته، وانتظم في سلك عبده، وأحله محل ولده، وسنذكر كيف تغرب عليه، ومن أي طريق تقرب إليه فقصد دشت قبجاق وجد في الوخد والأعناق وهو ملك فسيح، يحتوي على مهامه فيح، وسلطانها توقتاميش، وهو الذي كان في حرب تيمور أمام السلاطين المخالفين كالجاليش إذ هو أول من بالعداوة بارزه، وفي بلاد تركستان واقفه وناجزه، ونجده في ذلك كما مر السيد بركة وبلاد الدشت تدعى دشت قبجاق ودشت بركة، والدشت باللغة الفارسية اسم للبرية، وبركة المضاف إليه هو أول سلطان أسلم ونشر بها رايات الملة الإسلامية، وإنما كانوا عباد أوثان، وأهل شرك لا يعرفون الإسلام والإيمان، ومنهم بقية يعبدون الأصنام إلى هذا الأوان فتوجه إلى ذلك الإقليم من طريق الدربند الجاري تحت حكم الشيخ

ص: 108

إبراهيم، وهو سلطان ممالك شروان، ونسبه متصل بالملك كسرى أنو شروان، وله قاض يدعى أبا يزيد، يفضل على جميع أركان دولته بالقرب إليه ويزيد، وهو دستور مملكته، وقطب سلطنته فاستشار في أمور تيمور وما يفعله، أيطيعه أم يتحصن منه أم يفر أم يقاتله؟ فقال له الفرار في رأيي أصوب، والتحصن في الجبال الشواهق أوثق عندي وأعجب فقال ليس هذا برأي مصيب، أنجو أنا وأترك رعيتي ليوم عصيب، وماذا أجيب يوم القيامة رب البرية، إذا رعيت أمورهم وأضعت الرعية، ولا عزمت أن أقاتله، وبالحرب والضرب أقابله، ولكني أتوجه إليه سريعاً، وأتمثل بين يديه سامعاً لأمره مطيعا، فإن ردني إلى مكانتي، وقررني في ولايتي، فهو قصدي وغايتي، وإن أذاني أو عزلني أو حبسني أو قتلني، فتكفي الرعية مؤنة القتل والنهب والأسار، فيولي إذ ذاك عليهم وعلى البلاد من يختار، ثم أمر بالاقامات فجمعت، وأذن للجيوش فتفرقت وتمنعت، وبمدن الولايات أن تتزين وتتزوق، وبسكانها براً وبحراً أن تأمن فتتعامل وتتأنق، وبالخطب أن تقرأ فوق المنابر باسمه، وبالدنانير والدراهم

ص: 109

أن تضرب بوسمه ورسمه، ثم حمل التقادم والخدم، وتوجه إليه بأطيب جأش وأثبت قدم، ولما وفد عليه، وتمثل بين يديه، قدم الهدايا والتحف، وأنواع الغرائب والطرف وعادة الجغتاي في تقديمهم الخدم أن يقدموا من كل جنس تسعة، لينالوا بذلك عند المهدى إليه الكرامة والرفعة، فقدم الشيخ إبراهيم من كل جنس من أجناس ما قدمه تسعة، ومن المماليك ثمانية، فقال له المتسلمون لذلك وأين تاسع المماليك؟ فقال التاسع نفسي العانية، فأعجب تيمور هذا الكلام، ووقع من قلبه بمكان ومقام، وقال له بل أنت ولدي، وخليفتي في هذه البلاد ومعتمدي، وخلع عليه خلعة سنية ورده إلى مملكته مستبشراً ببلوغ الأمنية ثم فرقت تلك الإقامات، وتوزعت الفواكه والطعامات، ففضل منها أمثال الجبال عن ذلك العسكر الذي هو كالحصى والرمال، ثم تركه وسار إلى بلاد الشمال والتتار وسبب آخر لقصده تلك الممالك وإن كان لايحتاج إلى ذلك، أن الأمير إيدكو كان عند توقتاميشس أحد رؤوس أمراء الميسرة والأعيان المتخذين في النائبات لدفعها وأرباب الرأي والمشورة، وقبيلته

ص: 110

تدعى قونكرات، وقبائل الترك كقبائل العرب واللغات كاللغات، وكان إيدكو قد أحس من مخدومه، تغير خاطر خاف منه على نفسه وكان توقتاميش شديد البأس فخشي منه حلول بأسه، فلم يزل منه متحرزاً، وللفرار إذا رأى منه ما يقتضي ذلك مستوفزا، وجعل يراقبه ويراقيه، ويداربه ويداريه، ففي بعض ليالي السرور ونجوم الكاسات في أفلاك الطرب تدور، وسلطان الخمرة قد أنفذ في أسير العقل أمره طفح أن قال توقتاميش لإيدكو، ونور البصيرة يخبو ويذكو إن لي ولك يوما، يسومك الخسف سوما، ويوليك عن موائد الحياة صوماً، ويملأ عين بقائك من سنة الفناء نوماً، فغالطه إيدكو وباسطه وقال أعيذ مولانا الخاقان، أن يحقد على عبد ماخان، وأن يذوي غراس هو أنشأه، أو يهوي أساس هو بناه، ثم أظهر التذلل والخشوع، والتمسكن والخنوع، وتحقق ما كان ظنه، وأعمل في وجه الخلاص ذهنه، واستعمل في ذلك الذكاء والفطنة، وعلم أنه إن أهمل أمره أو أمهله، أنه

فمكث قليلاً واستغفل السلطان، ثم انسلت من بين الحواشي، والأعوان، وخرج

ص: 111

في لجاجة كأنه يريد قضاء حاجة، وأتى إصطبل توقتاميش، بجأش يجيش ولا يطيش، وعمد إلى فرس مسرجة، منجيه منتجة، أقيمت معدة، لكل شدة، وقال لبعض حاشيته، المؤتمن سره من فاشيته من أراد يوافيني، فعند تيمور يلاقيني، ولا تفشي هذه الأسرار، إلا بعد أن تتحقق أني قطعت القفار ثم تركه وسار، فلم يشعر به إلا وقد سبق وركب طبقاً عن طبق، وقطع على أنوال السير أطول الشقق، فلم يدركوا منه ما أثار ولا لحقوا منه ولا الغبار فوصل إلى تيمور وقبل يديه، وعرض حكاياته وأخباره كما جرت عليه، وقال أنت تطلب البلاد الشاحطة والأماكن الوعرة الساقطة، وتركب في ذلك الأخطار، وتقطع فقار القفار، وتتلو أسفار الأسفار، وهذا المغنم البارد نصب عينيك وتدركه هنيئاً مريئا بهينك ولينك، ففيم التواني والتناعس، وعلام التقاعد والتقاعس، فانهض بعزم صميم، فأنا لك به زعيم، فلا قلعة تمنعك، ولا منعة تقلعك، ولا قاطع يدفعك ولا دافع يقطعك، ولا مقاتل يقابلك، ولا مقابل يقاتلك فما هم إلا أوشاب وأوباش، وأموال تساق وخزائن بأرجلها

ص: 112

مواش ولا زال يحرضه على ذلك ويطالب، ويفتل منه في الذروة والغارب، كما فعل معه عثمان قرايلوك حين جاء إلى تبريز بوسواسه، وحرضه على دخوله الشام بعد قتله السلطان برهان الدين أحمد ومحاصرة سيواسه كما يذكر فتهيأ تيمور بأوفى حركة، إلى استخلاص دشت بركة، وكانت بلاداً بالتتار خاصة، وبأنواع المواشي وقبائل الترك غاصة، محفوظة الأطراف، معمورة الأكتاف، فسيحة الأرجاء، صحيحة الماء والهواء، حشمها رحاله، وجنودها نباله، أفصح الأتراك لهجة، وأزكاهم مهجة، وأجملهم جبهة، وأكملهم بهجة، نساؤهم شموس، ورجالهم بدور، وملوكهم رؤوس، وأعيانهم صدور، لا زور فيهم ولا تلبيس، ولا مكر بينهم ولا تدليس وأبهم الترحال على عجل، مع أمان لا يدانيه وجل، مدنها قليلة، ومراحلها طويلة وحد بلاد الدشت من القبلة بحر القلزم الظلوم الغشوم، وبحر مصر المنقلب إليهم من بلاد الروم، وهذان البحران كادا يلتقيان لولا أن جبل الجركس بينهما برزخ لا يبغيان ومن الشرق تخوم ممالك خوارزم وأترار وسغناق،

ص: 113

إلى غير ذلك من البلاد والآفاق، آخذاً إلى تركستان وبلاد الجتا، متوغلاً إلى حدود الصين من ممالك المغول والخطا، ومن الشمال " إيبير، وسيبير " مواضع وبرار وقفار ورمال كالجبال، وكم بين ذلك من تيه، تحير الطير والوحش فيه، وهو كرضى الخلق غاية لا تدرك، ومهامه لا تسلك، ومن الغرب تخوم بلاد الروس والبلغار، وممالك النصارى الأشرار، ويتصل بتلك التخوم ما هو جار تحت حكم ابن عثمان من ممالك الروم، وكانت القوافل تخرج من خوارزم وتسير بالعجل، وهم آمنون من غير ريب ولا وجل، وإلى قيريم طولاً ومسيرة ذلك نحو من ثلاثة أشهر وأما عرضاً فهو بحر من الرمل أمده منه سبعة أبحر، لا يهتدي فيه الخريت، ولا يقربه من الدعاميص كل عفريت، فكانت القافلة لا تحمل زاداً ولا عليقاً ولا يصحبون معهم رفيقاً، وذلك لكثرة الأمم، ووفور الأمن والمأكل والمشرب من الحشم، فلا يصدرون إلا عن قبيله، ولا ينزلون إلا عند من يكرم نزيله، وكأنه فيهم قيل

متكنفى جبلى عكاظ كليهما

يدعو وليدهم بها عرعار

ص: 114

وأما " في هذا " اليوم فليس بتلك الأماكن من خوارزم وإلى قيريم من تلك الأمم والحشم متحرك ولا ساكن، وليس فيها من أنيس، إلا اليعافير وإلا العيس، وتحت الدشت سراي، وهي مدينة إسلامية البنيان، بديعة الأركان ويأتي وصفها وكان السلطان بركة رحمه الله لما أسلم بناها، واتخذها دار الملك، واصطفاها، وحمل أمم الدشت على الدخول في حمى الإسلام ودعاها، فلذلك كانت محل كل خير وبركة، وأضيفت بعد إضافتها إلى قبجاق وإلى بركة أنشدني لنفسه مولانا وسيدنا الخواجة عصام الدين بن المرحوم مولانا وسيدنا الخواجة عبد الملك وهو من أولاد الشيخ الجليل برهان الدين المرغيناني رحمه الله، في حاجي ترخان من بلاد الدشت بعد مرجعه من الحجاز الشريف سنة أربع عشرة وثمانمائة، وفي يومنا هذا أعني سنة أربعين وثمانمائة، انتهت إليه الرياسة في سمرقند قال، وقد قاسى في درب الدشت أنواع النكال

قد كنت أسمع أن الخير يوجد في

صحراء يعزى إلى سلطانها بركه

ص: 115

بركت ناقة ترحالي بجانبها

فما رأيت بها في واحد بركه

وأنشدني أيضاً لنفسه معرضاً بمولانا وسيدنا وشيخنا حافظ الدين محمد بن ناصر الدين محمد الكردي البزازي تغمده الله تعالى برحمته في الزمان والمكان المذكورين

متى تحفظ الناس في بلدة

مصالحها في يدي حافظ

فحافظها صار سلطانها

وسلطانها ليس بالحافظ

ولما تشرف بركة خان بخلعة الإسلام، ورفع في أطراف الدشت للدين الحنيفي الأعلام، استدعى العلماء من الأطراف، والمشايخ من الآفاق والأكناف، ليوقفوا الناس على معالم دينهم، ويبصروهم طرائق توحيدهم ويقينهم، وبذل في ذلك الرغبات، وأفاض على الوافدين منهم بحار الهبات، وأقام حرمة العلم والعلماء وعظم شعائر الله تعالى وشرائع الأنبياء، فكان عنده في ذلك الزمان وعند أوزبك بعده وجاني بك خان مولانا قطب الدين العلامة الرازي، والشيخ سعد الدين التفتازاني، والسيد جلال الدين شارح الحاجبية، وغيرهم من فضلاء الحنفية والشافعية،

ص: 116

ثم من بعدهم مولانا حافظ الدين البزازي، ومولانا أحمد الجندي، رحمهم الله تعالى فصارت سراي بواسطة هؤلاء السادات مجمع العلم ومعدن السعادات واجتمع فيها من العلماء والفضلاء، والأدباء والظرفاء والنبلاء، ومن كل صاحب فضيلة، وخصلة نبيلة جميلة، في مدة قليلة، ما لم يجتمع في سواها، ولا في جامع مصر ولا في قراها وبين بنيان سراي وخراب ما بها من الأمكنة، ثلاث وستون سنة، وكانت من أعظم المدن وضعاً، وأكثرها للخلق جمعا حكى أن رجلاً من أعيانها هرب له رقيق، وسكن في مكان منحى عن الطريق، وفتح له حانوتاً، يتسبب فيه ويحصل له قوتاً، واستمر ذلك المهين، نحواً من عشر سنين، لم يصادفه فيها مولاه، ولا اجتمع به ولا رآه، وذلك لعظمها وكثرة أممها، وهي على شط نهر متشعب من نهر آثل، الذي أجمع السواحون والمؤرخون وقطاع المناهل، أنه لم يكن في الأنهر الجارية، والمياه العذبة النامية، أكبر منه، وهو يأتي من بلاد الروس، وليس له فائدة سوى اغتيال النفوس، ويصب في بحر القلزم، وكذلك جيحون وسائر أنهار العجم ونهر سيحون، مع أن بحر القلزم محصور، وعليه بعض ممالك العجم تدور، مثل

ص: 117

كيلان ومازندران، وأستراباذ وشروان، واسم نهر سراي سنكلا، ولا يقطع أيضاً إلا بالمراكب، ولا يثبت عليه قدم لراجل أو راكب، وكم فرق تتفرق من ذلك البحر العريض الطويل، كل فرق أعظم من الفرات والنيل

‌ذكر وصول ذلك الطوفان وجحفه

أمم الدشت بعد كسره توقتاميش خان

فوصل تيمور إلى تلك الداره، بالعساكر الجرارة، بل بالبحار الزخاره ذوي السهام الطيارة والسيوف البتارة والرماح الخطارة والأسود الهصارة والنمور الكرارة، من كل شان الغارة مدرك في العدو ثاره حام حقيقته وجاره وعرينه ووجاره وفريسته ونجاره وألج من بحر الحرب غماره، مقاوم أمواجه وتياره فأرسل توقتاميش إلى زعماء حشمه، وعظماء أممه وسكان أحقافه وقطان أطرافه ورؤوس أسرته وضروس ميمنته وميسرته، فاستدعاهم وإلى المقابلة والمقاتلة دعاهم، فأتوا في ثوب طاعته يرفلون " وهم من كل حدب ينسلون " واجتمعوا شعوباً وقبائل ما بين فارس وراجل وضارب ونابل ومقبل وقابل وفاتك وقاتل، بمرهف

ص: 118

وذابل وهم قوم نبال النبال وعضال النضال لا يطيشون سهماً، وهم من بني ثعل أرمى، إذا عقدوا الأوتار أصابوا الأوتار وإن قصدوا الأوطار وجدوا المقصد جثم أو طار ثم نهض للمصادمة، واستعد للمقاحمة والمقاومة، بعساكر كالرمال كثرة، وكالجبال كرة وفرة

‌ذكر ما وقع من الخلاف في عساكر

توقتاميش وقت المصاف

وحين تواقف الصفان، وتثاقف الزحفان، برز من عسكر توقتاميش أحد رؤوس الميمنة، له دم على أحد الأمراء فطلبه منه وفي قتله استأذنه، فقال له لينعم بالك وليجب سؤالك قلت

لكن ترى ما قد طرا

على الورى وما جرى

فأمهلنا، حتى إذا انفصلنا وعلى المراد حصلنا، أعطيتك غريمك وناولتك خصيمك، فأدرك منه ثأرك، واقض أوطارك، قال لا ولكن الساعة، وإلا فلا سمع لك ولا طاعة

فقال نحن في كرب مهم، هو من مرامك أهم، وخطب مدلهم هو من مصابك أعم، فاصبر ولا تعجل واطمئن ولا توجل، فما يذهب لأحد حق، ولا يضيع مستحق، فلا تلجئ الأعمى إلى الجرف ولا تكن ممن يعبد الله على حرف،

ص: 119

فكأنك بليل الشدة وقد أدبر وبصباح الفلاح وقد أسفر، فالزم مكانك ونازل أقرانك، وتقدم ولا تتأخر، واصدع بما تؤمر فانخذل ذلك الأمير، بجمع كثير، وأتبعه كل باغ وعاق، وقبيلته كلها واسمها آقتاق فانطلق يروم ممالك الروم، فوصل هو وحشمه إلى ضواحي أدرنه، واستوطنوا تلك الأمكنة فاختل لذلك عسكر توقتاميش، وصارت سهام مرامه عن مراميه تطيش، ولم ير بداً من اللقاء، وصدق الملتقى، فثبت جأشه وجيشه، وهزم وقاره طيشه، وقدم من أطلابه الأبطال، ورتب الخيالة والرجال، وقوى القلب والجناح، وسدد النبل والصفاح " فصل " أما جيش تيمور فإنه مستغن عن هذه الأمور، لأن أمره معلوم، ووصفه مفهوم وسطر النصر والتمكين على جبين راياته مرقوم، ثم تدانى الجيشان واصطدما واصطليا بنار الحرب واصطلما والتفت الأقران بالأقران، وامتدت الأعناق للضراب وشرعت النحور للطعان، واكفهرت الوجوه واغبرت وكشرت ذئاب الضراب

ص: 120

واهرت، وتهارشت نمور الشرور واسبطرت وتعانشت أسود الجنود وازبأرت واكتست بريش النبال الجلود فاقشعرت، وأهوت جباه الجباه ورؤوس الرؤوس في محراب الحرب للسجود فخرت، وثار الغبار وقام القتام، وخاض بحار الدماء كل خاص وعام، وصارت نجوم السهام في ظلام القتام لشياطين الأساطين رجوماً رواشق، ولوامع السيوف في سحاب التراب على الملوك والسلاطين نجوماً صواعق، ولا زالت سلاهب المنايا تجوب وتجول، وضراغم السرايا تصوب وتصول ونقع السنابك إلى الجو راقيا، ونجيع السوافك على الدو جاريا، حتى غدت الأرضون ستاً والسموات كالبحار ثمانيا واستمر هذا اللدد والخصام نحواً من ثلاثة أيام، ثم انجلى الغبار عن انهزام جيش توقتاميش ولى الأدبار وفرت عساكره وانذعرت وانتشرت جنود تيمور في ممالك الدشت واستقرت، واستولى على قبائلها وأتى على ضبط أواخرها وأوائلها، واحتوى على الناطق فمازه وعلى الصامت فحازه، وجمع الغنائم، وفرق المغانم، وأباح النهب والأسر وأذاع القهر والقسر، وأطفأ قبائلهم، وأكفأ مقاولهم، وغير الأوضاع وحمل ما استطاع

ص: 121

من الأموال والأسرى والمتاع، ووصلت طراشته إلى آزاق، وهدم سراي وسرايجوق وحاجي ترخان وتلك الآفاق، وعظمت منزلة إديكو عنده، ثم قفل قاصداً سمرقنده، وصحب إيدكو معه، ورام منه أن يتبعه

‌ذكر إيدكو وما صنعه وكيف

خلب تيمور وخدعه

فأرسل إيدكو قاصداً إلى أقاربه وجيرانه، وقبائل الميسرة من أصحابه وأخدانه، من غير أن يكون لتيمور، بذلك شعور، أن يرحلوا عن مكانهم وينشمروا عن أوطانهم، وأن ينحوا جهة عينها وأماكن بينها، صعبة المسالك، كثيرة المهالك، وإن أمكنهم أن لا يقيموا في منزل واحد يومين فليفعلوا ذلك، فإنه إن ظفر بهم تيمور بدد شملهم وأبادهم كلهم، فامتثلوا ما رسم به إيدكو وارتحلوا، ولم يلووا ولما علم إيدكو أن جماعته فوزوا، وحشمه لتيمور أعجزوا، قال له يا مولانا الأمير إن لي من الأقارب والحشم الجم الغفير، وإنهم عضدي وجناحي، وبصلاح معايشهم صلاحي، ولا آمن عليهم إن بقوا بعدي، من توقتاميش الجور والتعدي، بل لا شك أنه يفنيهم

ص: 122

ويبيدهم عن بكرة أبيهم، وحيث يمتنع عليه بجاه جنابك جانبي ينتقم لسوء طويته من حشمي وأقاربي، لأن سدى هذه الملاحم أنا ألحمته، وفي مضايق البلاء ومآزق الانكسار أنا أقحمته، وعلى كل حال فلا يطيب على قلبي أن يساكنوه وكيف يهنأ لي العيش وأصدقائي مجاورون عدوي، فإن اقتضت الآراء المنيرة، إرسال قاصد إلى تلك " الأماكن " والقبائل الكثيرة صحبة مرسوم شريف وأمر عال منيف باستمالة خواطرهم، وتطيب قلوب قبائلهم وعشائرهم والأمر بترحالهم وترقيع حالهم، فنكون جميعاً تحت الظل الشريف في روض عيش وريق وريف ونخلص من هذا الدشت، الخلق الدشت ونقضي ما مضى من الأعمار، ونقضي الباقي في جنات تجري من تحتها الأنهار، فالرأي الشريف أعلى واتباع ما يبديه بالمماليك أولى

فقال له تيمور أنت عذيقها المرجب وجذيلها المحكك، ومع وجودك أنت من يسلك هذا المسلك فقال كل الأنام عبيدك وتابع مرادك ومريدك، ومن تراه لشيء أهلاً كان كل حزن عليه سهلاً فقال بل أنت أولى بهذا الأمر فكن ضمينه إذ لا يفتى ومالك في المدينة،

ص: 123

فقال أضف إلي واحداً من الأمراء ليكون لي عليهم وزراء، مع مراسيم شريفة بما تقتضيه الآراء المنيفة فأجابه وقضى مراده وأضاف إليه من أراده، فقضيا مآربهما ونجزا ونحو مطلبهما تجهزا ولما فصل إيدكو تيمور استدرك فارطه، وعلم أن إيدكو خلبه عقله وغالطه، فأنفذ إليه قاصداً أن يكون إليه عائداً لأمر قد سنح ورأي قد جنح، فلما قدم القاصد عليه وبلغ ما أرسل به إليه، قال له وللأمير الذي معه وقد نهى كلاً منهما أن يتبعه اقضيا مأربكما والحقا صاحبكما وقبلا يديه وأبلغاه أن أمد اجتماعنا هذا منتهاه وإني بريء منه إني أخاف الله، ولم يمكنهما مخاشنته ولا وسعهما في تلك الضائقة الشديدة إلا ملاينته، فودعاه وانصرفا، وانحرفا وما وقفا ولما بلغ تيمور ذلك تصرف وتصرم وتبرح وتبرم وحرق عليه الأرم وتندم ولات حين مندم، وكاد يقتل نفسه حنقاً عليه، وتجرع كاسات ويوم يعض الظالم على يديه، ولم يمكنه التقيد به فلم يتحرك له بحركة، وتوجه إلى ممالكه ثم إلى سمرقند وتركه، وكان هذا آخر أمره من دشت بركة قيل إنه لم يخدع تيمور ويدهيه،

ص: 124

ويخلبه قولاً وفعلاً ويطغيه سوى إيدكو المار ذكره، أقول وسوى قاضي القضاة ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون المالكي الآتي حكايته وأمره

‌تتمة ما جرى في نواحي الشمال

بين توقتاميش وإيدكو من جدال وقتال إلى أن تغير أمر كل منهما وحال

ولما انفصل تيمور بما حصل واستقر بمملكته بعدما وصل واتصل إيدكو بحاشيته وابتهج بطاغيته وغاشيته، أخذ في التفتيش عن أمور توقتاميش، وتحفظ منه وتحرز ولمناواته انتصب وتجهز، إذ لم يمكنه رتق ما فتقه ولا رقع ما خرقه، وأيضاً ما أمكنه الاستقلال بادعاء السلطنة، إذ لو أمكن ذلك لادعاه تيمور الذي ملك الممالك، فنصب من جهته سلطانا، وشيد في دار الملك خانا، ودعا رؤوس الميسرة ووجوه قبائلها إليه، فلبوا دعوته وأقبلوا عليه، إذ كانوا أقوى من غيرهم، آمنين من ضرر الجغتاي وضيرهم، فقوى بذلك سلطانه، وعمر بقفول الجنود خانه، وثبت في دار الملك أساسه وعلت أركانه وأما توقتاميش فبعد أن تراجع وهله واستقر

ص: 125

في دماغه عقله، ورحل عدوه وحصل هدوه جمع عساكره واستنجد قوته وناصره، فلا زالت ضروب الضراب كحراب الحروب بينه وبين إيدكو قائمة وعيون السكون كجفون الزمان المتعامي عن صلحهما نائمة إلى أن بلغ مصافهم خمس عشرة مرة، يدال هذا على ذاك تارة وذاك على هذا كرة، فأخذ أمر قبائل الدشت في التناقص والشتات، وبواسطة قلة المعاقل والحصون وقعوا في الانبثاث والانبتات، لا سيما وقد تناوشهما أسدان، وأطل عليهما نكدان، وقد كان جلهم ذهب مع تيمور، وأمسى وهو في أمره محصور، وفي حصره مأسور فانفلتت منهم طائفة لا تحصى ولا تحصر، ولا يمكن ضبطها بديوان ولا دفتر، وانحازت إلى الروم والروس، وذلك لحظهم المشؤوم وجدهم المعكوس، فصاروا بين مشركين نصارى، ومسلمين أسارى، كما فعله جبلة ببني غسان واسم هذه الطائفة قرابوغدان فبواسطة هذه الأسباب، آل عامر الدشت إلى الخلاء والخراب، والتفرق واليباب، والانفلات والانقلاب، وصارت بحيث لو سلكها أحد من غير دليل ورصد فإنه يهلك على الحقيقة لإضاعته في المجاز طريقه،

ص: 126

أما صيفاً فلأن الرياح للرمال تسفى، فتختفى الطريق على المارة وتعفى، وأما شتاء فلأن الثلج النازل فيها يتراكم عليها فيغطيها، إذ كل أرضها مجاهل ومنازلها مذاهل، ومراحلها مهامه ومناهل، فعلى كل تقدير، سلوكها مهلك عسير فكانت الوقعة الخامسة عشرة على إيدكو فتشتت وتشرد، وتبذر وتبدد، وغرق هو ونحو خمسمائة رجل من أخصائه في بحر الرمل، فلم يشعر به أحد واستبد توقتاميش بالمملكة، وصفا له دشت بركه، وكان مع هذا متشوفاً لأخبار إيدكو وأحواله متشوقاً لمعرفة كيفية هلاكه في رماله، ومر على ذلك نحو من نصف سنة، وانقطع أثره عن الأعين وخبره عن الألسنة وإيدكو كان دعيميص تلك الأعقاص والأحقاف وممن قطع بسير أقدامه أديم تلك النعال والأخفاف، فصار يتربص ويتصبر ويتفكر معنى ما قلته ويتدبر، وهو

أرقب القصد وانتظر فرصاً

وانتهز وقتها إذا ماجا

وامزج الصبر بالحجا فبه

ورق التوت صار ديباجا

فلما تيقن أن توقتاميش أيسه، وتحقق أن ليث المنايا افترسه،

ص: 127

شرع يتجسس أخباره ويتتبع، ويستشرف آثاره ويتطلع، إلى أن تحقق من الخبر، أنه في متنزه منفرد عن العسكر، فامتطى جناح الخيل، وارتدى جنوح الليل، ووصل السير بالسرى، واستبدل السهر بالكرى، فارعا إلى الهضاب، فروع الحباب، مفرعا من الربى، إفراع الندى حتى وصل وهو لا يعلم، وانقض عليه كالقضاء المبرم، فلم يفق إلا والبلايا احتوشته، وأسود المنايا انتوشته، وثعابين الرماح وأفاعي السهام نهشته، فحاولهم قليلا، وجاولهم طويلا، ثم انجدل قتيلا، وكانت هذه المرة من الوقعات السادسة عشر، خاتمة التلاق، وحاكمة الفراق فاستقر أمر الدشت على متولي إيدكو، وصار القاصي والداني والكبير والصغير إلى مراسيمه يصفو، وتفرقت أولاد توقتاميش في الآفاق، جلال الدين وكريم بيردي في الروس وكوباك وباقي إخوته في سغناق، واستمر أمر الناس على مراسيم إيدكو يولي السلطنة من شاء، ويعزله منها إذا أساء، ويأمر فلا يخالفه أحد، ويحد فلا يجاوز ذلك الحد فمن ولاه قوتليغ تيمور خان، وأخوه شادي بك خان، ثم فولاد خان بن قوتليغ تيمور

ص: 128

ثم أخوه تيمور خان، وفي أيامه تخبطت الأمور، فلم يسلم لإيدكو زمامه، وقال لا كيد له ولا كرامة، أنا الكبش المطاع، فأنى أكون مطيعاً، والثور المتبوع فكيف أصير تبيعا فالتحم بينهما الشقاق، ونجم من ذوي الضغينة مخبوء النفاق، وجرت شرور ومحن، وحروب وإحن، وبينا ظلمات الفتن احتبكت، ونجوم الشرور في دياجير الدشت بين الفريقين اشتبكت، وإذا ببدر الدولة الجلالية، من مشارق السلالة التوقتاميشية بزغ متهللا، وفرع من بلاد الروس مقبلا وكانت هذه القضية في شهور سنة أربع عشرة وثمانمائة، فتعاظمت الأمور، وتفاقمت الشرور، وضعف حال إيدكو وقتل تيمور، واستمر النفاق والشقاق، بين ممالك ملوك قبجاق، إلى أن مات إيدكو غريقاً جريحاً، وأخرجوه من نهر سيحون بسرايجوق وألقوه طريحاً، رحمه الله تعالى وله حكايات عجيبة، وأخبار ونوادر غريبة، وسهام دواه في أعدائه مصيبة، وأفكار مكايد، وواقعات مصايد، وله في أصول فقه السياسة نقود وردود، البحث فيها يخرج عن محصول المقصود وكان أسمر شديد السمرة ربعه، مستمسك

ص: 129

ولا تقيد له بجواب عن خطاب، بل قطع رؤوس الرؤوس من قصاده، وعلقها في أعناق الباقين، وأشهرهم في بلاده، ثم جعلهم شطرين، وقسمهم نصفين، وأرسلهم إلى جهتين، للسلطان الملك الظاهر أبي سعيد برقوق منهم جزء مقسوم، والجزء الآخر إلى السلطان أبي يزيد بن مراد بن أورخان بن عثمان حاكم ممالك الروم، وأخبرهما بالقضية عن جلية، وما ورد عليه من خطاب تيمور الممقوت، وأنه جعل في ذلك جوابه السكوت، وقتل قاصديه نكاية، ولم يزده على هذه الحكاية، وإنما فعل ذلك برسله وقصاده، استهواناً به واستعظاماً لما فعله بعباد الله تعالى وبلاده ثم قال القاضي اعلموا أني جاركما، ودياري دياركما، وأنا ذرة من غباركما، وقطرة من بحاركما، وما فعلت معه هذا مع ضعف حالي، وقلة مالي ورجالي، وضيق دائرتي وبلادي، ورقة حاشية طريفي وتلادي، إلا اعتماداً على مظاهرتكما، واتكالاً على مناصرتكما، وإقامة لأعلام حرمة دولتكما، ونشر الرايات هيبة صولتكما، فإني جنة ثغركما، ووقاية نحركما، وجاويش جنودكما، وجاليش بنودكما، وربيئة طلائعكما، وطليعة وقائعكما، وإلا فمن

ص: 132

أين لي مقاومته، وأنى يتيسر لي مصادمته؟ وقد سمعتم أحواله، وعرفتم مشاهده وأفعاله، فكم من جيش كسر، وقيل أسر، وملك ملك، وملك أهلك وستر هتك ونفس سفك، وحصن فتح، وفتح منح، ومال نهب، وعز سلب، وصعب أذل، وخطب أحل، وعقل أزل، وفهم أضل، وخيل هزم، وأس هدم، وسؤل قطع، وقصد منع، وطود قلع، وطفل فجع، ورأس شدخ، وظهر فضح، وعقد فسخ، ونار أشب، وريح أهب، وماء أغار، ورهج أثار، وقلب شوى، وكبد كوى، وجيد قصم، وطرف أعمى وسمع أصم فأنى لي ملاطمة سيل العرم، ومصادمة الفيل المغتلم، فإن نجدتماني وجدتماني، وإن خذلتماني بذلتماني، ويكفيكما هيبة وشهرة، وناهيكما أبهة ونصرة، إن من خدمكما قدامكما، من كفاكما ما دهاكما وإن أصابني والعياذ بالله منه ضرر، أو تطاير إلى مملكتي من جمرات شره الشرر، ربما تعدى ذلك الفعل بواسطة الحوادث، إلى مفعول به ثان وثالث قلت

والشر كالنار يبدو حين تقدحه

شرارة فإذا بادرته خمدا

ص: 133