الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النَّظر في أَنَّ الحديثَ عنده في خُصوصِ هاتين الرَّكْعَتين أو الحديث عنده، هو الحديث العام فقط، ثُمَّ يذكر النهي عنهما تمسكًا بالعموم.
قلتُ: إِنْ كانَ عندَه حديثٌ مستقل في النَّهْي عن هاتين الرَّكعتين فهو نصٌّ لنا في البابِ، وتكون المسألة في غايةِ القُوَّةِ وإن أَدْخَلهما في عموم قوله: «لا صلاةَ بعد العصر
…
الخ» فليس نصًا فيه، بل يكونُ ظاهرًا ولا تَبْقَى فيه تلك القوة، وكيفما كان فالحديثُ حجةٌ لنا لأنَّ الظَّاهِرَ وإن لم يَكُن كالنَّص إلا أَنَّه لا ينحَطُّ عن كَونهِ على ما أخرجَهُ البخاري يَدلُّ على كونِه حُجَّةً نصًا فيه. وفيه:«سمعتُك تَنْهَى عن هاتين الرَّكعتين هناك تُصلِّيهما» مكان الضمير فليجري فيه اختلاف أَفْرادِ الضميرِ وتثنيته، وهذا صريحٌ في بَعْضِ النَّهي فيه مستقلا، وإذن لا يكونُ مِنْ بابِ التمسكِ بالعموم.
33 - باب مَنْ لَمْ يَكْرَهِ الصَّلَاةَ إِلَاّ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْفَجْرِ
رَوَاهُ عُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو سَعِيدٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ.
589 -
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ أُصَلِّى كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِى يُصَلُّونَ، لَا أَنْهَى أَحَدًا يُصَلِّى بِلَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ مَا شَاءَ، غَيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا. أطرافه 582، 585، 1192، 1629، 3273 - تحفة 7532
واعلم أَنَّ المصنِّف رحمه الله تعالى لم يُعد الاستواء من الأوقات المكروهة، وكأَنَّه لم يَصُح فيه حديث على شرطِهِ فتَرْجَمَ على نفيه، فبقيت مِنَ الخَمْسِ أربع، ثُمَّ لفها في اثنين بحيث أَخَذَ الوقت بعد الفجر أي عين الطُّلوعِ فاستتبع الطلوع أيضًا، وكذلك فَعَلَ في العصر، فأخذ بعد العَصْرِ إلى عينِ الغروب، فانْدَرَج عين الطلوع والغروب تحت الوقتين بعد الفجر وبعد العصر، وحينئذ ظَهَر معنى الحصر في الترجمة أي قوله:«إلا بعد العصر والفجر» ولا يدري أَنَّه أَرَادَ بذلك الصَّدْعَ بموافقه مالكٍ رحمه الله تعالى أو الإِغماض عنه فقط، لفقدان الدَّليل على شَرْطِهِ ثم لا يَخْفَى عليك أَنَّ الاستواء وإِنْ أَغْمَضَ عنه المصنِّف رحمه الله تعالى إلا أَنَّه صَحَّتْ فيه عدة أحاديث عند مسلم وابن ماجه وغيرهما.
34 - باب مَا يُصَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ مِنَ الْفَوَائِتِ وَنَحْوِهَا
وَقَالَ كُرَيْبٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ صَلَّى النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ «شَغَلَنِى نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ» . تحفة 18207
590 -
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ قَالَتْ وَالَّذِى ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِىَ اللَّهَ، وَمَا لَقِىَ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى ثَقُلَ عَنِ الصَّلَاةِ، وَكَانَ يُصَلِّى كَثِيرًا مِنْ صَلَاتِهِ قَاعِدًا - تَعْنِى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ - وَكَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّيهِمَا، وَلَا يُصَلِّيهِمَا فِى الْمَسْجِدِ مَخَافَةَ أَنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ، وَكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ. أطرافه 591، 592، 593، 1631 - تحفة 16042
591 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبِى قَالَتْ عَائِشَةُ ابْنَ أُخْتِى مَا تَرَكَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِى قَطُّ. أطرافه 590، 592، 593، 1631 - تحفة 17311
592 -
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ رَكْعَتَانِ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَعُهُمَا سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ. أطرافه 590، 591، 593، 1631 - تحفة 16009 - 154/ 1
593 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ رَأَيْتُ الأَسْوَدَ وَمَسْرُوقًا شَهِدَا عَلَى عَائِشَةَ قَالَتْ مَا كَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَأْتِينِى فِى يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَاّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. أطرافه 590، 591، 592، 1631 - تحفة 16028، 17656
ولعلَّ المصنِّف رحمه الله تعالى وَافَقَ في الفَجْرِ مذهبَ الحنفية، فَتَرَكَ النهي فيه على إطلاقه، ولم يفصح فيه بتخصيص، فَدَلَّ على أَنَّ مَنْ فاتته سُنَّة الفَجرِ يَقْضِيها بعد طلوع الشمس، ولا يُصلِّيها بعد رَكْعَتَي الفجر. وأما حديثُ قيس بن فَهد فقد عَلِمْتَ أَنَّه ليس على شَرْطِه فلم يَنْظُر إليه، ولعلَّهُ يَضَع ترجمة التَّحَرِّي في الفجر إشارةً إلى هذا، وَوَضع في العصر ثلاثَ تراجم تُشِيرُ إلى التَّخْصِيص فيه، مَعَ أَنَّ شاكِلَةَ الحديث واحِدة فيهما، وذلك لعَدَم التَّفْصِيل عندَهُ في الفجر بخلافِ العصر.
ثُمَّ إنَّ الشَّارِحَيْنِ الحافِظَيْن اختلفا في أنَّه ماذا أَرَادَ بزيادة «نحوها» ؟ فَحَمَلَها كُلٌّ منهما على مسائِله، فَأَرَادَ بها الحافظُ ابنُ حجر: غير ذوات الأسباب مِنَ النَّوافِلِ، والحافظ البدر: الواجبات لعينها ونحوها من الصَّلواتِ التي جازت في هذا الوقتِ عنده.
قلتُ: لمَّا ثَبَتَت الرَّكعتان بعد العصر عند المصنِّف رحمه الله تعالى أَضَافَ في ترجمته نحوها، وأَجْمَلَ في الكلامِ للتردُّدِ عنده، ليَنظُر فيها العلماء، فهذا هو غَرَضُ المصنِّف رحمه الله تعالى عندي، أَمَّا إنَّه أَرَادَ بها ما اخْتَارَهُ ابنُ حجر أو ما ذَهَبَ إليه الحافظُ العيني، فَلَعَلَّهُ بمَعْزِلٍ عن نَظَرِهِ، لأنَّه لم يَرِد فيه الجزم بأحدٍ من الطرفين. وإنَّما أَبْهَم إحالة على النَّاظرين.
590 -
قوله: (وكان يُصَلِّي كثيرًا من صَلاتِهِ قاعدًا تَعْني الرَّكعتين بعد العصر) وقد ذَكَرَهُ الراوي في غيرِ موضعِهِ، فإِنَّه لا تَعلُّق له بقوله:«قاعدًا» وإنَّما هو تفسيرٌ للضمير في قوله: «ما تركهما حتى لقي الله» فينبغي أَنْ يَذكُرَه مقدمًا لئلا يَخْتَلَّ الترتيب والمعنى، فاعلمه.
بقي الكلامُ في هاتين الرَّكعتين، ففيهما اضطراب من وجوه، فعندَ الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه قال:«إنَّما صلى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الرَّكعتين بعد العصر لأنَّه أتاه مالٌ فشَغَلَهُ عن الرَّكعتين بعد الظُّهْر فصلاهُما بعد العصر ثم لم يعد لهما» قال الترمذي: وحديث ابنِ عباس رضي الله عنه أصح، حيث قال:«ثم لم يَعُدْ لهُما» اهـ.
وهذا صريحٌ في أَنَّه صَلاهُما مرَّةً واحدة فقط. ولم يداوم عليهما، وإنَّما كان حديثُ ابن عباس رضي الله عنه أَصَحّ من حديثِ عائشة رضي الله عنها لِمَا يأتي فيه من الاضطرَاب. قال
الحافظُ: وفيه جَرِير عن عَطَاء، وسماعهُ منه بعد الاختلاط، وحديثُ عائشة رضي الله عنها هذا، يَدُلُّ على المُدَاوَمَةِ عليهما، حيث قالت: والذي ذهب به ما تَرَكهما حتى لقي الله.
ثُمَّ عند أبي داود عن عائشةَ رضي الله عنها نفسها: أَنَّها رَدَّتِ الأَمرَ إلى أُمِّ سَلَمَة رضي الله عنها حين استَخْبَرُوها عنهما، كأَنَّه لم يَكُن عندَها علمٌ بهما. وعند الطحاوي: أَنَّ معاويةَ رضي الله عنه أَرْسَلَ إلى عائشةَ رضي الله عنها يسألها عن السَّجْدَتَيْنِ بعد العصر، فقالت: ليس عندي صلاهما، ولكن أم سلمة حَدَّثَتني أَنَّه صَلاهُما عندها
…
الخ ولو قَطَعنا النَّظر عن هذا الاضطراب فهي بنَفْسِها تقول: إِنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يُصلِّي بعد العصر ويَنْهَى عنها، ويُواصِل ويَنْهَى عن الوِصَال، فحديثُ عائشة رضي الله عنها ليس دليلا على جواز الصَّلاة بعد العصر أصلا أو هو دليلٌ لنا لصراحتها أَنَّها كانت من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم كالوِصَال.
أَمَّا إِحْداثُ مرتبة أُخْرَى فيه، والادعاء بجواز نفس الصَّلاة، وإرجاع الخُصوصية إلى المُداوَمَة، فتجريد منطقي لا يُعْتَبَرُ في كلام الشارع، ثُمَّ قد عَلِمْتَ أَنَّ أَصْلَ الخبر كان عند أُمِّ سلمة رضي الله عنها، ولذا أَدَّت إليها عائشة رضي الله عنها حين سُئِلت عنها فهي التي تَرْوي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم بإِسنادٍ فيه زيد بن هارون أنا حماد بن سَلَمَة عن الأَزرق بن قيس عن أُمَّ سَلَمَة رضي الله عنها قالت: يا رسولَ الله أفنقْضِيَهما إذا فاتتا؟ قال: «لا» . فما ترى فيها الآن؟ وغايته ما اعتذروا عنه أَنَّ يزيد بن هارون عن حَمَّاد فيه شيء.
قلتُ: وقد تتبعتُ له مسلمًا فوجدتُ أنَّه أَخْرَج عِدَّةَ أحاديث بها الإِسناد.
ومرَّ عليه السُّيوطي في «الخصائص الكبرى» وصححه، وهو في «مسند أحمد» أيضًا، فإِذن هو في أَعْلَى مرتبةِ الحَسَن لذاته، وعند الطحاوي بأسانيد عديدة: أَنَّ عمر كان يُعَزِّرُ مَنْ كان يُصلِّي بعد العصر وذلك بمحضرٍ من الصحابة رضي الله عنهم، ولم يُنكِرْ عليه أحدٌ أيضًا، وعند الطحاوي عنه: أنَّه طَافَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمسِ، ولم يُصَلِّي رَكعتي الطَّواف حتى بَلَغَ ذو طَوَى. أَخْرَجَهُ موصولا، والبخاري معلقًا، وما ذلك إلا لخُروج وَقْتِ الكراهة. وقد صرَّح الترمذي بعبارةٍ كاد أَنْ تُومىء إلى إجماعهم على ذلك. وهذا نصه: والذي اجتمعَ عليه أَكْثرُ أهلِ العلم على كراهية الصَّلاةِ بعد العصر حتى تَغْرُبَ الشمس، وبعد الصُّبْح حتى تَطْلُع الشمس، إلا ما استُثْنِيَ من ذلك مثل: الصَّلاةُ بمكة بعد العصر حتى تَغْرُبَ الشمس، وبعد الصُّبْح حتى تطلع الشمس يعد الطَّواف. اهـ.
كيف لا وقد تواتَرت الأحاديث في النَّهي عن الصَّلاةِ في هذين الوقْتَيْن أَمَّا ما وَرَدَ فيه من الاستثنَاءِ فهو ضَعيفٌ عندَهُم وفي كتاب «النَّاسخ والمنسوخ» عن الأَثْرَمِ أَنَّه كان يقول: حديثُ عائشة رضي الله عنها في مُدَاوَمَةِ الرَّكعتين بعد العصر معلولٌ. وَنَقَل ابنُ الجوزي عن ابنِ عقيلٍ: أَنَّ النَّهيَ عن الصَّلاةِ بعدَ العصرِ والفجرِ لِئَلا يُلْزَم الدُّخول في عين الطُّلُوع والغروب، فالممنوعُ هو الوصل، كما هو مذهبُ بعضِ السَّلَف، ومنه ظَهَر وَجْهُ الجمع بين النَّهي عن الوصالين، قال القاضي ابن العربي: إِنَّ العِلَّة وإِنْ أَوْجَدَت الحُكْم ابتداءً لكن الحكم يَدُورُ على لَفْظِ الحديث انتهاءً. وقال علماءُ الأصول: إِنَّ الحِكْمَةَ لا يجب طَرْدُها وعَكْسُها والذي يَجِبُ فيه ذلك هو العِلَّةُ الفقهية، والنَّبي صلى الله عليه وسلم لمَّا كان مأمونًا عن هذا التَّخْلِيط، ساغ له أَنْ يُصلِّيهما بعد العصر.
وأَخْرَجَ السُيوطي رحمه الله تعالى: أنَّ أبا أيوب الأنصاري كان يُصلِّي بعد العصر في زمنِ عمر رضي الله عنه، فرآه عمر وهَدَّدَهُ على عادتِه في هاتين الرَّكعتين، فقال له أبو أيوب رضي الله عنه: لا أَتْرُك شيئًا كنت أَفْعَلُه في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال له عمر رضي الله عنه: مالي ولك؟ إنَّما أَنْهَى عنها سدًّا للذرائع. وهذا يَدُلُّ أَنَّ مذهَبَهُ فيهما كمذهبِ بعضِ السَّلَفِ، وإذا عَلِمْتَ حال هاتين الرَّكعتين، فانصف من نَفْسِك أَنَّ العَمَل بهمَا أَوْلَى أو بالنَّهي الذي تواتر عنِ النَّبي صلى الله عليه وسلم ولِمثْل هذا تركهما الدارمي، وعَمِلَ بقول عُمَر رضي الله عنه، وإليه مال أكْثَر السَّلَف.
وأعلى ما في الباب عندي ما عن الليثِ بن سعد في «الطبقات» ونَقَلَهُ العيني: أَنه حَضَرَ بمكةَ في سَنَةٍ - أراه ثلاثة وثمانين - في موسمِ الحج، وانكَسَفَتْ الشمس بعد العصر، فلم يُصلوا صلاة الكُسوفِ مع كَونِها من ذواتِ الأسباب، فسألوا: أَنَّهم لِمَ لا يُصَلُّون صلاة الكُسُوفِ فقالوا: لكَرَاهةِ الوقتِ، وكان ذلك بمَحْضَر أُلوفٍ من التابعين رحمهم الله تعالى والصحابةِ رِضْوَان الله تعالى عليهم أجمعين.
وليث هذا حنفي كما صَرَّح به ابن خَلِّكان في كتاب «الخَراج» وقال الشافعي رحمه الله تعالى في حقه: إنه ليس عندنا بأدون من مالك رحمه الله تعالى إلا أَنَّ أصحابَهُ ضَيَّعُوهُ. وهذا الليث يَرْوِي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى في باب قِراءَةِ الفاتحة خلف الإِمام عند الطحاوي رحمه الله تعالى، وقد نَقَلْنَا صورةَ الإِسنادِ فيما سَلَف. ثُمَّ لا يَخْفَى عليك أَنَّ تَقلِيدَ مثل الليثِ كتقليدِ المتقدمينَ. وفي مُسْنَدِ الدارمي: أَنَّه لمَّا حَدَّثَهُم حديث عائشة رضي الله عنها سألوه عنه، قال: وإنَّما عَمَلي على ما عَمِلَ به عُمر.
وإنَّما كان يَعْمَل بهما ابنُ الزبير رضي الله عنه تَعَلَّما مِنْ عائشة رضي الله عنها كما هو عند المصنِّف رحمه الله تعالى في الحجِّ قال: رأيتُ ابنَ الزبير رضي الله عنه يُصَلِّي رَكعتين بعد العصر، ويُخْبِر أَنَّ عائشةَ رضي الله عنها حَدَّثَتْهُ أَنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يَدْخُل في بيتها إلا صلاهما. قال الحافظُ رحمه الله تعالى: وكان ابنُ الزبيرِ فَهِمَ منه ما فَهِمَتْهُ عائشة رضي الله عنها، أي أَنَّ النَّهي عن الصَّلاةِ بعد العصر، مُخْتَصٌّ بِمَنْ قَصَدَ الصَّلاة عند غروبِ الشمس.
ثُمَّ يَظْهَر مِنَ الرِّوايات أَنَّهما رَكْعَتَانِ فاتتاه بعد الظُّهْرِ فقضَاهُما بعد العصر، ومِنْ سُنَن الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام أَنَّهم إذا فَعَلوا عِبَادةً مرةً داوموا عليها، وكثيرٌ من عبادتِنا من شَعَائِر عباد اللَّه، كما مرَّ عن الطحاوي رحمه الله تعالى
(1)
.
(1)
قلتُ: وعن عائشةَ رضي الله عنها بعدَ هذه الرِّوايات بقليل، أَنَّها قالت: رَكعتانِ لم يَكُنْ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم يدعهما سِرًّا ولا علانِيَة، رَكعتان قَبْلَ الصُّبْحِ، ورَكعتان بعد العصرِ. اهـ وهذه الرِّواية تُنَاقِضُ ما رُوِيَ عنها أنه كان يُسِرُّ بهما ولا يُصَلِّيهما في المسجد، مَخَافَةَ أَنْ يُثْقِلَ على أُمَّتِه إلا أنْ يُقال: إنَّ تعميمَ السرِّ والعلانِية بالنسبةِ إلى رَكْعتي الفجرِ دون التي بعد العصر. ثم نَقَلَ الحافظُ رحمه الله تعالى فيهما زيادة. وهي: "لم يكُن يَدَعُهُما في بيتي"، فإن استطعتَ أنْ تأخُذَ السرَّ والعلانِيةَ باعتبار البيت فافعل، وإلا فيكونُ هذا اضطرابًا آخر، وحينئذٍ لا يجري فيه ما جَمَع به الحافظُ رحمه الله تعالى بين حَدِيثَي ابنِ عباسِ وعائشة رضي الله عنهما، مِنْ أَنَّ النفي في حديث ابنِ عباس رضي الله عنه محمولٌ على عِلْمِ الراوي، فإِنَّه لم يَطَّلع على ذلك، لكونِهما في بيتها والله تعالى أعلم.