الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحالاتِ في السفر على أنحاء، قد يكونُ النَّفْع في السير عقيبَ الزوال: بأن يَرْتَحِل حتى إذَا كان آخِرُ وقت الظهر يَنْزل ويَجْمع بين العصرين، وقد يكون النَّفعُ في المُكْث حتى يمكنَه الْجَمْعُ بينهما فيجمع بينهما، ثُمَّ يَرْكَبُ مَطِيَّته ويتتابعُ في السير حتى ينزل للجَمْع بين العشاءين، ولا يحتاجُ إلى نزولهِ للعَصْر القَطْع لسَفَره. فالتمادي في الصورة الأُولى في الأول، وفي هذه في الآخِر.
ويَشْهَد له ما في «الفتح» عن البيهقي: «أنه كان إذا نَزَل مَنْزلا في السفر فأعجبه أقام فيه، حتى يَجْمَع بين الظهر والعَصْر ثم يَرْتَحِل، فإذا لم يتهيأ له المَنْزل مَدَّ في السَّير فسار، حتى ينزلَ فيجمع بين الظُّهر والعَصْرِ» اهـ. فدلَّ على أنه قد كان يقيمُ بالمنزل إذا أعجبه، ويَبْقى هناك حتى يَجْمَع بين العصرين ثم يرتحل، ويُتابع في السَّفر حتى يمكن له الجَمْعُ بين العشاءين، وإنْ لم يتهيأ له لم يكن يَنْزِل له.
وفي «الجامع» للترمذي: «أنه قد كان يُؤخِّر الظُّهر في السَّفر حتى يُساوي الفيءُ التُّلول» . فدل على شِدَّة تأخيره وطول إقامته، ويحصل في مِثْله الجَمْعُ بدون تكلُّف. ولعلك علمتَ منه أن ما رواه الترمذي من حديث معاذ رضي الله عنه أيضًا صحيحٌ، ولا حاجة إلى إعلاله كما فَعَله الجمهور. والاختلاف يُبنى على اختلاف صُوَر السفر، والجَمْعُ فيه جَمْعُ فِعلا في كل حالٍ، وما يتبادر فيه مِنْ جواز جَمْع التقديم فَفَرْطٌ من الوَهْم.
17 - باب صَلَاةِ الْقَاعِدِ
واعلم أن المصنِّفَ رحمه الله تعالى لم يترجم للفَرْق في جوازِ القعود وعدمه بين التطوّعِ والفريضة، ولا أَوْمأ إليه في مَوْضع، مع اتفاق أهل الإجماع على عَدَم جوازه في المكتوبات إن قَدِر على القيام، لأنه عَلِم أن لا تفصيلَ فيه في الأحاديثِ القوليةِ، ففوَّضه إلى الخارج، فمتى ما أجازت له الشريعةُ بالقعودِ جاز له القعودُ، وأينما نَهَت عنه لم يَجُز له. ألا ترى إلى حديث عِمْرَان عند البخاريّ رحمه الله تعالى - كما سيأتي بعد عدة أحاديث: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاةِ الرَّجُل قاعدًا فقال: «إنْ صلَّى قائمًا فهو أَفْضَلُ، ومَنْ صلَّى قاعِدًا فله نِصْفُ أَجْر القائم، ومَنْ صَلَّى نائمًا فله نِصْفُ أَجْرِ القاعد «اهـ. فلم يتعرَّضِ فيه إلى تفصيلٍ
(1)
بين القيام والقعود، متى يجوزُ ومتى لا يجوز، لأن الحديث سِيق لبيانِ التَّنْصِبف.
وأما مسائلُ القيام والقعود فكما قد عَلَّمته الشريعةُ مِنْ قَبْل، فيكون بَني ما في الحديث وبين تفاصيل القيام والقعود عمومٌ وخصوصٌ من وجه. ومِن ههنا تَبيَّن جوابُ ما قيل إنَّ حديثَ
(1)
قلتُ: ونحوه ما قال العلامة السِّندي على النَّسائي: الوَجْه عندي أن يقال: ليس الحديثُ بمسوق لبيانِ صِحة الصلاة وفسادِهَا، وإنَّما هو لبيان إحْدَى الصلاتين الصحيحتين على الأُخْرى، وصِحَتهَا تُعْرَف من قواعد الصحة من خارج في أصل الحديث، أنه إذا صَحَّتِ الصلاةُ قاعدًا، فهي على نِصْفِ صلاة القائم، فرضًا كانت أو نفلًا، وكذا إذا صَحَّتِ الصلاةُ نائمًا. فهي على نِصْف الصلاةِ قاعِدًا في الآخِر
…
إلى آخِر ما قال من "حاشية السِّندي" على النَّسائي. وقد بسط المقام فراجِعْه بتمامهِ، فإنه يشتمل على الفوائد.
عمران لا يَصْدُق على الفريضةِ ولا على التطوع. فإنَّا إنْ حملناه على الفريضةِ لَمْ يَصِحَّ أَوَّلُ الحديثِ: «إنْ صلّى قائمًا فهو أَفْضَلُ» ، لأنَّ القيامَ فَرْضٌ فيها، وإنْ حَمَلناه على التطوع لَم يَصِحَّ آخِرهُ، لأنَّ التطوُّعَ لا يجوز نائمًا عند أحدٍ إلا ما في «الغاية» عن الشيخ شمس الدين: أَنَّها تجوزُ مُضْطَّجِعَا أيضًا في قول، وقال ابن الهُمام رحمه الله تعالى: لا أعرف قولا بجواز النافلة مضطجعًا عن أحد من أصحابنا، وكذا قوله:«وَمَنْ صلَّى قاعدًا»
…
إلخ، لا يأتي على المكتوبةِ ولا على التطوُّع، فإنه إنْ أخذناه بلا عُذْرٍ لم يصدق في حَقِّ المكتوبة لأن المكتوبة قاعدًا بدون لاعُذر لا تصح مطلقًا فلا أحر فيها أصلا وإن أخذناه مع العُذْر لا يستقيمُ عليه تَنْصِيفُ الأَجْر. فالجواب أن الحديثَ وَرَد في مسألة التنْصِيف فقط. وأَما مسائلُ جوازِ القعود والقيام فتبقى على ما مَهدها الشَّرْعُ، ويبقى معها عُمومٌ وخصوصٌ من وَجْه.
ثُمَّ اعلم أن التنْصِيف في الحديث ليس باعتبار قيام الأَصِحَّاء، بل باعتبارِ قيام المَعْذُورين وقعودِهم. وقد صَرَّح ابنُ الهُمَام
(1)
رحمه الله تعالى: أن العَجْز على نَحْوين: حقيقي، وحُكْمي. والأول أن يَتَعَذَّر عليه القِيَامُ ولا يُمكَّنُ منه أصلا، والحُكْمِي أن يُرَخِّص له الشَّرْعُ بالقعود، مع أنه لو تَكَلَّفَ على نَفْسِهِ أُمْكِن له القيامُ أيضًا، فهذا القاعدُ المعذورُ إن صلَّى قاعدًا فله نِصْفُ أَجْرِ قيامه لو تكلَّفَ وصلَّى قائمًا، لا نِصْف أَجْرِ الصحيح، فإنَّ قعودَه إذا كان بالعُذْر فهو كقيامِ الصحيح.
1113 -
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّهَا قَالَتْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا» . أطرافه 688، 1236، 5658 - تحفة 17156 - 59/ 2
1114 -
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ فَرَسٍ فَخُدِشَ - أَوْ فَجُحِشَ - شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى قَاعِدًا فَصَلَّيْنَا قُعُودًا وَقَالَ «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ،
(1)
قال الطحاوي رحمه الله تعالى في "مُشْكِله"(2/ 282): إن الحديثَ محمول على المُصَلِّي تطوّعًا قاعدًا وهو يُطيق أن يصلي قائمًا، فيكون له بذلك نِصْفُ ما يكونُ له لو صَلَّى قائمًا، وليس هو على صلاتِه قاعدًا وهو لا يُطِيقُ القيامَ، وذلك صلاتُهُ قاعدًا فيما يُكْتَب له من الثوابِ بها كصلاتِه إيَّاها قائمًا، لأنه ههنا قد قصد إلى القيام وقَصَّر به عنه، فاستحق من الثوابِ ما يستحقُّه لو صلَّاهَا قائمًا، فكان إذا كان يطيقُ القيامَ فصلى قاعدًا قد ترك القيام اختيارًا، فلم يكتب له ثوابُ المصلِّي قائمًا، وكُتِب له ثوابُ المصلِّي قاعدًا على صلاتِهِ لذلك. اهـ.
ويؤيدُهُ ما أخرج مالك في "موطئه"(ص 48) عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص أنه قال: "لما قَدِمنا المدينة نَالَنَا وباءٌ من وَعْكِهَا شديدٌ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناسِ وهم يُصلُّون في سُبْحَتِهم قُعودا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاةُ القاعدِ مِثْلُ نِصْفِ صلاةِ القائم". ونحوه عند أحمد في "مسنده" كما أخرجه الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح".
فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». أطرافه 378، 689، 732، 733، 805، 1911، 2469، 5201، 5289، 6684 تحفة 1485
1113 -
قوله: (إنما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتَّمَ بِهِ) أي جُعِلَ الإمامُ ليُقْتدى به في أقواله، فيسمع المؤتمُّ ما يَقُوْلُهُ، ويتبع فيه، ولا يكون الإِمامُ مَنْ لا يُسْمع لِقَوله، ولا يُبَالي بِأَمْرِه، فالتقدُّمُ والتأخُّرُ في الأفعال ليس من الائتمام في شيءٍ، وحينئذٍ صَلُح الحديثُ أن يُسْتدَّل به على تَرْك الفاتحةِ خَلْف الإمام، فإنَّ الإمام يجهرُ بِهَا كي يسمعَها المقتدي، وهذا يَقْرأُ ولا يُصْغِي لقراءته، فهل تعدُّ مُتَّبِعًا أم مُشَاغِبَا
(1)
.
ثُم لا بأس أن نعودَ إلى مسألةِ وجوبِ القعود خَلْفَ الإمام القاعد أو عدَمِه وإن فَصَّلناها مِنْ قبل، لأَنَّا قد دخلنا الآنَ في حديث الجُحُوش، فبانَ لنا أن نُعِيد أشياءَ، لعلَّ اللَّهَ ينفعك بها.
فاعلم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كما لم يفصل بين التطوُّع والفريضةِ في حديثِ عمران كما علمت، كذلك لم يفصل بينهما في حديث الجحوش. والجمهور على أنه في الفريضةِ إلا ابنَ القاسم، فإنه ذَهب إلى أنَّه في النافلة. أما قوله في البخاري:«فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ» فليس صريحًا في كونهِ في الفريضة، لأنه وَقَع هذا اللَّفْظِ في النافلة أيضًا عند البخاري رحمه الله تعالى، ولستُ أَدَّعِي أنه في حَقِّ النافلة، ولكن أقولُ: إنَّ له وجهًا أيضًا.
1115 -
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رضى الله عنه - أَنَّهُ سَأَلَ نَبِىَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ سَمِعْتُ أَبِى قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ حَدَّثَنِى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ - وَكَانَ مَبْسُورًا - قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا فَقَالَ «إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ» . طرفاه 1116، 1117 - تحفة 10831
1115 -
قوله: (إن صلَّى قائمًا)
…
إلخ. وحاصِلهُ عندي أن الإمام إن اضطر إلى القعودِ لِعُذْر وصلَّى في بيته قاعدًا، فلم لا تصلون أنتم خَلْفَه لِيناسِب لكم القعودُ أيضًا من حيث رعايةُ الإمامة والاقتداء؟ بل عليكم أن تبتغوا إمَامًا آخَر صحيحًا يصلِّي بكم قائمًا لتتمكنوا مِنْ القيام خَلْفَه.
فالحاصل: أنَّ الحديث سِيق لِذمِّ التعنُّت في الاقتداء بالإِمام المعذور، لا لإِيجاب القعودِ على المقتدي، وإنْ كان قادِرًا على القايم فليس فيه إلا تحسينُ القعودِ عند قعود الإمام. ولا يخرجُ منه تحريمُ القيامِ خَلْف القاعد ولا حَرْف، مع أنَّ الواجِب عند أحمد رحمه الله تعالى هو القعودُ ويَحْرُم القيام.
(1)
قلتُ: وقد ضرَب له الحافظُ ابنُ تيميةَ رحمه الله تعالى في "فتاواه"، مَثَل سَوْء فقال: رُوي في الحديث: "مَثل الذي يتكلَّمُ والإِمامُ يَخْطُب كَمَثَلِ الحمارِ يحمل أسفارًا". فهكذا إذا كان يَقْرأُ والإمامُ يقرأ عليه.