الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر حجّة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهى حجّة الوداع
ولمّا أذّن فى الناس فى هذه السّنة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجّ قدم المدينة بشر كثير، كلّهم يلقمس أن يأتمّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعمل مثل عمله، وخرج صلى الله عليه وسلم نهارا بعد أن ترجّل وادّهن وتطيّب وبات بذى الحليفة، وقال:
أتانى الليلة آت من ربّى فقال: صلّ فى هذا الوادى المبارك ركعتين وقل عمرة فى حجّة.
وأحرم النبى صلى الله عليه وسلم بها بعد أن صلّى فى مسجده بذى الحليفة ركعتين وأوجب من (1) مجلسه، وسمع ذلك منه أقوام منهم ابن عبّاس، ثم ركب فلمّا استقلّت به فاقته أهلّ، ثم لمّا علا على شرف البيداء أهلّ، فمن ثمّ قيل: أهلّ حين استقلت به ناقته، وحين علا على شرف البيداء، وكان يلبّى به تارة وبالحجّ تارة أخرى، فمن ثم قيل إنّه منفرد، وكان تحته صلى الله عليه وسلم (56) رحل رثّ عليه قطيفة لا تساوى أربعة الدراهم، وقال: اللهمّ اجعله حجّا لا رياء فيه ولا سمعة.
قال جابر (2): ونظرت إلى مدّ بصرى بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وعليه أنزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل من شئ عملنا به.
ودخل صلى الله عليه وسلم مكّة صبيحة يوم الأحد من [كداء](1) من الثنيّة العليا التى بالبطحاء، وطاف للقدوم مضطبعا، فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم خرج إلى الصفا فسعى بعض سعيه ماشيا، فلمّا كثر عليه ركب ناقته، ونزل صلى الله عليه وسلم بأعلى الحجون، فلمّا كان يوم التّروية-وهو ثامن ذى الحجّة-توجّه إلى منى فصلّى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وبات بها وصلّى بها الصبح.
فلمّا طلعت الشّمس سار إلى عرفة، وضربت قبتّه بنمرة، فأقام بها حتى زالت الشمس، فخطب الناس وصلّى بهم الظّهر والعصر جمع بينهما بأذان واحد وإقامتين، ثم راح إلى الموقف ولم يزل واقفا على ناقته القصوى يدعو ويهلّل ويكبّر حتّى غربت الشمس، ثم دفع إلى المزدلفة بعد الغروب، وبات بها وصلّى بها الصبح، ثم وقف على قزح-وهو المشعر الحرام-يدعو ويكبّر ويسبّح ويهلّل حتى أسفر، ثم دفع قبل طلوع الشمس حتى أتى وادى محسّر، فقرع ناقته فحنّت، فلمّا أتى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، ثم انقلب إلى المنحر ومعه بلال وأسامة، أحدهما أخذ بخطام الناقة، والآخر بيده ثوب يظلّه من الشمس، وليس ثم ضرب ولا طرد ولا إليك إليك، ثم نحر فى المنحر، وكان قد أهدى مائة بدنة فنحر منها ثلاثا وستّين بيده، ثم أعطى عليّا ما غبر منها، وأشركه فى هديه، (57) ثم أفاض إلى البيت فطاف به سبعا، ثم أتى السقاية فاستسقى، ثم رجع إلى منّى وأقام بها بقيّة يوم النحر وثلاثة أيّام التشريق، يرمى فى كلّ يوم منها الجمرات الثلاث ماشيا بسبع سبع، يبدأ بالتى تلى فى الخيف ثم بالوسطى،
ثم بجمرة العقبة، ويطيل الدعاء عند الأولى والثانية. ثم نفر فى اليوم الثالث، ونزل المحصّب فصلّى به الظهر والعصر والمغرب وعشاء الآخرة، ورقد رقدة من الليل، وأعمر عائشة من التنعيم تلك الليلة، ثم لمّا قضت عمرتها أمر بالرحيل، ثم طاف للوداع وتوجّه إلى المدينة، فكان مدّة إقامته بمكّة وأيّام حجّه عشرة أيّام.
وقد أفردنا لصفة حجّه صلى الله عليه وسلم من الأحكام والشرائع منذ خرج من المدينة إلى حين رجع إليها ما هذا صفته لينتفع به ويأتمّ سامعه.
وأمّا عمره فأربع، وكلّها فى ذى القعدة: عمرة الحديبية، وصدّه المشركون عنها ثم صالحوه على أن يعود من العام المقبل معتمرا، ويخلوا له مكّة ثلاثة أيّام ولياليها، ويصعدون رؤوس الجبال، فحلّ من إحرامه بها، ونحر سبعين بدنة كان ساقها، فيها جمل لأبى جهل فى رأسه برة فضّة يغيظ بذلك المشركين.
وعمرة القصبة من العام المقبل أحرم بها من ذى الحليفة، وأتى مكّة وتحلّل منها وأقام بها ثلاثة أيّام، وكان تزوّج ميمونة الهلاليّة قبل عمرته ولم يدخل بها، فأنفذ إليهم عثمان بن عفّان فقال: إن شئتم أقمت عندكم ثلاثا أخر، وأولمت بكم وعرست بأهلى، فقالوا: لا حاجة لنا فى وليمتك اخرج عنّا! فخرج فأتى سرف، وهى على عشرة أميال من مكّة فعرس بأهله هناك.
وعمرة الجعرانة فى سنة ثمان لمّا فتح مكّة وخرج إلى الطائف فأقام عليها شهرا، ثم تركها ورجع على دجنا، ثم علا على قرن المنازل، ثم علا نخلة حتى خرج (58) إلى الجعرانة، فلحقه أهل الطائف بها وأسلموا، وأحرم صلى الله عليه وسلم بها