الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثالث والخمسون
حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ، سَمِعَ رَوْحًا، قالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا، قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى. قُلْنَا لأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً.
ورواية سعيد هذه جعلت الحديث من مسند أنس، وقوله:"تسحرا" في رواية المستملي والسرخسيّ "تسحروا" بصيغة الجمع، وهي شاذة، والذي يظهر في الجمع بين الروايتين أن أنسًا حضر ذلك، لكنه لم يتسحر معهما، ولأجل ذلك سأل زيدًا عن مقدار وقت السحور، كما في رواية همام، ووقع ذلك صريحًا في رواية النَّسائيّ وابن حبّان، ولفظهما عن أنس، قال:"قال لي رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "يا أنس، انظر رجلًا يأكل معي"، فدعوتُ زيد بن ثابت، فجاء فتسحر معه، ثم قام فصلَّى ركعتين، ثم خرج إلى الصَّلاة" وعلى هذا، فقوله:"كم كان بين الأذان والسحور؟ " يعني في رواية هشام الآتية في الصيام، أي: أذان ابن أُمّ مكتوم، لأن بلالًا كان يؤذن قبل الفجر، والآخر يؤذن إذا طلع. قلت: وهذا أوضح منه ما في الرواية من قوله: "كم كان بين فراغهما ودخولهما في الصلاة؟ ".
وقوله: "قلت لأنس"، هو قول قتادة، والروايتان صحيحتان، بأن يكون أنس سأل زيدًا في رواية همام، وقتادة سأل أنسًا في رواية سعيد. وقوله:"قام نبي الله إلى الصلاة فصليا"، كذا للكشميهنيّ، بصيغة التثنية، ولغيره:"فصلينا" بصيغة الجمع. وقوله: "قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية"، يعني متوسطة، لا
طويلة ولا قصيرة، لا سريعة ولا بطيئة، وقدر بالرفع على أنه خبر المبتدأ الذي هو "كم"، أو بالنصب على أنه خبر كان المقدرة.
واستدل المصنف به على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر، لأنه الوقت الذي يحرم فيه الطعام والشراب، والمدة التي بين الفراغ من السحور والدخول في الصلاة، وهي قراءة الخمسين آية أو نحوها قدر ثلث خمس ساعة، ولعلها مقدار ما يتوضأ، فأشعر ذلك بأن أول وقت الصبح أول ما يطلع الفجر. وفيه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يدخل فيها بغَلَس، قال المهلبُ وغيره: فيه تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكانت العرب تقدر الأوقات بالأعمال، كقولهم: قدر حَلْبِ شاةٍ، وقَدْر نحر جزور، فعدل زيد بن ثابت عن ذلك إِلى التقدير بالقراءة، إِشارة إِلى أن ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة، ولو كانوا يقدرون بغير العمل لقال مثلًا: قدر درجة أو ثلث خمس ساعة.
وقال ابن أبي جمرة: فيه إشارة إِلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة، وفيه السحور، لكونه أبلغ في المقصود. وقال ابن أبي جمرة: كان صلى الله تعالى عليه وسلم ينظر إلى ما هو الأرفق بأمته، فيفعله، لأنه لو لم يتسحر لاتبعوه، فيشق على بعضهم، ولو تسحر في جوف الليل لشق أيضًا على بعضهم ممن يغلب عليه النوم، فقد يفضي إِلى ترك الصبح أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر. وقال: فيه أيضًا تقوية على الصيام لعموم الاحتياج إلى الطعام، ولو ترك لشق على بعضهم، ولاسيما من كان صفراويًا، فقد يُغشى عليه، فيفضي إِلى الإفطار في رمضان.
قال: وفيه تأنيس الفاضل أصحابه بالمؤاكلة، وجواز المشي بالليل للحاجة، لأن زيد بن ثابت ما كان يبيت مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. وفيه الاجتماع في السحور، وفيه حسن الأدب في العبارة، لقوله في رواية همام هنا:"تسحروا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم"، وفي رواية هشام في الصيام:"تسحرنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"، ولم يقل:"نحن ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"، لما يشعر به لفظ المعية من التبعية.