الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث السادس
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا. لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى؟ ".
قوله: "إذا نودي للصلاة"، أي: لأجل الصلاة، وللنَّسائيّ ومسلم:"بالصلاة"، ويمكن حملها على معنى واحد، بجعل الباء للسببية، كقوله تعالى:{فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} . وقوله: "له ضُراط"، جملة اسمية حالية بدون واو، لحصول الربط بالضمير، وللأصيليّ:"وله ضراط" بالواو. وللمصنف في بدء الخلق من وجه آخر كذلك. قال عياض: يمكن حمله على ظاهره؛ لأنّه جسم متغذ يصح منه خروج الريح، ويحتمل أنه عبارة عن شدة نفاره، وتقويه رواية لمسلم:"له حُصاص" بمهملات مضموم الأول، والحصاص: شدة العدو. قال الطّيبيّ: شبه شغل الشيطان نفسه عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع، ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضراطًا تقبيحًا له، والظاهر أن المراد بالشيطان إبليس، وعليه يدل كلام كثير من الشراح. ويحتمل أن المراد جنس الشيطان، وهوكل متمرد من الجن والإنس، لكن المراد هنا شيطان الجن خاصة.
وقوله: "حتى لا يسمع التأذين"، ظاهره أنه يتعمد إخراج ذلك، إما ليشتغل بسماع الصوت الذي يخرجه عن سماع المؤذن، أو يصنع ذلك استخفافًا كما
يفعله السفهاء. ويحتمل أن لا يتعمد ذلك، بل يحصل عند سماع الأذان شدة خوف يحدث له ذلك الصوت بسببها، ويحتمل أن يتعمد ذلك ليقابل ما يناسب الصلاة من الطهارة بالحدث.
واستدل به على استحباب رفع الصوت بالأذان؛ لأن قوله: "حتى لا يسمع" ظاهر في أنه يبعد إلى غاية ينتفي فيها سماعه للصوت، وقد وقع بيان الغاية في رواية مسلم عن جابر، فقال:"حتى يكون مثل الروحاء"، وحكى الأعمش عن رواية أبي سفيان، عن جابر أن بين المدينة والروحاء ستة وثلاثين ميلًا، وهذه الرواية هي المعتمدة، وفي مسند إسحاق:"حتى يكون بالرَّوْحاء، وهي ثلاثون ميلًا من المدينة".
وقوله: "فإذا قضي النداء"، أي: بضم أوله، والمراد بالقضاء الفراغ أو الانتهاء، ويروى بفتح أوله على حذف الفاعل، والمراد المنادي، واستدل به على أنه كان بين الأذان والإقامة فصل. وقوله:"حتى إذا ثُوِّب للصلاة"، بضم المثلثة وتشديد الواو المكسورة، قيل: هو من ثاب إذا رجع. قال القرطبيّ: ثوب بالصلاة إذا أقيمت، وأصله أنه رجع إلى ما يشبه الأذان، وكل من ردّد صوتًا فهو مثوِّب. ويدل عليه رواية مسلم عن أبي هريرة:"فإذا سمع الإقامة ذهب"، وقيل: من ثَوّب إذا أشار بثوبه عند الفراغ، لإعلام غيره. قال الجمهور: المراد بالتثويب هنا الِإقامة، وبذلك جزم أبو عَوانة في صحيحه، والبيهقيّ. وقد قال الخطابى: العامة لا تعرف التَّثْويب إلا قول المؤذن في الأذان: الصلاة خير من النوم. لكن المراد به في هذا الحديث الإقامة، وزعم بعض الكوفيين أن المراد بالتثويب قول المؤذن بين الأذان والإقامة:"حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة"، وحكى ذلك ابن المُنْذر عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، وزعم أنه تفرد به، لكن في سنن أبي داود عن ابن عمر أنه كره التثويب بين الأذان والإقامة، وهذا يدل على أن له سلفًا في الجملة.
وقوله: "أقبل"، زاد مسلم عن أبي هريرة:"فوسوس". وقوله: "حتى يَخطُر"، قال عياض: سمعناه من أكثر الرواة بضم الطاء، وضبطناه عن المتقنين
بالكسر، وهو الوجه، ومعناه يوسوس، وأصله من خطر البعير بذنبه إذا حركه فضرب به فخذيه، وأما الضم فهو من المرور، أي: يدنو منه، فيمر بينه وبين قلبه فيشغله. وضعف الهَجَريّ الضمّ وقال: هو بالكسر في كل شيء. وقوله: "بين المرء ونفسه"، أي: قلبه، وكذا هو عند المصنف في بدء الخلق من وجه آخر. والمعنى أنه يحول بين المرء وبين ما يريده من إقباله على صلاته وإخلاصه فيها.
وقوله: "اذكر كذا، اذكر كذا"، هكذا بدون واو، وفي رواية كريمة:"واذكر كذا" بواو العطف، وهي لمسلم. زاد مسلم:"فهنّاه ومنّاه، وذكَّره من حاجاته ما لم يكن يذكر". وعند المصنف في صلاة السهو: "اذكر كذا وكذا". وقوله: "لما لم يكن يذكر"، أي: لشيء لم يكن على ذكره قبل دخوله في الصلاة، وفي مسلم:"لما لم يكن يذكر من قبل"، ومن ثم استنبط أبو حَنيفة للذي شكا إليه أنه دفن مالًا ثم لم يهتد لمكانه أن يصلي ويحرص أن لا يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا، ففعل، فذكر مكان المال في الحال. قيل: خصه بما يعلم دون ما لا يعلم؛ لأنه يميل لما يعلم أكثر لتحقق وجوده، والذي يظهر أنه لأعم من ذلك، فيذكره بما سبق له به علم ليشغل باله به، وبما لم يكن سبق ليوقعه في الفكرة فيه، وهذا أعم من أن يكون في أمور الدنيا أو في أمور الدين كالعلم، لكن هل يشمل ذلك التفكر في معاني الآيات التي يتلوها؟ لا يبعد ذلك؛ لأن غرضه نقص خشوعه وإخلاصه بأي وجه كان، وقد مرّ الكلام على هذا عند حديث عثمان:"لا يحُدِّثُ فيهما نَفْسَه" من كتاب الوضوء.
وقوله: "حتى يظل الرجل"، بالظاء المشالة المفتوحة للجمهور، ومعنى يظل في الأصل اتصاف المخبر عنه بالخبر نهارًا، لكنها هنا بمعنى يصير أو يبقى. وعند الأصيليّ:"يَضِل" بكسر الساقطة، أي: ينسى. ومنه قوله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} ، أو معناه يخطىء، ومنه:{لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} ، والمشهور الأول. وقوله:"لا يدري"، وفي رواية في صلاة السهو:"إن يدري" بكسر همزة إن، وهي نافية بمعنى لا، وحكى ابن عبد البر عن الأكثر في
"الموطأ" فتح الهمزة. وقال القرطبيّ: ليست رواية الفتح بشيء إلا مع رواية الضاد الساقطة، فيكون أن مع الفعل بتأويل المصدر، مفعول ضل بإسقاط حرف الجر، أي: يضل عن درايته.
وقوله: "كم صلَّى"، للمصنف في بدء الخلق عن أبي هريرة:"حتى لا يدري، أثلاثًا صلى أم أربعًا؟ " وقد استوفى الكلام عليه في باب التوجه نحو القبلة، حيث كان من كتاب الصلاة عند ذكر حديث عبد الله بن مسعود هناك. وقد اختلف العلماء في الحكمة في هروب الشيطان عند سماع الأذان والإقامة، دون سماع القرآن والذكر في الصلاة، فقيل: يهرب حتى لا يشهد للمؤذن يوم القيامة، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن إلا شهد له، كما يأتي قريبًا، ولعل البخاريّ أشار إلى ذلك بإيراده الحديث المذكور عقب هذا الحديث، ونقل عياض أن اللفظ عام، والمراد به خاص، وهم المؤمنون من الجن والإنس؛ لأنهم هم الذين تصح شهادتهم، وأما الكفار فلا تقبل لهم شهادة، ورده لما جاء من الآثار بخلافه.
وقيل: يهرب نفورًا عن سماع الأذان، ثم يرجع موسوسًا ليفسد على المصلي صلاته، فصار رجوعه من جنس فراره، والجامع بينهما الاستخفاف. وقيل: لأن الأذان دعاء إلى الصلاة المشتملة على السجود الذي أباه وعصى بسببه، واعترض بأنه يعود قبل السجود، فلو كان هربه لأجله لم يعد إلا بعد فراغه. وأجيب بأنه يهرب عند سماع الدعاء بذلك، ليغالط نفسه بأنه لم يخالف أمرًا، ثم يرجع ليفسد على المصلي سجوده الذي أباه. وقيل: إنّما يهرب لاتفاق الجميع على الإعلان بشهادة الحق، وإقامة الشريعة. واعترض بأن الاتفاق على ذلك حاصل قبل الأذان وبعده من جميع من يصلي. وأجيب بأن الإعلان أخص من الاتفاق، فإن الإعلان المختص بالأذان لا يشاركه فيه غيره من الجهر بالتكبير والتلاوة، ولهذا قال لعبد الله بن زيد:"ألقه على بلال، فإنه أندى صوتًا منك"، أي: أقصد في المد والإطالة والإسماع، ليعم الصوت ويطول أمد التأذين، فيكثر الجمع، ويفوت على الشيطان مقصوده من إلهاء الآدمي عن