الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثالث عشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَاّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا".
قوله: "لو يعلم الناس"، وضع المضارع موضع الماضي ليفيد استمرار العلم. وقوله:"ما في النداء"، أي: الأذان، وهي رواية بشر بن عمر، عن مالك، عند السراج. قال الطيبيّ: أطلق مفعول "يعلم" وهو "ما"، ولم يبين الفضيلة ما هي ليفيد ضربًا من المبالغة، وأنه مما لا يدخل تحت الوصف والإطلاق، إنما هو في قدر الفضيلة، وإلا فقد روى أبو الشيخ عن أبي هُريرة من "الخير والبركة". وقوله:"والصف الأول"، المراد به ما يلي الإِمام مطلقًا، وقيل: أول صف تام يلي الإِمام، لا ما تخلله شيء كمقصورة. وقيل: المراد به من سبق إلى الصلاة ولو صلى آخر الصف. قال ابن عبد البرّ: واحتج بالاتفاق على أن من جاء أول الوقت ولم يدخل في الصف الأول فهو أفضل ممن جاء في آخره وزاحم عليه، ولا حجة له في ذلك.
قال النّوويّ: القول الأول هو الصحيح المختار، وبه صرح المحققون، والقولان الآخران غلط صريح، وكأنّ صاحب القول الثاني لحظ أن المطلق ينصرف إلى الكامل، وما فيه خلل، فهو ناقص. وصاحب القول الثالث لحظ المعنى في تفضيل الصف الأول دون مراعاة لفظه، وإلى القول الأول أشار البخاريّ حيث ترجم فيما يأتي بالصف الأول، وذكر فيه الحديث المعبر فيه
بالصف المتقدم، وهو الذي لا يتقدمه إلا الإِمام.
وقد قال العلماء في الحض على الصف الأول: فيه المسارعة إلى خلاص الذمة، والسبق لدخول المسجد، والقرب من الإِمام، واستماع قراءته، والتعلم منه، والفتح عليه، والتبليغ عنه، والسلامة من اختراق المارة بين يديه، وسلامة البال من رؤية من يكون قدامه، وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلين. وقوله:"ثم لم يجدوا"، في رواية المستملي والحموي:"ثم لا يجدون"، وحكى الكِرْمانيّ أن في بعض الروايات:"ثم لا يجدوا" ووجهه بجواز حذف النون تخفيفًا. قال في "الفتح": لم أقف على هذه الرواية.
وقوله: "إلا أن يستهموا"، أي: يجدوا شيئًا من وجوه الأولوية، إما في الأذان فبأن استووا في معرفة الوقت وحسن الصوت ونحو ذلك من شرائط المؤذن وتكملاته، وإما في الصف الأول، فبأن يَصِلوا دفعة واحدة ويستووا في الفضل، فيقرع بينهم إذا لم يتراضوا فيما بينهم في الحالين، واستدل بعضهم لمن قال بالاقتصار على مؤذن واحد، وليس بظاهر، لصحة استهام أكثر من واحد، ولأن الاستهام على الأذان يتوجه من جهة التولية من الإِمام، لما فيه من المزية. وزعم بعضهم أن المراد بالاستهام هنا الترامي بالسهام، وأنه أخرج مخرج المبالغة، واستأنس بحديث لفظه:"لَتَجالَدُوا عليه بالسيوف"، لكن الذي فهمه البخاريّ منه أولى، ولذلك استشهد له بقصة سعد. ويدل عليه رواية لمسلم:"لكانت قرعة".
وقوله: "عليه"، أي: على ما ذكر ليشمل الأمرين: الأذان والصف الأول، وبذلك يصح تبويب المصنف. وقال ابن عبد البر: الهاء عائدة على الصف الأول، لا على النداء، وهو حق الكلام؛ لأن الضمير يعود لأقرب مذكور. ونازعه القرطبيّ فقال: إنه يلزم منه أن يبقى النداء ضائعًا لا فائدة له. والضمير يعود على معنى الكلام المتقدم. ومثله قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} ، أي: جميع ذلك. وقد رواه عبد الرزاق، عن مالك بلفظ:"لاستهموا عليهما"، وهذا مفصح بالمراد من غير تكلف.