الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثالث والأربعون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ.
قوله: حدثني أبو إسحاق، الخ أبو إسحاق معروف بالرواية عن البراء بن عازب، ولكنه سمع هذا عنه بواسطة. وقوله: وهو غير كذوب، الظاهر أنه من كلام عبد الله بن يَزِيد، وعلى ذلك جرى الحُميديّ في جمعه وصاحب العمدة، ويقوي كونه من كلام عبد الله بن يزيد قولُ أبي إسحاق في بعض طرقه: سمعت عبد الله بن يزيد وهو يخطب، يقول: حدثنا البراء، وكان غير كذوب. وهذا وإن كان محتملًا، لكنه أبعد من الأول، وأخرج أبو عوانة في صحيحه عن غير أبي إسحاق عن مُحَارِب بن دِثار عن عبد الله بن يزيد: حدثنا البراء، وهو غير كذوب. وأصله في مسلم، لكن ليس فيه قوله "وهو غير كذوب" لكن روى عياش الدُّوريّ عن ابن مَعِين أنه قال: قوله: "وهو غير كذوب" إنما يريد عبد الله بن يزيد الراويّ عن البراء لا البراء، إذ لا يقال لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غير كَذُوب؛ لأن هذه العبارة إنما تحسن في مشكوك في عدالته، والصحابة كلهم عدول لا يحتاجون إلى تزكية.
وتعقبه الخَطّابيّ وغيره بأن هذا القول لا يوجب تهمة في الراوي، وإنما يوجب حقيقة الصدق له، وهذه عادتهم إذا أرادوا تأكيد العلم بالراوي، والعمل بما روى، وقد كان أبو هُريرة يقول: سمعت خليلي الصادق المصدوق. وقال ابن مسعود: حدثني الصادق المصدوق. وقال أبو مُسْلِم الخَولانيّ: حدثني
الحبيب الأمين. وقد قال ابن مسعود وأبو هُرَيرة، فذكرهما، فهذا قالوه تنبيهًا على صحة الحديث، لا أن قائله قصد به تعديل رواية، وأيضًا فتنزيه ابن مَعين للبراء عن التعديل لأجل صحبته، ولم ينزه عن ذلك عبد الله بن يزيد لا وجه له، فإن عبد الله بن يزيد معدود في الصحابة، والإلزام المذكور لابن مَعين ليس بلازم له، لأنّ يحيي بن مَعين لا يثبت صحبة عبد الله بن يزيد، وقد نفاها أيضاً مُصْعَبُ الزُّبَيريّ، وقد توقف فيها أحمد بن حنبل وأبو حَاتم وأبو داود، وأثبتها ابن البَرقيّ، والدارَقُطني، وآخرون.
وقد اعترض بعض المتأخرين على التنظير المذكور، فقال: كأنه لم يلم بشيء من علم البيان، للفرق الواضح بين قولنا فلان صدوق، وفلان كذوب، لأن في الأول إثبات الصفة للموصوف، وفي الثاني نفي ضدها عنه، فهما مفترقان، والسر في ذلك أن نفي الضد كأنّه يقع جوابًا لمن أثبته، بخلاف إثبات الصفة، والظاهر أن الفرق بينهما أنه يقع في الإثبات بالمطابقة، وفي النفي بالالتزام، لكن التنظير صحيح بالنسبة إلى المعنى المراد باللفظين ،لأن كلا منهما يرد عليه أنه تزكية في حق مقطوع بتزكيته فيكون من تحصيل الحاصل، ويحصل الانفصال عن ذلك بما تقدم من أن المراد بكل منهما تفخيم الأمر، وتقويته في نفس السامع.
قلت: جميع ما قالوه من أن قول القائل "غير كذوب" يفيد تأكيد العلم بالراوي، والتنبيه على صحة الحديث، وأن إثبات الصدق فيه يحصل بالالتزام غير موافق للفظ، ولا يعطيه عربية؛ لأن لفظ كذوب صيغة مبالغة فنفيها نفي للمبالغة في الكذب لا نفي للكذب من أصله حتى يثبت الصدق لمن لم يتصف به، فهو دال عربية على الاتصاف بقليل الكذب حين النفي، اللهم إلا أن يقال فيه ما قيل في قوله تعالى:{وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] من أن ظلامًا للنسبة لا للمبالغة، فنفيه على هذا نفي للظلم من أصله، أي: وما ربك بمنسوب للظلم.
وقد قال ابن مالك: