الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث السابع
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ، ثُمَّ الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، قَالَ لَهُ:"إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَاّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
قوله: "عن أبيه"، زاد ابن عُيينة:"وكان يتيمًا في حجر أبي سعيد، وكانت أمه عند أبي سعيد"، أخرجه ابن خُزيمة من طريقه.
وقوله: "قال له"، أي: قال أبو سعيد لعبد الله بن عبد الرحمن. وقوله: "تُحِبُّ الغنم والبادية؟ " أي: لأجل الغنم؛ لأن محبها يحتاج إلى صلاحها بالمرعى، وهو في الغالب يكون في البادية، وهي الصحراء التي لا عمارة فيها. وقوله:"في غنمك أو باديتك"، يحتمل أن تكون "أو" شكًّا من الراوي، ويحتمل أن تكون للتنويع؛ لأن الغنم قد لا تكون في البادية، ولأنه قد يكون في البادية حيث لا غنم. وكلمة "في" تأتي بمعنى بين، كقوله تعالى:{فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} .
وقوله: "فأذنتَ للصلاة"، أي: لأجل الصلاة، وللمصنف في بدء الخلق "بالصلاة"، أي: أعلمت بوقتها. وقوله: "فارفع"، فيه إشعار بأن أذان من أراد الصلاة كان مقررًا عندهم لاقتصاره على الأمر بالرفع دون أصل الأذان، واستدل به الرافعي للقول الصائر إلى استحباب أذان المنفرد، وهو الراجح عند الشافعية، بناء على أن الأذان حق الوقت. وقيل: لا يستحب بناء على أن الأذان لاستدعاء الجماعة للصلاة. ومنهم من فصل بين من يرجو جماعة أو لا،
وعند المالكية: يندب للفذ المسافر خاصة دون الحاضر، وكذا للجماعة المسافرة التي لم تطلب غيرها يندب لها، لما رواه "الموطأ" عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول:"من صلى بأرض فلاة، صلى عن يمينه ملك، وعن شماله ملك، فإذا أذن وأقام صلى خلفه من الملائكة أمثال الجبال".
قلت: هذا الحديث رواه النَّسائيّ مرفوعًا عن سَلْمان الفارسيّ، مع أن المرسل له حكم الرفع، إذ لا يعلم إلا بالتوقيف. وحديث الباب شاهد لمذهب المالكية؛ لأن السفر عندهم المراد به السفر اللغويّ لا الشرعيّ، والخروج في الغنم والبادية سَفَر لُغويّ، وليس في الحديث شاهد لما استدل به الرافعيّ من الندب مطلقًا في الحضر والسفر. وظاهر كلام العينيّ أن مذهبهم كمذهب الشافعية.
وقوله: "مدى صوت المؤذن"، أي: غاية صوته. قال البَيضاويّ: غاية الصوت تكون أخفى من ابتدائه، فإذا شهد له من دنا منه وسمع مبادىء صوته أولى. وقوله:"جن ولا إنس ولا شيء"، ظاهره يشمل الحيوانات والجمادات، فهو من العام بعد الخاص، ويؤيده ما في رواية ابن خزيمة:"لا يسمع صوته شجر ولا مَدَر ولا حجر ولا إنس"، ولأبي داود والنَّسائيّ، عن أبي هُريرة بلفظ:"المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابسٍ"، ونحوه للنَّسائيّ وغيره من حديث البراء، وصححه ابن السكن. فهذه الأحاديث تبين المراد من قوله في حديث الباب:"ولا شيء"، وقد تكلم بعض من لم يطلع عليها في تأويله على غير ما يقتضيه ظاهره. قال القرطبي: قوله: ولا شيء، المراد به الملائكة، وتعقب بأنهم دخلوا في قوله:"جن" لأنهم يستخفون عن الأبصار، وقال غيره: المراد كل ما يسمع المؤذن من الحيوان حتى ما لا يعقل دون الجمادات. ومنهم من حمله على ظاهره، وذلك غير ممتنع عقلًا ولا شرعًا.
قال ابن بُزَيزة: تقرر في العادة أن السماع والشهادة والتسبيح لا تكون إلا من حي، فهل ذلك حكاية عن لسان الحال؛ لأن الموجودات ناطقة بلسان حالها بجلال باريها، أو هو على ظاهره، وغير ممتنع عقلًا أن الله يخلق فيها الكلام؟
وقد مرَّ البحث في ذلك في قول النار: آكل بعضي بعضًا، وسيأتي في الحديث الذي فيه:"أن البقرة قالت: إنما خلقت للحرث". وفي مسلم عن جابر بن سمرة موفوعًا: "إني لأعرف حجرًا كان يسلم عليّ". ونقل ابن التين: أن قوله هنا: "ولا شيء" نظير قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} ، ولم يختلف أن الآية على عمومها، وإنما اختلف في تسبيح بعض الأشياء؛ هل هو على الحقيقة أو المجاز. والظاهر مساواة الحديث والآية.
وقوله: "إلا شهد له"، للكُشميهنيّ:"إلا يشهد له"، وتوجيههما واضح، والسر في هذه الشهادة مع أنها تقع عند عالم الغيب والشهادة، أن أحكام الآخرة جرت على نعت أحكام الخلق في الدنيا من توجيه الدعوى والجواب والشهادة. قاله الزَّيْن بن المُنير. وقال التوربشتي: المراد من هذه الشهادة اشتهار الشهود له بالفضل يوم القيامة، وعلوّ الدرجة، فكما أن الله يفضح بالشهادة قومًا، فكذلك يكرم بها آخرين. ومن أحاديث فضل الأذان، ما أخرجه أبو القاسم الجوزيّ، عن أبي سعيد وغيره: "ثلاثة يوم القيامة على كُثُب من مسك أسود، ولا يهولهم فزع، ولا ينالهم حساب
…
" الحديث. وفيه: "رجل أذن ودعا إلى الله عز وجل ابتغاء وجه الله"، وعند السراج، عن أبي هريرة بسند جيد: "المؤذنون أطول الناس أعناقًا لقولهم: لا إله إلا الله"، وفي لفظ: "يُعرَفُون بطول أعناقهم يوم القيامة". وأخرجه أيضًا ابن حبَّان في صحيحه.
وعند أبي الشيخ: "من أذن خمس صلوات إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه"، وفي كتاب الصحابة لأبي موسى من حديث كثير بن مُرة الحضرميّ موفوعًا:"أو من يُكسى من حلل الجنة، بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام والشهداء، بلالٌ وصالح المؤذِّنين". وفي "شعب الإيمان" للبيهقيّ، عن عُبادة بن نسي، يرفعه:"من حافظ على النداء بالأذان سنة أوجب الجنة"، وعند أبي الفرج:"يحشر المؤذنون على نُوقٍ من نُوق الجنة، يخاف الناس ولا يخافون، ويحزن الناس ولا يحزنون". وعن جابر رضي الله تعالى عنه: "قيل: يا رسول الله، من أول الناس دخولًا الجنة؟ قال: الأنبياء، ثم الشهداء، ثم