الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخبرنا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ، وَهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ، كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ".
قوله: "يتعاقبون"، أي: تأتي طائفة عقب طائفة، ثم تعود الأولى عقب الثانية. قال ابن عبد البر: وإنما يكون التعاقب بين طائفتين أو رجلين، بأن يأتي هذا مرة، ويعقبه هذا. ومنه تعقيب الجيوش: أن يجهز الأمير بعثًا إلى مدة، ثم يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز غيرهم إلى مدة، ثم يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز الأولين. قال القرطبي: الواو في قوله: "يتعاقبون" علامة الفاعل المذكر المجموع على لغة بلحارث، وهم القائلون:"أكلوني البراغيث". ومنه قول الشاعر:
بحَوْرانَ يعصرنَ السليطَ أقاربه
وهي لغة فاشية، وحمل الأخفش عليها قوله تعالى:{وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} ، وقد تعسف بعض النحاة في تأويلها وردها للبدل، وهو تكلف مستغنى عنه، فإن تلك اللغة مشهورة، ولها وجه من القياس واضح. وقال غيره في تأويل الآية: الضمير في أسروا عائد على الناس المذكورين أولًا، والذين ظلموا بدل من الضمير. وقيل: التقدير أنه لما قيل: "وأسروا النجوى"، قيل: ومن هم؟ قال: "الذين ظلموا". والأول أقرب إذ الأصل عدم التقدير. وقال جماعة من الشراح: إن حديث الباب من هذا القبيل، ووافقهم ابن مالك،
وناقشه أبو حيان زاعمًا أن هذه الطريق اختصرها الراوي، واحتج لذلك بما رواه البزار من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ: "إن لله ملائكةً يتعاقبون فيكم: ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار
…
" الحديث.
وقد أخرجه البخاري في بدء الخلق عن أبي الزناد بلفظ: "الملائكة يتعاقبون فيكم" فاختلف فيه على أبي الزناد، فالظاهر أنه كان تارة يذكر هكذا، وتارة هكذا، فيقوى بحديث أبي حيان، ويؤيد ذلك أن غير الأعرج من أصحاب أبي هريرة قد رووه تامًا، فأخرجه أحمد ومسلم عن هَمّام بن مُنبِّه، عن أبي هريرة مثل رواية البخاريّ بحذف "إن" من أوله، وأخرجه ابن خُزيمة والسَّرّاج عن أبي صالح، عن أبي هريرة، بلفظ:"إن لله ملائكة يتعاقبون"، وهذه هي التي أخرجها البزار. وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" بإسناد صحيح، عن أبي موسى، عن أبي هريرة، بلفظ:"إن الملائكة فيكم يتعاقبون"، فإذا عرف هذا، فالعزو إلى الطريق التي تتحد مع الطريق التي وقع فيها القول أولى من طريق مغاير لها، فليعزُ ذلك إلى طريق البخاريّ والنَّسائيّ عن أبي الزناد، لا إلى البزار وغيره، مما لا يتحد مع الطريق المذكورة في الباب.
وقوله: "فيكم"، أي: المصلين أو المؤمنين مطلقًا. والأول أولى، لأن الفضيلة المذكورة للمصلين. وقوله:"ملائكة" بالتنكير في الموضعين، ليفيد أن الثانية غير الأُولى، كما قيل في قوله تعالى:{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} ، إنه استئناف وعده تعالى، بأن العسر مشفوع بيسر آخر، لقوله:"لن يغلب عسر يسرين" فإن العسر معروف فلا يتعدد سواء كان للعهد أو للجنس، واليسر منكر فيحتمل أن يراد بالثاني يسر ما، يغاير ما أُريد بالأول.
والمراد بالملائكة: الحَفَظَة، نقله عياض وغيره عن الجمهور، وتردد ابن بزيزة. وقال القرطبيّ: الأظهر عندي أنهم غيرهم، ويقويه أنه لم ينقل أن الحفظة يفارقون العبد، ولا أن حفظة الليل غير حفظة النهار، وبأنهم لو كانوا هم الحفظة، لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها، في قوله:"كيف تركتم عبادي؟ ". وقوله: "ويجتمعون"، قال ابن المنير: التعاقب
مغاير للاجتماع، وأجيب بأن تعاقب الصنفين لا يمنع اجتماعهما، لأن التعاقب أعم من أن يكون معه اجتماع كهذا، أو لا يكون معه اجتماع، كتعاقب الضدَّين، أو المراد حضورهم معهم الصلاة في الجماعة، فينزل على حالين. وتخصيص اجتماعهم في الورود والصدور بأوقات العبادة تكرمه للمؤمنين، ولطف بهم، لتكون شهادتهم بأحسن الثناء وأطيب الذكر، ولم يجعل اجتماعهم معهم في حال خلواتهم بلذاتهم، وانهماكهم في شهواتهم، وفي هذا شيء على قول من رجح أنهم الحفظة، إذ لا شك أن الذين يصعدون كانوا مقيمين عندهم، مشاهدين لأعمالهم في جميع الأوقات، فالأَوْلى أن يقال: الحكمة في كونه تعالى لا يسألهم عن الحالة التي تركوهم عليها ما ذكر، ويحتمل أن يقال: إن الله تعالى يستر عنهم ما يعملونه فيما بين الوقتين، لكنه بناء على أنهم غير الحفظة. وفيه إشارة إلى الحديث الأخر:"الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما" فمن ثَمّ وقع السؤال من كل طائفة عن آخر شيء فارقهم عليه.
وقوله: "ثم يعرج الذين باتوا فيكم"، العروج الصعود، واستدل به بعض الحنفية على استحباب تأخير وقت العصر، ليقع عروج الملائكة إذا فرغ منها آخر النهار، وتعقب بأن ذلك غير لازم، إذ ليس في الحديث ما يقتضي أنهم لا يصعدون إلا ساعة الفراغ من الصلاة، بل جائز أن تفرغ الصلاة ويتأخروا بعد ذلك إلى آخر النهار، ولا مانع أيضًا من أن تصعد ملائكة النهار وبعض النهار باق، وتقيم ملائكة الليل، ولا يرد على ذلك وصفهم بالمبيت بقوله:"باتوا فيكم" لأن اسم المبيت صادق عليهم ولو تقدمت إقامتَهم بالليل إقامتُهم قطعة من النهار.
واختلف في سبب الاقتصار على سؤال الذين باتوا دون الذين ظلوا، فقيل: هو من باب الاكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر، كقوله تعالى:{فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} ، أي: وإن لم تنفع. وقوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} ، أي: والبرد. قاله ابن التين وغيره. وقيل: الحكمة في الاقتصار على ذلك، أن حكم طرفَيْ النهار يُعلم من حكم طرفي الليل، فلو ذكره لكان تكرارًا،
وقيل: الحكمة في الاقتصار على ذلك الشق دون الآخر، أن الليل مظنة المعصية، فلما لم يقع منهم عصيان مع إمكان دواعي الفعل من إمكان الإخفاء ونحوه، واشتغلوا بالطاعة، كان النهار أَولى بذلك، فكان السؤال عن الليل أبلغ من السؤال عن النهار، لكون النهار محل الاشتهار.
وقيل: الحكمة في ذلك أن ملائكة الليل إذا صلوا الفجر عرجوا في الحال، وملائكة النهار إذا صلوا العصر لبثوا إلى آخر النهار، لضبط بقية عمل النهار، وهذا ضعيف، لأنه يقتضي أن ملائكة النهار لا يسألون عن وقت العصر، وهو خلاف ظاهر الحديث. قلت: ليس في التأخير لضبط بقية عمل النهار ما يقتضي عدم سؤالهم عن وقت العصر، لإمكان سؤالهم بعد صعودهم عند انتهاء النهار. وقيل، بناء على أنهم الحفظة: إن ملائكة النهار هم الذين لا يبرحون عن ملازمة بني آدم، وملائكة الليل هم الذين يعرجون ويتعاقبون.
ويؤيده ما رواه أبو نعيم عن الأسود بن يزيد النخعي، قال:"يلتقي الحارسان"، -أي: ملائكة الليل والنهار- عند صلاة الصبح، فيسلم بعضهم على بعض، فتصعد ملائكة الليل، وتلبث ملائكة النهار، وقيل: يحتمل أن يكون العروج إنما يقع عند صلاة الفجر خاصة، وأما النزول فيقع في الصلاتين معًا وفيه التعاقب، وصورته أن تنزل طائفة عند العصر وتبيت، ثم تنزل طائفة ثانية عند الفجر، فتجتمع الطائفتان في صلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فقط، ويستمر الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر، فتنزل الطائفة الأخرى فيحصل إجتماعهم عند العصر أيضًا، ولا يصعد منهم أحدٌ بل تبيت الطائفتان أيضًا، ثم تعرج إحدى الطائفتين، ويستمر ذلك، فتصح صورة التعاقب مع اختصاص النزول بالعصر، والعروج بالفجر، فلهذا خُصَّ السؤال بالذين باتوا.
وقيل: يحمل قوله: "ثم يرجع الذين باتوا" على ما هو أعم من المبيت بالليل، والإقامة بالنهار، فلا يختص ذلك بليل دون نهار، ولا عكسه، بل كل طائفة منهم، إذا صعدت سئلت، وغاية ما فيه أنه استعمل لفظ "بات" في "أقام" مجازًا، ويكون قوله:"فيسألهم"، أي: كلاًّ من الطائفتين في الوقت الذي
يصعد فيه، ويدل على هذا الحمل رواية موسى بن عقبة عند النّسائيّ بلفظ:"ثم يعرج الذين كانوا فيكم" فعلى هذا لم يقع في المتن اختصار ولا اقتصار، وهذا أقرب الأجوبة.
ووقع في هذا الحديث التصريح بسؤال كل من الطائفتين فيما رواه ابن خزيمة في صحيحه، وأبو العباس السّرّاج عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر، فيجتمعون في صلاة الفجر، فتصعد ملائكة الليل، وتبيت ملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة العصر، فتصعد ملائكة النهار، وتبيت ملائكة الليل، فيسألهم ربُّهم كيف تركتم عبادي
…
" الحديث. وهذه الرواية تزيل الإشكال، وتغني عن كثير من الاحتمالات المتقدمة، فهي المعتمدة، ويحمل ما نقص منها على تقصير بعض الرواة.
وقيل: إن قوله في الحديث: "ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر" وَهْمٌ، لأنه ثبت في كثير من الطرق أن الاجتماع في صلاة الفجر من غير ذكر صلاة العصر، كما في الصحيحين عن أبي هريرة في أثناء حديث قال فيه:"وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر"، قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} ، وفي الترمذيّ والنَّسائيّ بإسناد صحيح عن أبي هريرة في قوله تعالى {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} ، قال: تشهده ملائكة الليل والنهار. وروى ابن مردويه عن أبي الدرداء مرفوعًا نحوه. قال ابن عبد البر: ليس في هذا دفع الرواية التي فيها ذكر العصر، إذ لا يلزم من عدم ذكر العصر، في الآية والحديث الآخر، عدم اجتماعهم في العصر، لأن المسكوت عنه قد يكون في حكم المذكور بدليل آخر.
قال: ويحتمل أن يكون الاقتصار وقع في الفجر لكونها جهرية، وبحثه الأول متجه، لأنه لا سبيل إلى ادعاء توهيم الراوي الثقة مع إمكان التوفيق بين الروايات، ولاسيما أن الزيادة من العدل الضابط مقبولة، وَلِمَ لا يُقال: إن رواية من لم يذكر الذين أقاموا في النهار، واقع من تقصير بعض الرواة؟ قلت: وقد
مرَّ ما يدل على هذا في رواية ابن خزيمة السابقة.
وقوله: فيسألهم، قيل: الحكمة فيه استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير، واستنطاقهم بما يقتضي التعطف عليهم، وذلك لإظهار الحكمة فيه استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير، واستنطاقهم بما يقتضي التعطف عليهم، وذلك لإظهار الحكمة في خلق نوع الإنسان في مقابلة من قال من الملائكة:{أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، أي: وقد وجد فيهم من يسبح ويقدس مثلكم، بنص شهادتكم. قال عياض: هذا السؤال على سبيل التعبد للملائكة، كما أمرهم أن يكتبوا أعمال بني آدم، وهو سبحانه وتعالى أعلم من الجميع بالجميع.
وقوله: "كيف تركتم عبادي؟ " قال ابن أبي جَمرة: وقع السؤال عن آخر الأعمال، لأن الأعمال بخواتيمها، والعباد المسؤول عنهم هم المذكورون في قوله تعالى:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} . وقوله: "تركناهم وهم يصلُّون، وأتيناهم وهم يصلون"، لم يراعوا الترتيب الوجوديّ، لأنهم بدأوا بالترك قبل الإتيان، والحكمة فيه أنهم طابقوا السؤال، لأنه قال: كيف تركتم؟ ولأن المخبر به صلاة العباد، والأعمال بخواتيمها، فناسب ذلك إخبارهم عن آخر عملهم قبل أوله.
وقوله: "تركناهم وَهم" ظاهره أنهم فارقوهم عند شروعهم في صلاة العصر، سواء تمت أم منع مانع من إتمامها، وسواء شرع الجميع فيها أم لا، لأن المنتظر في حكم المصلي. ويحتمل أن يكون المراد بقولهم:"وهم يصلون"، أي: ينتظرون صلاة المغرب. وقال ابن التين: الواو في قوله: "وهم يصلون" واو الحال، أي: تركناهم على هذه الحالة، ولا يلزم منه أنهم فارقوهم قبل انقضاء الصلاة، فلم يشهدوها معهم، والخبر ناطق بأنهم يشهدونها، لأنَّا نقول: هو محمول على أنهم شهدوا الصلاة مع من صلاها في أول وقتها، وشهدوا من دخل فيها بعد ذلك، ومن شرع في أسباب ذلك. قال ابن أبي جمرة: أجابت الملائكة بأكثر مما سئلوا عنه، لأنهم علموا أنه سؤال يقتضي