الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث التاسع والعشرون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ عبد الله بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الَّذِى تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ".
قوله: "الذي تفوته"، قال ابن بزيزة: فيه رد على من كره أن يقال فاتتنا الصلاة، ويأتي الكلام على ذلك في باب مفرد في كتاب الأذان، والمراد بتفويتها أن يخرجها متعمدًا عن وقتها بغروب الشمس، كما في رواية عبد الرزاق، فإنه أخرج الحديث عن ابن جريج، عن نافع، فذكر نحوه، وزاد:"قلت لنافع: حين تغيب الشمس؟ قال: نعم"، وتفسير الراوي اذا كان فقيهًا أولى من غيره. وروى ابن وهب أن المراد إخراجها عن الوقت المختار باصفرار الشمس، كما ورد مفسرًا من رواية الأوزاعي في هذا الحديث. قال فيه: وفواتها أن تدخل الشمس صُفرة.
وظاهره إيراد أبي داود له في سننه أنه من كلام الأوزاعيّ، لا أنه من الحديث، لأنه ورد بإسناد منفرد عن الحديث عن الأوزاعي أنه قال: وذلك أن ترى ما على الأرض من الشمس أصفر، ولعله مبنيٌّ على مذهبه في خروج وقت العصر. وفي "العلل" لأبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه الأوزاعي، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا:"من فاتته صلاة العصر، وفواتها أن تدخل الشمس صفرة، فكأنما وُتِر أهله ومالَه"، قال أبي: التفسير قولُ نافع. وقال المهلب: إنما أراد فواتها في الجماعة، لا فواتها باصفرار الشمس أو مغيبها. قال: ولو كان لفوات وقتها كله لبطل اختصاص العصر، لأن ذهاب الوقت موجود في كل وقت صلاة، ونوقض بغير ما ادعاه، لأن فوات الجماعة موجود في كل صلاة، لكن
في صدر كلامه أن العصر اختصت بذلك، لاجتماع المتعاقبين من الملائكة فيها.
وتعقبه ابن المنير بان الفجر أيضًا فيها اجتماع المتعاقبين، فلا يختص العصر بذلك. قال: والحق أن الله يختص ما يشاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة، وبوّب التِّرمذيّ على حديث الباب ما جاء في السهو عن وقت العصر، فحمله على الساهي، وعلى هذا فالمراد بالحديث أنه يلحقه من الأسف عند معاينة الثواب لمن صلى، ما يلحق من ذهب منه أهله وماله. وقد رُوي بمعنى ذلك، عن سالم بن عبد الله بن عمر، ويؤخذ منه التنبيه على أن أسف العامد أشد، لاجتماع فقد الثواب، وحصول الإثم. ويؤيد القولَ الأوّلَ أن المراد إخراجها عن وقتها حديثُ ابن عمر، عند ابن أبى شيبة مرفوعًا:"من ترك العصر حتى تغيب الشمس"، أي: من غير عذر.
وظاهر الحديث التغليظ على من تفوته العصر، وأن ذلك مختص بها. وقال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون هذا الحديث خرج جوابًا لسائلٍ سأَل عن صلاة العصر، فأجيب. فلا يمنع ذلك إلحاق غيرها من الصلوات بها. وتعقبه النووي بأنه إنما يلحق المنصوص بالمنصوص، إذا عرفت العلة، واشتركا فيها، والعلة هنا لم تتحقق، فلا يلتحق غير العصر بها. وهذا لا يدفع الاحتمال، واحتج ابن عبد البر بما رواه ابن أبي شيبة، عن أبي قِلابة، عن أبي الدرداء مرفوعًا: "من ترك صلاة مكتوبة حتى تفوته
…
" الحديث، لكن في إسناده انقطاع، لأن أبا قِلابة لم يسمع من أبي الدرداء.
ورواه أحمد عن أبي الدرداء بلفظ: "من ترك العصر" فرجع حديث أبي الدرداء إلى تَعيين العصر. وقد روى ابن حبّان وغيره عن نوفل بن معاوية مرفوعًا: "من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله" وهذا ظاهره العموم في الصلوات المكتوبة. وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن نوفل بلفظ: "لأن يوتر أحدكم أهله وماله خير له من أن تفوته صلاة"، وهذا أيضًا ظاهره العموم، فيحصل به الاحتجاج لما قاله ابن عبد البر. ورواه الطبرانيّ من وجه آخر، وزاد فيه: عن
الزهريّ، قلتُ لأبي بكر بن عبد الرحمن لما حدثه به: ما هذه الصلاة؟ قال: العصر. ورواه ابن أبي خيثمة من وجه آخر، فصرح بكونها العصر في نفس الخبر، والمحفوظ أن كونها العصر من تفسير أبي بكر بن عبد الرحمن.
ورواه الطحاويّ والبيهقيّ من وجه آخر، وفيه أن التفسير من قول ابن عمر، فالظاهر اختصاص العصر بذلك. وقيل: إن صلاة العصر خصت بذلك لاجتماع المتعاقبين فيها من الملائكة، وعورض بأن صلاة الفجر كذلك يجتمع فيها المتعاقبان، وأجيب باحتمال أن التهديد إنما غلظ في العصر دون الفجر، لأنه لا عذر في تفويتها، لأنها وقت يقظة، بخلاف الفجر، فربَّما كان النوم عندها عذرًا.
وقوله: "فكأنما"، كذا الكشميهنيّ، وسقط لفظ "صلاة" والفاء من قوله:"فكأنما". وقوله: "وتر أهله وماله"، أي: بالنصب عند الجمهور على أنه مفعول ثان لوُتِرَ، وأضمر في وتر مفعول لم يسم فاعله، وهو عائد على الذي فاتته. ووتر بمعنى سُلب، وهو يتعدى الى مفعولين، وقيل بالرفع على أن وتر بمعنى أُخذ، فيكون أهله هو المفعول الذي لم يسم فاعله، والمعنى على هذا أُخذ أهله وماله، فصار وَترًا. وقيل: وتر هنا بمعنى نقص، فعلى هذا يجوز رفعه ونصبه، فمن رد النقص إلى الرجل نصبهما، ومن رده إلى الأهل والمال رفعهما. وقيل: منصوب على نزع الخافض، أي: وتر في أهله وماله، فلما حذف الخافض انتصب.
ويروى "أهلُه" بالرفع على أنه نائب الفاعل بدون إضمار، بل يقوم أهلُ مقام الفاعل، وماله عطف عليه، أي: انتزع منه أهله وماله، والمعنى أن من وُتر أهله وماله قد تُرك فردًا منها، وبقي بلا أهل ولا مال، فليحذر من تفويتها كحذره من ذهاب أهله وماله.
ثم قال: قال أبو عبد الله: {يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} وترت الرجل، إذا قتلت له قتيلًا، أو أخذت له مالًا، وهذه الزيادة في رواية المستملي دون غيره، وأبو عبد