الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خاتمة
وبعد: فلم يكن الإمام أحمد رحمه الله ممن يتطلع إلى شهرة زائفة، أو يتهالك على منصب موهوم. وإنما يترجم بسيرته وسلوكه ما وعاه من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه السلف الصالح من بعده.
وكان حريصا كل الحرص أن ينقل ذلك إلى طلابه ومن يخالطه؛ لتترسخ هذه المبادئ والمثل الكريمة النادرة في النفوس، وتبقى حية متقدة.
وهو حينما يكره الرأي وأهل الرأي، ولا يطيق جدالهم ولا رؤية تآليفهم، لما يشاهد من آثارهم التي بلبلت الأفكار وأقضت المضاجع.
وفي فقهه النموذج الجاد لما كان عليه السلف الصالح، من الإعراض عما لا يفيد وعن تكثير المسائل وافتراضها، مع جودة الفهم وبعد النظر ودقة الاستنباط. وما كان من مصطلحاته فيما نقل من مسائله وفتاويه، إلا لما تحلى به من الورع والتوقي، والحرص الشديد على اتباع السلف في أحوالهم وأقوالهم.
أسأل الله تعالى أن ينفعنا جميعا بما نقول ونسمع ونقرأ.
والله الموفق، والهادي إلى سواء السبيل.
صفحة فارغة
شركة الأبدان
د. صالح بن عبد الرحمن الأطرم
مقدمة:
الحمد لله الذي أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث، وصلى الله وسلم على نبينا محمد النبي الأمي الذي أمر أمته بالمعروف ونهاهم عن المنكر وأحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث، وعلى آله وأصحابه ومن اتبعهم بإحسان ممن تلقى سنة نبيه وعلمها كما سمعها وتلقاها.
أما بعد: فقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} (1) وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (2) وسبيل المؤمنين فيما يغذون به أرواحهم وأبدانهم ويقوون به أجسامهم من الحر والبرد سبيل الرسل، والرسل أمروا بالعمل الصالح والأكل من الطيبات قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} (3) ففرض الله عليهم هذا السبيل وأعلمهم بعلمه لهم إن
(1) سورة البقرة الآية 168
(2)
سورة البقرة الآية 172
(3)
سورة المؤمنون الآية 51
خالفوه بأعمالهم فقال: {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} (1) وأخبر أن هذا دين الرسل وأتباعهم، والآخذ به هو المتقي قال تعالى:{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (2) وأخبر سبحانه عن مدى التفرق في الدين وذم التحزب فيه قال تعالى: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (3) وهذا الذم يشمل من تقطع أمرهم عن المعتقد الصحيح وعن طريق الكسب الحلال، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أسباب قبول الأعمال وإجابة الدعاء هو الكسب الحلال لما يحتاج إليه الإنسان في هذه الدنيا وأن الكسب الخبيث وتناوله سبب للرد، واستبعد عليه الصلاة والسلام استجابة دعاء صاحب الكسب الخبيث «فذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له (4)» فاشتمل هذا الحديث على ذكر أسباب إجابة الدعاء وموانع قبوله والاستبعاد لقبوله مع وجود موانعه، والخبيث يعم ما خبث بنفسه كالنجاسات وما حرم أكله من الحيوان وغيره مما به ضرر على الأجسام والعقول، ويعم ما خبث طرق اكتسابه بمخالفته لشرع الله كطريق السرقة والغصب والرشوة، والتحدث عن هذا الجانب تفيض به الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
فأسأل الله سبحانه أن يوفقني لأن أكون عند حسن ظن الجميع وأكتب فيما ظهر لي حول هذا الموضوع، وأسأله الإعانة والتوفيق للصواب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(1) سورة المؤمنون الآية 51
(2)
سورة المؤمنون الآية 52
(3)
سورة المؤمنون الآية 53
(4)
رواه مسلم (1015) والترمذي (4074) والدارمي (2720) وأحمد 2/ 328.
معنى الشركة لغة:
ضبطت " الشركة " بكسر الشين وإسكان الراء " شركة " على وزن " فعلة " وبفتح الشين وكسر الراء " شركة " على وزن " فعلة " قاله في
اللسان (1) وهذا اللفظ اللغوي يشمل جميع أنواع الشركات الاصطلاحية عند الفقهاء، وما فيه اختلاط من دلالة اللغة العربية حقا كان أو باطلا، والاسم من الشركة " شرك " وهو عنصر المادة وأساسها ومنطلق كل مشتقاتها، ومنه إطلاق الشرك على عبادة غير الله، قال تعالى في قول لقمان لابنه:{يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (2).
والشركة في اصطلاح الفقهاء:
نوع من أنواع التعاون على عمارة هذه الحياة الدنيا مما يعود على تقويم الأبدان وسد حاجياتها حيث لا يستغني أحد عن أحد، فهذا يستطيع أمرا وهذا لا يستطيع، وهذا يعرف شيئا وهذا يعرف غيره، فاشترك الناس في عمارة هذه الحياة الدنيا شاءوا أم أبوا، قال تعالى:{نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} (3).
فعمر الله الكون بأن سلك كل فرد سبيلا من سبل عمارته بحيث ينفع غيره وينتفع بعمل غيره، منطلقا المسلم من تعاليم دينه فيما يملكه من الطرق وغيره لا يبالي فيما سلك، ويصور الشاعر هذا المعنى بقوله:
الناس للناس من بدو وحاضرة
…
بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
وقدرات الإنسان الفردية محدودة لا تفي بغرضه فجاءت مشروعية الشركة بانضمامه لغيره في طرق اكتسابه وتنمية ماله فأفرد الفقهاء بابا مستقلا في أحكام المعاملات ذكروا فيه أنواع الشركات الشرعية المتفق عليها
(1) اللسان مادة " شرك " 10/ 448 دار صادر.
(2)
سورة لقمان الآية 13
(3)
سورة الزخرف الآية 32
في الجملة والتي لا يزال وجودها في كل قرن ومجتمع ولو تغيرت مسمياتها عما في كتب الفقه، وهذا المعنى ينطبق على الشركات المنشأة وهي شركة العقود، وقد تطلق الشركة على المستحقات في الأملاك المشاعة، ومن هنا نجد الفقهاء يقسمون الشركة بادئ ذي بدء إلى قسمين:(شركة أملاك وشركة عقود) فجاءت تعريفاتهم مختلفة حسب هذا الاعتبار، فمن تعاريفهم ما شملت شركة الأملاك والعقود، ومن التعاريف ما أريد بها شركة العقود فقط.
فمن التعاريف التي شملت النوعين تعريف الحنابلة حيث قالوا: هي اجتماع في استحقاق أو تصرف، (1) فقولهم: الاجتماع في الاستحقاق، أرادوا به شركة الأملاك كاشتراك في تركة، وقولهم: أو تصرف أرادوا به شركة العقود بأنواعها وهي شركة العنان وشركة المضاربة وشركة المفاوضة وشركة الوجوه وشركة الأبدان.
وجاء عند الشافعية للشركة تعريفان:
أحدهما يخص شركة الأملاك والاستحقاقات والثاني يضم النوعين (الاستحقاق والعقود).
فالتعريف الأول: في مغني المحتاج (2) حيث قال بعدما عرفها لغة: " وشرعا " ثبوت الحق في شيء لاثنين وأكثر على جهة الشيوع " ومثل هذا التعريف في روضة الطالبين "(3).
والتعريف الثاني: " للشافعية في نهاية المحتاج (4) حيث قال: هي ثبوت الحق شائعا في شيء واحد أو عقد يقتضي ذلك ".
(1) المغني 5/ 3 وكشاف القناع 3/ 496 والمطلع للبعلي ص260.
(2)
2/ 212.
(3)
4/ 275.
(4)
5/ 3.