الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بحث في حكم زكاة المال الحرام
الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع (1)
القاضي بمحكمة التمييز بمكة المكرمة
وعضو هيئة كبار العلماء
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، محمد وعلى آله وصحبه وبعد:
الزكاة عبادة مالية، فرضت في السنة الثانية من الهجرة، وقيل في السنة الرابعة، وهي إحدى دعائم الإسلام الخمس، جاءت النصوص الكثيرة من كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشروعيتها، وغالبها مقرون بالصلاة وبالجهاد وبالصبر، دفعها مظهر لشكر الله تعالى على كرمه وتكرمه وفضله وتفضله. دافعها حري بمرضاة الله ورحمته ومغفرته، ومنعها سبب من أقوى الأسباب لغضب الله ومحق المال.
الزكاة في اللغة من زكا يزكو إذا نما، قال تعالى:{وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} (2) وقال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} (3) وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} (4) وقال تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} (5) فهي بما ذكر تدل على معان مشتركة هي: الطهارة والنماء والبركة والمدح.
(1) ورد للكاتب ترجمة في العدد السابع من المجلة.
(2)
سورة الروم الآية 39
(3)
سورة التوبة الآية 103
(4)
سورة الشمس الآية 9
(5)
سورة النجم الآية 32
فهي تزكية للمال بنمائه بإخراجها منه، وتطهير لدافعها من الآثام وسوء الأخلاق، من شح وبخل وحسد واستعلاء وطغيان. وفيها إغناء للفقراء والمساكين عن مذلة الفاقة والمسكنة والمتربة وتكفف الناس.
قال في شرح المنتهى في ذكر معاني دفعها: لأنها تطهر مؤديها من الإثم، أي تنزهه عنه، وتنمي أجره، أو تنمي المال أو الفقراء (1) ومعناها في الاصطلاح الشرعي: حق واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص، وهذه القيود في هذا التعريف مقصودة لإخراج ما قد يظن دخوله فيها باعتبار الزكاة حقا واجبا وأنها ليست تفضلا وتكرما من دافعها، وإنما هي حق تعلقت ملكيته بغير من هي بيده من ملاك الأموال الزكوية، فمنعها منع حق يلزم أداؤه لمستحقه.
وكون الزكاة واجبة في مال مخصوص يعني أن بعض الأموال لا تجب فيها الزكاة فهل المال الحرام من هذه الأموال غير الزكوية؟.
مما تقدم يتضح أن للزكاة أهدافا أهمها:
1 -
تطهير دافعها من الآثام وسوء الأخلاق.
2 -
تنمية المال وازدياده بالعناية بإخراجها منه ودفعها إلى مستحقيها.
3 -
إغناء الفقراء والمساكين عن العوز والحاجة ومذلة السؤال، وذلك بأدائها لهم على سبيل الاستحقاق.
وقد اشترط أهل العلم لوجوبها أن تكون في مال مملوك لصاحبه ملكا تاما مستقرا، فلا زكاة في وقف، ولا زكاة على سيد مكاتب في دين كتابة لعدم استقراره، ولا في صداق قبل الدخول، ولا في حصة مضارب من الربح قبل القسمة.
(1) شرح المنتهى ج1 ص363.
كما اشترطوا أن يكون المالك مسلما لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ بن جبل: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم (1)» فقد جعل وجوب الزكاة عليهم بعد استجابتهم إلى الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله.
ونظرا إلى أن موضوع البحث حكم الزكاة في المال الحرام، فإن الوصول إلى حكم ذلك قد لا يتيسر قبل النظر في الاعتبارات التالية:
1 -
حكم وجوب الزكاة في مال المسلم مطلقا سواء أكان هذا المال حلالا أو حراما.
2 -
النظر في وجه حرمة المال الحرام حيث إن التحريم إما أن يكون متعلقا بذات المال نفسه كالخمور والمخدرات والخنازير وآلات اللهو، وإما أن تكون الحرمة متعلقة بصفة عالقة بذلك المال يمكن التخلص منها وتعود للمال إباحته، وفي حال بقائها فإن تلك الصفة لا تعود على المال نفسه بالتحريم تحريما ذاتيا كحرمة الخمر والخنزير، فهل لهذا التفريق أثر في وجوب الزكاة في هذا المال أو سقوطها. .؟
3 -
هل لتخلف بعض أهداف إخراج الزكاة أثر في سقوط وجوبها أو بقاء الوجوب؟
4 -
التفريق بين مال حرام لوصفه تاب مالكه من الاستمرار في اكتسابه توبة نصوحا، ولا يزال هذا المال في يده وبين من بيده المال الحرام ولا يزال مصرا ومستمرا في ممارسة اكتسابه.
هذه الاعتبارات يمكن اعتبارها مباحث أربعة يقتضي كل مبحث منها إفراده ببحث مستقل به، والله المستعان.
(1) صحيح البخاري المغازي (4347)، صحيح مسلم الإيمان (19)، سنن الترمذي الزكاة (625)، سنن النسائي الزكاة (2522)، سنن أبو داود الزكاة (1584)، سنن ابن ماجه الزكاة (1783)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 233)، سنن الدارمي الزكاة (1614).