الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: في حكم المراجعة من الطلاق في الحيض وحكمتها وحكم الإجبار على الرجعة:
وفيه ثلاثة فروع:
الفرع الأول: حكم المراجعة من الطلاق في الحيض:
اختلف الفقهاء رحمهم الله في حكم المراجعة من الطلاق في الحيض على قولين:
القول الأول: وجوب المراجعة، وهو مذهب مالك، وقول في مذهب أبي حنيفة، وذكر ابن عابدين أنه الأصح، وهو رواية عند الحنابلة، وإليك بعض نصوص من ذكرت:
جاء في المدونة الكبرى للإمام مالك - (قلت) أرأيت الرجل يطلق امرأته وهي حائض أو نفساء أيجبره مالك قبل أن يراجعها (قال) قال مالك: من طلق امرأته وهي نفساء أو حائض أجبر على رجعتها إلا أن تكون غير مدخول بها، فلا بأس بطلاقها، وإن كانت حائضا أو نفساء (1).
وجاء في حاشية رد المحتار لابن عابدين ما نصه: (وتجب رجعتها) - أي المطلقة في الحيض - على الصحيح (فيه) أي الحيض رفعا للمعصية، فإذا طهرت طلقها إن شاء أو أمسكها (2).
وجاء في المغني لابن قدامة ما نصه: (وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى أن الرجعة تجب واختارها، وهو قول مالك وداود (3).
(1) المدونة الكبرى للإمام مالك 2/ 70 وانظر بداية المجتهد 2/ 48.
(2)
حاشية رد المختار لابن عابدين 3/ 246.
(3)
المغني لابن قدامة 7/ 100.
القول الثاني:
استحباب الرجعة وهو قول في مذهب الحنفية، وقول الشافعي، والمشهور في مذهب الحنابلة، وإليك بعض نصوص من ذكرت:
جاء في بدائع الصنائع ما نصه: " وإذا طلقها في حالة الحيض فالأفضل أن يراجعها؛ لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما لما طلق امرأته في حالة الحيض أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها، ولأنه إذا راجعها أمكنه أن يطلقها للسنة فتبين منه بطلاق غير مكروه فكانت الرجعة أولى، ولو امتنع عن الرجعة لا يجبر عليها "(1).
وجاء في روضة الطالبين للنووي ما نصه: فرع إذا طلق في الحيض طلاقا محرما استحب له أن يراجعها (2).
وجاء في المغني لابن قدامة ما نصه: ويستحب أن يراجعها لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمراجعتها، وأقل أحوال الأمر الاستحباب ولأنه بالرجعة يزيل المعنى الذي حرم الطلاق، ولا يجب ذلك في ظاهر المذهب (3).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل الموجبون للرجعة بقوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه في قصة
(1) بدائع الصناع للكاساني 3/ 94.
(2)
روضة الطالبين للنووي 8/ 4.
(3)
المغني لابن قدامة 7/ 100.
طلاق ابنه في الحيض المتقدمة: مره فليراجعها - قالوا والأمر يقتضي الوجوب، قالوا ولأن الرجعة تجري مجرى استبقاء النكاح، واستبقاؤه هاهنا واجب بدليل تحريم الطلاق؛ ولأن الرجعة إمساك للزوجة بدليل قوله تعالى:{فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} (1) فوجب ذلك كإمساكها قبل الطلاق، ولما تتضمنه من رفع المعصية التي وقع فيها المطلق بالحيض.
(1) سورة البقرة الآية 231
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون باستحباب الرجعة بما يأتي:
قال ابن قدامة في المغني: ولنا أنه طلاق لا يرتفع بالرجعة فلم تجب عليه الرجعة فيه كالطلاق في طهر مسها فيه، فإنهم أجمعوا على أن الرجعة لا تجب، حكاه ابن عبد البر عن جميع العلماء، وما ذكروه من المعنى ينتقض بهذه الصورة، وأما الأمر بالرجعة فمحمول على الاستحباب كما ذكرنا انتهى (1).
الترجيح والمناقشة:
قلت والذي يترجح لي هو القول بوجوب الرجعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بها، والأمر يقتضي الوجوب إلا لصارف ولم يوجد، ودعوى تعذر ارتفاع الطلاق بالرجعة - على القول بوقوع الطلاق - لا يصح أن يكون صارفا للصيغة عن الوجوب؛ لجواز إيجاب رفع أثرها، وهو العدة وتطويلها، إذ بقاء الشيء بقاء ما هو أثره من وجه فلا تترك الحقيقة.
أما الاستدلال على عدم وجوب الرجعة من الطلاق في الحيض، بالقياس على عدم وجوبها من الطلاق في الطهر المجامع فيه، حيث هو مجمع عليه، كما ذكره ابن عبد البر فعنه جوابان:
الأول: عدم التسليم بدعوى الإجماع على عدم وجوب الرجعة من الطلاق في الطهر المجامع فيه، قال ابن القيم في شرح لسنن أبي داود ما نصه: " وقوله صلى الله عليه وسلم ثم ليطلقها طاهرا قبل أن يمس، دليل على أن طلاقها في الطهر الذي مس فيه ممنوع فيه، وهو طلاق بدعة، وهذا متفق عليه فلو طلق فيه قالوا لم يجب عليه رجعتها.
(1) المغني لابن قدامة 7/ 101.
قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن الرجعة لا تجب في هذه الصورة، وليس هذا الإجماع ثابتا وإن كان قد حكاه صاحب المغني أيضا، فإن أحد الوجهين في مذهب أحمد وجوب الرجعة فيه كما تجب في زمن الحيض (1) الجواب الثاني
لو سلمنا جدلا بدعوى الإجماع فإن قياس الرجعة من الطلاق في الحيض على الرجعة من الطلاق في الطهر المجامع فيه قياس مع الفارق لعدة وجوه:
الوجه الأول: أن الأمر بالارتجاع من الطلاق في الحيض جاء من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأت من الطلاق في الطهر المجامع فيه، نعم قد جاء النهي عن إيقاع الطلاق في كل منهما، وكل منهما مخالف للسنة، وطلاق بدعة باتفاق العلماء كما تقدم، لكن الأمر بالمراجعة لم يأت إلا من الطلاق في الحيض.
الوجه الثاني: أن كثيرا من العلماء رحمهم الله قد فرقوا بينهما في الحكم، فقد جاء في المدونة الكبرى لمالك ما نصه:(قلت أرأيت إن طلقها في طهر جامعها فيه هل يأمره مالك بمراجعتها كما يأمره بمراجعتها في الحيض (قال) لا يؤمر بمراجعتها وهو قرء واحد وإنما الصواب أن يطلق في طهر لم يجامع فيه (2).
وقال ابن حجر في فتح الباري بعد ذكره بالمراجعة من الطلاق في الحيض ما نصه: واتفقوا على أنها إذا انقضت عدتها أن لا رجعة وأنه لو طلق في طهر مسها فيه لا يؤمر بمراجعتها، كذا نقله ابن بطال وغيره لكن الخلاف فيه ثابت قد حكاه الحناطي من الشافعية وجها (3).
(1) شرح سنن أبي داود لابن القيم المطبوع مع عون المعبود 6/ 248.
(2)
المدونة الكبرى لمالك 2/ 70.
(3)
فتح الباري شرح صحيح البخاري 9/ 349.