الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صلى الله عليه وسلم ليأخذ نضو أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح (1).
وجه الاستدلال: أن مثل هذا لم يكن خافيا على النبي صلى الله عليه وسلم وقد أقرهم. وقال الإمام أحمد أشرك بينهم النبي صلى الله عليه وسلم فدل ذلك على مشروعيتها في الجملة.
(1) أخرجه أبو داود في سننه (ح36) وأحمد في المسند. انظر الفتح الرباني 14/ 25.
حكم شركة الأبدان
القول بشركة الأبدان أنها جائزة عند الحنابلة والحنفية والمالكية على اختلاف بينهم في بعض الجزئيات.
قال ابن قدامة في المغني (1) مسألة: قال: " وشركة الأبدان جائزة " معنى شركة الأبدان أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم كالصناع يشتركون على أن يعملوا في صناعاتهم فما رزق الله تعالى فهو بينهم فإن اشتركوا فيما يكتسبون من المباح كالحطب والحشيش والثمار المأخوذة من الجبال والمعادن والتلصص على دار الحرب فهذا جائز نص عليه أحمد في رواية أبي طالب فقال: لا بأس أن يشترك القوم بأبدانهم وليس لهم مال مثل الصيادين والنقالين والحمالين، وقد أشرك النبي صلى الله عليه وسلم بين عمار وسعد وابن مسعود فجاء سعد بأسيرين ولم يجيئا بشيء.
وجاء في كشاف القناع (2) بعد تعريفها وبيان أنواعها " فهي شركة
(1) المغني 5/ 5.
(2)
3/ 527.
صحيحة روى أبو طالب: لا بأس أن يشترك القوم بأبدانهم وليس لهم مال مثل الصيادين والبقالين والحمالين، وقد أشرك النبي صلى الله عليه وسلم بين عمار وسعد وابن مسعود فجاء سعد بأسيرين ولم يجيئا بشيء ".
وقال السرخسي في المبسوط: (1)" فأما شركة التقبل فهي صحيحة عندنا " ثم وجه ذلك بقوله: " ولكنا نقول جواز الشركة باعتبار الوكالة، وتوكيل كل واحد منهما صاحبه بتقبل العمل صحيح، فكذلك الشركة، والناس تعاملوا بهذه الشركة وشركة الوجوه من لدن رسول صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير وهو الأصل في جواز الشركة ".
وقال ابن جزى من المالكية في القوانين الفقهية (2): " وأما شركة الأبدان فهي في الصنائع والأعمال وهي جائزة خلافا للشافعي ".
فاتضح لنا جواز شركة الأبدان في مذهب الحنابلة والحنفية والمالكية في المبدأ، وأما في الجزئيات فالحنابلة يقولون بجوازها مطلقا، سواء اتفقت الصنائع أو اختلفت، اتحد مكان العمل أو اختلف، وسواء كانت في الصنائع أو الأعمال أو التقبل أو في المباحات المكتسبة، والحنفية يستبعدون المباحات ويخرجونها، أما المالكية فيتفقون مع الحنفية سوى أنهم يضيقون مجالها فيشترطون اتحاد الصنائع واتحاد مكان العمل.
والقول الثاني في حكم شركة الأبدان أنها باطلة بأنواعها وجزئياتها وهو قول الشافعية، قال في المهذب (3).
" فصل ": وأما شركة الأبدان وهي الشركة على ما يكتسبان بأبدانهما فهي باطلة ثم احتج على ذلك بدليل وتعليل فقال: " لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل شرط ليس في
(1) المبسوط 11/ 154، وانظر بدائع الصنائع 6/ 57.
(2)
القوانين الفقهية لابن جزى ص 187.
(3)
المهذب للشيرازي 1/ 346.
كتاب الله فهو باطل (1)» وهذا الشرط ليس في كتاب الله تعالى، فوجب أن يكون باطلا، ولأن عمل كل واحد منهما ملك له يختص به فلم يجز أن يشاركه الآخر في بدله، فإن عملا وكسبا أخذ كل واحد منهما أجرة عمله؛ لأنها بدل عمله فاختص بها ". .
وقالوا أيضا: " إن الشركة إنما تختص بالأموال لا بالأعمال لأن ذلك لا ينضبط فهو غرر عندهم إذ كان عمل كل واحد منهما مجهولا عند صاحبه "(2).
والراجح قول الجمهور وهو أن شركة الأبدان جائزة في الجملة لما يأتي:
1 -
ما يشتمل عليه القول بجوازها من التوسعة على الناس في تعاملهم بدون ضرر يلحقهم.
2 -
ولما في مشروعية هذه الشركة من التعاون بين أفراد المجتمع مما يرفع مستوى المعيشة ويقوي المعنوية ويشجع بعضهم بعضا في تحصيل الثروة وسد حاجيات المجتمع والقدرة على توفير متطلبات الحياة، وخصوصا في هذا العصر الذي تنوعت فيه طرق المكاسب من بعيد وقريب.
3 -
أن عمل الصحابة صريح في الدلالة ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ويستبعد خفاؤه على النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن أحمد رحمه الله لم يقل ذلك إلا عن علم.
4 -
أن الأصل في المعاملات الإباحة ولم يرد ما يحظر هذا ويمنعه كيف وقد جاء ما يعضد هذا الأصل.
(1) صحيح البخاري العتق (2563)، صحيح مسلم العتق (1504)، سنن الترمذي الوصايا (2124)، سنن النسائي الطلاق (3451)، سنن أبو داود العتق (3929)، سنن ابن ماجه الأحكام (2521)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 213)، موطأ مالك العتق والولاء (1519)، سنن الدارمي الطلاق (2289).
(2)
بداية المجتهد 2/ 255، والإفصاح 2/ 4 - 6.
5 -
أن الاستدلال بما روي عن ابن مسعود قوي، سواء قلنا برفعه أو بإرساله، فالاستدلال بالمراسيل قال به جمهور الفقهاء.
ويجاب عن استدلال الشافعي بحديث عائشة رضي الله عنها وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل (1)» بما يأتي:
(أ) أن معنى الحديث: أن يحل هذا الشرط حراما أو يحرم حلالا والاشتراك في الأعمال ليس من هذا القبيل.
(ب) لو أخذ بظاهره لتناول بطلان كثير من المعاملات المشروعة.
ويجاب عن استدلال الشافعي: بأن شركة الأبدان فيها غرر بما يأتي:
(أ) أن هذا الغرر ليس على واحد دون الآخر، بل كل واحد منهما يحتمل استفادته بما أباح له صاحبه من كسبه فلا يختص الضرر بواحد دون الآخر.
(ب) أن كلا منهما يقوم بعمل متوقع كسبه.
(ج) أن هناك من الغرر ما يغتفر كما في شركة العنان والمضاربة وهما مشروعان عند الجميع.
وإشارة إلى مذهب الظاهرية (2) في هذه المسألة فإنها عندهم غير جائزة، وجعلوها من أكل أموال الناس بالباطل، بناء على أن الأصل عندهم في المعاملات الحظر، ولم يثبت الدليل عندهم على جواز هذه الشركات فلذلك أبطلوها جملة وتفصيلا.
ويجاب عن شبهتهم: أن الأصل في العقود الإباحة إلا ما دل الدليل على حظره، وفي مسألتنا دل الدليل على جوازه كما سبق.
(1) صحيح البخاري العتق (2563)، صحيح مسلم العتق (1504)، سنن الترمذي الوصايا (2124)، سنن النسائي الطلاق (3451)، سنن أبو داود العتق (3929)، سنن ابن ماجه الأحكام (2521)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 213)، موطأ مالك العتق والولاء (1519)، سنن الدارمي الطلاق (2289).
(2)
المحلى لابن حزم 5/ 142 طبعة مطبعة الإمام.