الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أهمية خاصة على ضرورة توثيق الحديث من مصادره المعتمدة عند أهله، وعدم التساهل بشيء من ذلك.
الطريقة المثلى في توثيق الحديث:
ينبغي أن يشتمل توثيق الحديث على العناصر التالية:
1 -
أن يذكر اسم الكتاب، وعنوان الباب الذي ورد فيها الحديث. فيقال مثلا:
أخرجه البخاري في صحيحة، في كتاب العلم، باب العلم.
2 -
أن يذكر رقم الباب، ورقم الحديث - إن وجدا.
والعنصر الأول هو أهم هذه العناصر التي لا ينبغي إغفالها؛ لأن اسم الكتاب وعنوان الباب أمران ثابتان، لا يتغيران في جميع الطبعات. أما أرقام الأجزاء والصفحات فتتغير تبعا لتعدد الطبعات، كما أن أرقام الأبواب والأحاديث تخلو منها كثير من كتب السنة - لا سيما ما طبع منها قديما.
فمن أتى بهذه العناصر جميعا عند توثيقه للحديث الشريف، فقد اتبع أكمل وأمثل طريقة، كما أنه لا حرج كبيرا على من اقتصر على العنصر الأول، إنما الحرج فيمن أغفل ذلك العنصر، ولو ذكر العنصرين الآخرين، فإن ذلك سيتعب القارئ الذي لا يملك طبعة الباحث، في الرجوع إلى الحديث المستشهد به. بينما يبذل هذا الجهد فيما لو وجد القارئ اسم الكتاب وعنوان الباب في ذلك التوثيق، لوجود هذه العناوين في جميع الطبعات.
اعتناء المحدثين السابقين بالتوثيق الأمثل:
إن هذا الأمر الذي أدعو إليه قد يعتبره بعض الباحثين تعصبا مني للعلم الذي تخصصت به، وشرفت بالانتماء إليه، وأني أول من ابتدعه وجاء به.
والحقيقة أن ما أدعو إليه ليس جديدا على علماء الحديث، فقد استعمله المحدثون في السابق، وعلى الأخص شراح الحديث، والمشتغلون بعلم التخريج منهم، فقد رأوا ضرورة ذلك والتزموه، فتراهم إذا أحالوا على حديث ما يقولون: أخرجه فلان في كتاب كذا، باب كذا، وإن أي قراءة - ولو كانت عابرة - لشروح بعض الأحاديث، في كتاب فتح الباري للحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ، أو في كتاب عمدة القاري للحافظ بدر الدين العيني المتوفى سنة 855هـ، أو أي شرح آخر، تدلنا دلالة قاطعة على عناية أولئك المحدثين بذلك التوثيق، وإن هذا ظاهر ظهور الشمس في شروح البخاري أكثر من غيره؛ لأن من عادة البخاري رحمه الله أن يجزئ حديثا ويقطعه، أو يكرره في موضع آخر، فحتى لا يكرر الشارح شرحه كلما تكرر من الحديث فإنه يحيل على الشرح الأول، ولو أحال على الجزء والصفحة، لكانت الإحالة لغوا لا فائدة منها، تلك بعض المعلومات في صفحة أو جزء آخر. لذا يحيلون على الكتاب والباب.
وسأختار عشوائيا مثالين من كتاب عمدة القاري ليؤكدا صحة ما ذكرت.
ففي كتاب الصيام، باب القبلة للصائم، وبعد أن أورد العيني الحديث قال (1) والحديث مضى في كتاب الحيض، في باب من سمى النفاس حيضا، فإنه أخرجه هناك عن. . وذكر السند.
وفي الكتاب نفسه، باب السواك الرطب واليابس للصائم، قال (2)
(1) عمدة القاري 11/ 11.
(2)
عمدة القاري 11/ 21.
بعد أن أورد الحديث: مر هذا الحديث في كتاب الوضوء، في باب الوضوء ثلاثا ثلاثا، فإنه أخرجه هناك عن. . وساق السند.
فانظر كيف ذكر اسم الكتاب والباب اللذين فيها الحديث، ولم يكتف بذلك، بل ذكر سند البخاري لذلك الحديث هناك. وفائدة ذكر السند أن الباب الواحد يشتمل في الأغلب على أكثر من حديث واحد، فحتى لا يجهد المراجع - ولو قليلا - في البحث عن حديث بين بضعة أحاديث، يختصر الوقت ويبحث عن شيخ البخاري، المذكور في أول سند الحديث، فيسهل ذلك له الوصول إلى مبتغاه. ولا يدرك أهمية ذلك إلا من ذاق عناء البحث، وعرف أهمية الوقت، فاحترم وقت قارئه، ولم يكن سببا في إهداره.
ولو رجعنا إلى ما قبل الحافظ العيني والحافظ ابن حجر، وجدنا الحافظ المزي المتوفى سنة 742هـ، وقد اهتم ببيان ذلك في كتابه الفريد، تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف فبعد أن يذكر- رحمه الله تعالى طرف الحديث، ويرمز إلى من أخرجه، يذكر موضوع وروده في ذلك الكتاب، مع ذكر السند.
وهناك مثال على ذلك من مسند الصحابي أبيض بن حمال الحميري، فبعد أن أورد المزي طرف الحديث قال:(1).
" د. في الخراج، عن قتيبة بن سعيد ومحمد بن المتوكل العسقلاني،
(1) تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف 1/ 7. ود. يعني أبا داود في سننه، والخراج أي كتاب الخراج في السنن.
كلاهما عن محمد بن يحيى بن قيس المأربي، عن أبيه، عن ثمامة بن شراحيل، عن سمي بن قيس، عن شمير بن عبد المدان، عن أبيض بن حمال به. . ".
وإن اقتصر المزي في تحفته على ذكر الكتاب دون الباب، فإيراده للسند الذي جاء به الحديث يعوض ذلك النقص، لا سيما في تلك العصور التي كانت تهتم بالأسانيد.
وقد شعر ناشر تحفة الأشراف بأهمية ذكر الباب بعد ذكر الكتاب، فقام مشكورا بذكر رقم الباب ورقم الحديث، ووضع ذلك بين قوسين تمييزا عن أصل المصنف.
وفي القرن المنصرم قام الشيخ محمد بن مصطفى التوقادي - أحد علماء الأستانة - بصنع فهرس لأحاديث صحيحي البخاري ومسلم مرتبا المتن على حروف المعجم، ذاكرا مكان ورود الحديث بالجزء والصفحة في صحيح البخاري، وأشهر شروحه، ولم يكتف بذلك، فقد ذكر - يرحمه الله تعالى - عنوان الكتاب الذي ورد فيه الحديث، ورقم الباب كذلك، ولو اقتصر على ذكر الجزء والصفحة فقط، لعدمت الفائدة منه الآن، لندرة وجود الطبعات التي اعتمدها آنذاك. ولكن صنيعه هذا جعل نفع كتابه عاما لكل من ملك نسخة - من صحيح البخاري أو مسلم أو أحد شروحهما، مهما تختلف الطبعات، ومهما يتقدم الزمن (1).
هذا نزر يسير من الأمثلة - وهي كثيرة جدا - تدل على أن التوثيق
(1) انظر تنويها بهذا العمل الذي قام به التوقادي في مقدمة سنن الترمذي للعلامة أحمد شاكر جـ1 ص60