الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: ومما تقدم يتضح اتفاقهم على أن العدة إذا انقضت أن لا رجعة، وقال ابن القيم رحمه الله: وقال بعض الموجبين إن أبى رجعتها أجبر عليها، فإن امتنع ضرب وحبس، فإن أصر حكم عليه برجعتها، وأشهد أنه ردها عليه فتكون امرأته؛ يتوارثان، ويلزمه جميع حقوقها حتى يفارقها فراقا ثانيا، قاله أصبغ وغيره من المالكية.
ثم اختلفوا، فقال مالك: يجبر على الرجعة إن طهرت ما دامت في العدة؛ لأنه وقت الرجعة، وقال أشهب إذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت لم تجب رجعتها في هذه الحال، وإن كانت في العدة؛ لأنه لا يجب عليه إمساكها في هذه الحال لجواز طلاقها فيه، فلا يجب عليه رجعتها فيه؛ إذ لو وجبت الرجعة في هذه الوقت لحرم الطلاق فيه (1)
(1) شرح سنن أبي داود لابن القيم المطبوع مع عون المعبود 6/ 244.
المطلب الثالث: وقت الطلاق بعد الطلاق في الحيض وحكمة تأخيره إلى الطهر وبيان المراد بالطهر:
وفيه ثلاثة فروع:
الفرع الأول: وقت الطلاق لمريده بعد الطلاق في الحيض:
إذا طلق الرجل زوجته في الحيض فإنه يؤمر بالرجعة كما تقدم، لكن متى يجوز له أن يطلق إن رغب في الطلاق على قولين:
القول الأول:
أن عليه تأخير الطلاق إلى الطهر بعد الطهر الذي يلي حيضة الطلاق، ثم إيقاع الطلاق في الطهر إن أراده، وهذا هو قول أبي حنيفة في ظاهر الرواية عنه، وهو قول مالك، والأصح في مذهب الشافعي، والمشهور في مذهب الحنابلة، وإليك نصوص من ذكرت.
جاء في حاشية ابن عابدين الحنفي ما نصه: ظاهر الرواية كما في الكافي، وظاهر المذهب، وقول الكل كما في فتح القدير: أنه إذا راجعها في الحيض أمسك عن طلاقها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فيطلقها ثانية، ولا يطلقها في الطهر الذي يطلقها في حيضه لأنه بدعي كذا في البحر والمنح وعبارة المصنف تحتمله. انتهت (1).
وجاء في المدونة الكبرى لمالك ما نصه: (قلت) متى يطلقها إن أراد أن يطلقها بعدما أجبرته على رجعتها (قال) يمهلها حتى تمضي حيضتها التي طلقها فيها، ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم يطلقها إن أراد. . قلت: وهذا قول مالك؟ قال: نعم (2).
وجاء في روضة الطالبين للنووي ما نصه: إذا طلق الحيض طلاقا محرما استحب له أن يراجعها، فإن راجع فهل له تطليقها في الطهر التالي لتلك الحيضة؟ وجهان: أصحهما المنع (3).
وجاء في الإنصاف للمرداوي ما نصه: الثانية طلاقها في الطهر المتعقب للرجعة بدعة في ظاهر المذهب، واختاره الأكثر، قاله الشيخ تقي الدين رحمه الله وقد قدمه في الفروع وصححه في الرعاية والقواعد وغيرهما.
القول الثاني:
أنه يجوز له أن يطلق في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق، وهو رواية لأبي حنيفة، ووجه في مذهب الشافعي، إلا أن الأصح عنه المنع وهو رواية عن أحمد وإليك بعض نصوص من ذكرت.
جاء في حاشية ابن عابدين ما نصه: قوله (فإذا طهرت طلقها إن شاء)
(1) حاشية رد المختار لابن عابدين 3/ 246.
(2)
المدونة الكبرى لمالك 2/ 70، وانظر بداية المجتهد 2/ 48.
(3)
روضة الطالبين للنووي 8/ 4.
ظاهر عبارته أن يطلقها في الطهر الذي طلقها في حيضه، وهو موافق لما ذكره الطحاوي، وهو رواية عن الإمام (1).
وجاء في روضة الطالبين للنووي ما نصه: إذا طلق في الحيض. فإن راجع فهل له تطليقها في الطهر التالي لتلك الحيضة؟ وجهان أصحهما المنع (2).
وجاء في الإنصاف للمرداوي: طلاقها في الطهر المتعقب للرجعة بدعة في ظاهر المذهب. وعنه يجوز، زاد في الترغيب: ويلزمه وطؤها (3).
الأدلة:
أدلة القول الأول؛ والذي مفاده تأخير الطلاق إلى طهر بعد الطهر الذي يلي حيضة الطلاق:
استدلوا بما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر من رواية نافع عنه، ومن رواية ابنه سالم عنه:«أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء (4)»
وفي رواية لمسلم عن نافع عن عبد الله: «أنه طلق امرأة له وهي حائض تطليقة واحدة، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض عنده حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر من حيضتها، فإن أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء (5)»
(1) حاشية رد المحتار لابن عابدين 3/ 246.
(2)
روضة الطالبين للنووي 8/ 4.
(3)
الإنصاف للمرداوي 8/ 451.
(4)
صحيح البخاري 7/ 36 بكتاب الطلاق، وصحيح مسلم 4/ 179.
(5)
صحيح البخاري 7/ 36 بكتاب الطلاق وصحيح مسلم 4/ 179.
وقد ذكر مسلم عدة روايات كلها تدل بأنه صلى الله عليه وسلم إنما أذن في طلاقها بعد أن تطهر من تلك الحيضة ثم تحيض ثم تطهر.
أدلة القول الثاني؛ والذي مفاده جواز الطلاق في الطهر الذي يلي الحيضة التي فيها الطلاق:
استدلوا بما رواه مسلم في صحيحه عن قتادة قال سمعت يونس بن جبير قال سمعت ابن عمر يقول: «طلقت امرأتي وهي حائض، فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليراجعها فإذا طهرت فإن شاء فليطلقها، (1)» وروى مسلم أيضا عن طريق عبد الملك عن أنس بن سيرين قال: «سألت ابن عمر عن امرأته التي طلق فقال: طلقتها وهي حائض، فذكر ذلك لعمر، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: مره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها لطهرها، قال فراجعتها ثم طلقتها لطهرها، (2)» وروى مسلم أيضا عن طريق شعبة عن أنس بن سيرين أنه سمع ابن عمر قال: «طلقت امرأتي وهي حائض، فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: مره فليراجعها ثم إذا طهرت فليطلقها (3)» .
فهذه الروايات تدل على جواز الطلاق في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق.
واستدلوا أيضا بأن التحريم إنما كان لأجل الحيض، فإذا طهرت زال موجب التحريم، فجاز طلاقها في هذا الطهر، كما يجوز في الطهر الذي بعده، وكما يجوز أيضا طلاقها فيه لو لم يتقدم طلاق في الحيض.
ومما يستدل به لهذا القول أيضا ما جاء في صحيح مسلم في بعض روايات حديث ابن عمر «مره فليراجعها ثم يطلقها طاهرا أو حاملا (4)» وفي لفظ: «ثم ليطلقها طاهرا من غير جماع (5)» .
(1) صحيح مسلم الطلاق (1471)، سنن النسائي الطلاق (3555)، سنن ابن ماجه الطلاق (2019)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 130).
(2)
صحيح البخاري الطلاق (5252)، صحيح مسلم الطلاق (1471)، سنن الترمذي الطلاق (1176)، سنن النسائي الطلاق (3390)، سنن أبو داود الطلاق (2179)، سنن ابن ماجه الطلاق (2019)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 43)، موطأ مالك الطلاق (1220)، سنن الدارمي الطلاق (2263).
(3)
صحيح مسلم 4/ 182.
(4)
صحيح مسلم 4/ 181 وما بعدها.
(5)
صحيح مسلم 4/ 181 وما بعدها.
الترجيح والمناقشة:
قلت وما تقدم من الأحاديث في قصة طلاق ابن عمر وأمره صلى الله عليه وسلم بالمراجعة والطلاق إن شاء في الطهر يتضمن مجموعتين:
المجموعة الأولى: وهي ما استدل بها الطرف الأول من أمره صلى الله عليه وسلم لابن عمر بإمساكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك أو طلق.
المجموعة الثانية: وهي ما استدل بها الطرف الثاني والتي تدل على جواز الطلاق في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق، والأحاديث كلها صحيحة فما الجواب عن هذا؟ قلت: ساق أبو داود أكثر الروايات في سننه وقال بعد ذلك:
قال أبو داود: روى هذا الحديث عن ابن عمر يونس بن جبير وأنس بن سيرين وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم وأبو الزبير ومنصور عن أبي وائل، معناهم كلهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، وكذلك رواه محمد بن عبد الرحمن عن سالم عن ابن عمر، وأما رواية الزهري عن سالم ونافع عن ابن عمر:«أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، (1)» وروي عن عطاء الخراساني (2) عن الحسن عن ابن عمر نحو رواية نافع والزهري والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير. انتهى (3).
وقال ابن القيم في شرحه لسنن أبي داود ما نصه: وأكثر الروايات في حديث ابن عمر مصرحة بأنه إنما أذن في طلاقها بعد أن تطهر من تلك الحيضة ثم تحيض ثم تطهر، هكذا أخرجاه في الصحيحين من رواية نافع عنه ومن رواية ابنه سالم عنه، وفي لفظ متفق عليه:«ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض عنده حيضة أخرى ثم يمهلها حتى تطهر من حيضها (4)» ومن لفظ آخر
(1) صحيح البخاري الطلاق (5252)، صحيح مسلم الطلاق (1471)، سنن الترمذي الطلاق (1175)، سنن النسائي الطلاق (3390)، سنن أبو داود الطلاق (2179)، سنن ابن ماجه الطلاق (2019)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 63)، موطأ مالك الطلاق (1220)، سنن الدارمي الطلاق (2262).
(2)
صحيح مسلم 4/ 181، وما بعدها.
(3)
سنن أبي داود 2/ 256.
(4)
صحيح البخاري الطلاق (5252).