الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال القرطبي: جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله، إني رأيت رجلا سكران يتعاقر، يريد أن يأخذ القمر، فقلت: امرأتي طالق، إن كان يدخل جوف ابن آدم شيء أشر من الخمر. فقال مالك: ارجع حتى أنظر في مسألتك. فلما رجع الرجل، قال له الإمام مالك: امرأتك طالق. فقد تصفحت كتاب الله وسنة نبيه، فلم أر شيئا أشر من الربا، وقد آذن الله فيه لآكله بالحرب من الله ورسوله (1).
6 -
جاء في الصحيح عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: «قال النبي صلى الله عليه وسلم: رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة. فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد الرجل أن يخرج، رمى الرجل بحجر في فيه، فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر، فيرجع كما كان. فقلت: ما هذا؛ فقال: الذي رأيته في النهر: آكل الربا (2)»
(1) تفسير القرطبي 3/ 364.
(2)
صحيح البخاري بشرح فتح الباري 4/ 313، برقم 2085.
8 -
التدرج في تحريم الربا:
لقد سلك القرآن الكريم أسلوب الرفق والتدرج، في نقل
المخاطبين من حياة الجاهلية البغيضة، إلى سماحة الإسلام ويسره، وتجلى ذلك في شرائع الإسلام، وأحكامه العملية، على خلاف الحال في تغيير العقيدة الفاسدة، وترسيخ عقيدة الإسلام.
وسبب هذا التدرج في تحريم بعض الأحكام الفرعية، هو رسوخ وتعلق المخاطبين بهذه العادات والأفعال، حتى أنه كان من الصعب عليهم الامتثال للإقلاع عنها دفعة واحدة، في مرة واحدة.
ورضي الله عن عائشة أم المؤمنين وهي القائلة: " إنما نزل أول ما نزل من القرآن سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا. ولو نزل لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدا) (1).
ونجد هذا التدرج في تحريم الربا في أربع آيات قرآنية، تتعلق بتحريم الربا، واحدة منها نزلت بمكة، وثلاث في المدينة.
الآية الأولى: قوله تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} (2).
(1) أخرجه البخاري في فضائل القرآن، باب تأليف القرآن، صحيح البخاري بشرح فتح الباري 9/ 38 برقم 4993.
(2)
سورة الروم الآية 39
الآية الثانية: قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} (1){وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} (2).
وجاءت هذه الآية لتوجه الأنظار، تهيء النفوس، لتقبل فكرة التحريم.
الآية الثالثة: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (3).
وجاءت هذه الآية لتفيد تحريم الربا في الأضعاف المضاعفة، وهي إحدى حالات الربا.
الآية الرابعة: قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} (4) الآيات.
فهذه الآية صريحة في تحريم جميع أنواع الربا، لا فرق بين القليل والكثير في ذلك.
(1) سورة النساء الآية 160
(2)
سورة النساء الآية 161
(3)
سورة آل عمران الآية 130
(4)
سورة البقرة الآية 275
9 -
في قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (1)
نسخ لما كان عليه العمل في الجاهلية، وصدر الإسلام، من أن الحر يباع بالدين، إن عجز عن سداده، ويبين ذلك ما أخرجه الدارقطني عن زيد بن أسلم قال: «رأيت شيخا بالإسكندرية، يقال
(1) سورة البقرة الآية 280
له: (سرق)، فقلت: ما هذا الاسم؛ فقال: سمانيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن أدعه، قلت: لم سماك؟، قال قدمت المدينة فأخبرتهم أن مالي يقدم، فبايعوني فاستهلكت أموالهم، فأتوا بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: أنت سرق، وباعني بأربعة أبعرة، فقال الغرماء للذي اشتراني: ما تصنع به، قال: أعتقه، فلسنا بأزهد منك في الأجر، فأعتقوني بينهم، وبقي اسمي».
وأخرج البزار مثل ذلك، ولكن هذه الروايات لا يحتج بها.
وروي عن ابن عباس أن الإمهال إنما هو في الربا خاصة.
أما في سائر الديون فإنه يدفع أو يحبس حتى يوفي، وهذا في حالة عدم وجود الفقر المدقع، أما إذا كان له مال، فإنه يحجر على ماله أو عقاره في الدين.
وقيل: إن الإمهال عام في الربا، وفي الديون على عمومها.
وقد ذكر عن شريح القاضي أنه أمر بحبس المدعى عليه،