الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المحتويات
الافتتاحية لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ ....... 7
الفتاوى
من فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ....... 31
من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ....... 43
من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ....... 53
من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ....... 63
البحوث
طرف الطرف في مسألة الصوت والحرف لفضيلة الدكتور / الوليد بن عبد الرحمن الفريان ....... 75
إدراك الركعة مع الإمام لفضيلة الدكتور / عثمان جمعة ضميرية ....... 145
طرق إظهار الرغبة في النكاح للدكتورة / نجلاء بنت حمد المبارك ....... 281
حكم لبس الثياب الحمرة للرجال لفضيلة الدكتور / ياسين بن ناصر الخطيب ....... 325
بيان من اللجنة الدائمة بوجوب صلاة الجماعة في المساجد 377
صفحة فارغة
الافتتاحية
لسماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
مفتي عام المملكة العربية السعودية
مسؤولية الكلمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فمن واسع فضل الله وعميم إحسانه علينا أننا نعيش في بلاد تأسست على عقيدة التوحيد، يتخذ أهلُها حكومةً وشعبًا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم منهاجًا وضيئًا للحياة على جميع مستوياتها الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والأخلاقية.
ومن فضله عز وجل علينا ثانيًا أن جعل قيادة هذه البلاد في أيدي ولاةٍ أمناء، حريصين كل الحرص على تحكيم الشريعة، وإقامة شعائر الدين، والتفاني على تحقيق مصلحة الشعب والوطن.
وقد تميزت هذه القيادة الحكيمة بالحنكة والبصيرة، وإدراك
المخاطر التي تهدد كيان هذا الوطن الغالي، وثوابته الدينية، ومصالحه العليا، وما يواجه هذا الوطن من أزمات وتحديات.
ولما كانت الكلمة سلاحًا ذا حدين، وهي من أبرز الوسائل التي يمكن أن تتخذ لإحداث الخلل في بنيان المجتمع الواحد، وخلق الفوضى، وبث الفرقة والخلاف بين أبناء الوطن، وزعزعة إيمان المواطن المسلم بمسلماته العقدية والفكرية والأخلاقية، وإضعاف مكانة أولي الأمر في نفوسهم، من الولاة السياسيين، والعلماء الشرعيين الراسخين في العلم، هاتين الدعامتين اللتين يقوم عليهما كل مجتمع مسلم قوي متماسك، واللتين قامت عليهما هذه المملكة الغالية منذ ظهورها على يد الإمام محمد بن سعود والشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى.
ولا شك أن الكلمة لها مسؤوليتها الجسيمة، ولها أهميتها ووقعها من خلال ما تترك من آثار حسنة أو سيئة، سواء على الفرد نفسه، أو على المجتمع بأكمله.
ومن هنا جاء التنويه بها في القرآن الكريم، فضرب الله بها مثلاً فقال:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} .
وجاء بيان أهمية الكلمة وأثرها الكبير على قائلها في السنة النبوية الشريفة، فروى البخاري في صحيحه من طريق أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفع الله بها له درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم» (1).
فمن منطلق هذه الأهمية الكبيرة للكلمة جاء التنويه بشأنها في الكلمة الافتتاحية لخادم الحرمين الشريفين عند افتتاح أعمال السنة الثانية من الدورة الخامسة لمجلس الشورى، وذلك في مقر المجلس بالرياض، فقال حفظه الله ورعاه:(إنكم تعلمون جميعًا بأن الكلمة أشبه بحد السيف، بل أشد وقعًا منه، لذلك فإنني أهيب بالجميع أن يدركوا ذلك، فالكلمة إذا أصبحت أداة لتصفية الحسابات، والغمز واللمز، وإطلاق الاتهامات جزافًا كانت معول هدم لا يستفيد منه غير الشامتين بأمتنا، وهذا لا يعني مصادرة النقد الهادف البناء، لذلك أطلب من الجميع أن يتقوا الله في أقوالهم وأعمالهم، وأن يتصدوا لمسؤولياتهم بوعي وإدراك، وأن لا يكونوا عبئًا على دينهم ووطنهم وأهلهم).
نعم، إن الكلمة أشد وقعًا من السيف، فإن السيف يُحدِثُ جرحًا
(1) صحيح البخاري الرقاق (5997)، صحيح مسلم الزهد والرقائق (5303)، سنن الترمذي الزهد (2236)، مسند أحمد (2/ 334)، موطأ مالك الجامع (1563).
واحدًا في جسم واحد، سرعان ما يلتئم ويزول أثرُه، وأما الكلمة، فإن أسيئ استخدامُها وأُطلِقتْ على عواهنها، فإنها تصيب المجتمعَ بأكمله، وتقدح في المبادئ والثوابت والمسلمات، وتنال من رموز الخير والصلاح والإصلاح، وتخدم أعداء الأمة والشامتين، وتجرّ المجتمع إلى هاوية الفساد الخلقي، والاختلال الأمني، وتُحْدِثُ الفرقةَ والاختلافَ، وتفرّق وحدةَ الأمة، وتُشَتِّتُ شملَها. . .
فكم من كلمة نالت من معالم التوحيد ومبادئ العقيدة الصحيحة، وثوابت الدين، وشعائره، وتعاليم الشريعة الغراء، لتشكيك الناس فيها، والنيل من قداستها، ومحاولة نقضها وطمسها.
وكم من كلمة مبنية على الهوى والتشهي جاءتْ مصادمة لنصوص صريحة من الكتاب والسنة، لنقض أحكام ثابتة محتومة، وهدم قيم نبيلة معروفة.
وكم من كلمة - من غير أهلها- نادت بخَرْق ما أجمعت عليه الأمةُ في خير القرون، وما أقرّتْه الأئمةُ الأعلام، واستقرّ عليه عملُ المسلمين على مدى القرون والأعوام، للخروج بالناس إلى الأخذ بالآراء الشاذة التي توافق أهواء قائليها وتحقّق رغباتهم.
وكم من كلمة غير مسؤولة، اتسمتْ بالتهويل والتضخيم، وتَصَيُّد الأخطاء، أثارتْ البلبلةَ والتشويشَ والتشكيكَ في أجهزة الدولة التي
تسعى للحفاظ على دين المجتمع، وأمنه، وأخلاقه، وتُحارِبُ الجرائم والمنكرات، وتَأْخُذُ بأيدي السفهاء، وأرباب الفساد، والمتلاعبين بأعراض الناس.
وكم من كلمة ظهرتْ عليها ملامح الحقد والبغضاء لأهل الخير والصلاح، تثير الرِّيَبَ في النفوس، وتكيل التهم والشتائم والسباب، والوصمَ بالتخلّف والتحجّر والتشدّد.
وكم من كلمة صدرت من غير أهلها، يخوض بها صاحبُها فيما ليس من شأنه، ولا مجال تخصصه لا من قريب ولا من بعيد، لا يفهم دقائقه وغوامضه، ولا يحيط بمصطلحاته، ولا يعي مراميه، يريد بها مناقضة الشامخين والراسخين في العلم الذين لا يتكلمون إلا عن علم مؤصَّل مُتْقَن، ودليل صريح محكَم، وفهم دقيق، ورأي سديد، ونظرة ثاقبة بعيدة.
وكم من كلمة تفوّه بها صاحبُها، ولو سكت كان خيرًا له؛ لأن:«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (1).
وكم من كلمة خرجت من غير رويّة، لو تَأَمَّلها صاحبُها، لأدرك أنها تؤدي به إلى مهاوي الهلاك، والعذاب، كما سبق في الحديث النبوي الشريف.
وكم من كلمة جاءت محقِّقةً لأحلام الأعداء، ومنفِّذةً لمخططاتهم
(1) سنن الترمذي الزهد (2317)، سنن ابن ماجه الفتن (3976).
في ضرْب وحدة الأمة، والقدْح في مسلماتها، وثوابتها الدينية والأخلاقية، وهدْم مكتسباتها الثقافية والحضارية.
وكم من كلمة تُفَرِّقُ ولا تجمع، وتُشَتِّت ولا توحّد، وتختلف بسببها الأحبابُ والأصحابُ، وتتنافر القلوبُ، وتفترق الصفوفُ، وتتبعثر الجهودُ، وتتلاشى أركانُ المحبة والمودة في النفوس.
وكم. . وكم. .
فيا إخوة الإسلام، انتبهوا لأقوالكم وكلماتكم، وألجموا ألسنتكم عن الأقوال غير المسؤولة، والكلمات الجارحة البذيئة، فإن كلّ صاحب كلمة يُسأَلُ عما يقوله ويُحَاسَبُ عليه، فإنه {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} .
فالواجب أن لا يصدر الكلام إلا من أهله، بخاصة فيما يتعلق بقضايا الأمة المصيرية، ومصالحها العليا، بعد أناة ورويّة وتفكر في مآلاته وعواقبه وآثاره.
فليس كل من سنحت له الفرصة للكلام يُطلق لسانَه بما شاء، من غير أن يعي ما يقول.
وليس كل من وجد فرصة للكتابة في صحيفة، أو مجلة، أو وجد طريقًا إلى وسيلة إعلامية مسموعة أو مرئية، أن يتفوّه بما تمليه عليه نفسُه، وهواه، دون أن ينطلق من قاعدة شرعية مؤصّلة، أو مصلحة
مرعيّة معتبرة.
وليس كل من وجد وعلم خطأ لأفرادٍ منسوبين لجهاز مسؤول، يحفل تاريخُه بالإنجازات القيّمة، والحسنات والإيجابيات الكبيرة، أن يَسْتَغلّ ذلك الخطأ أو الحدث ويُشَهِّرَ به ويهوّله؛ للنيل من سمعة هذا الجهاز، وهدْم منجزاته، والحطّ من قدره، وإزالة هيبته من نفوس الناس، لانتزاع ثقتهم فيه.
وليس كل من قدر على أن يمسك القلم بيده ويسطّر به، أن يكتب في كل صغيرة وكبيرة، ويُقحِم بنفسه في كل شأنٍ وكل قضية، ويجعل قولَه رأيًا آخر في المسألة، بغيةَ نيل الشهرة، وحبّ التصدّر، وفقًا للمثل السائر:(خالِفْ تُعرَفْ). . .
ثم لما كانت وسائل الإعلام بمختلف أنواعها من أكبر أوعية نشر الكلمة، وأقواها تأثيرًا؛ نظرًا لكثرتها، وسرعة انتشارها، وتوفرها لدى جميع الناس بيسر وسهولة، فإننا نهيب بكل من يكتب ويتكلم في تلك الوسائل الإعلامية أن يتقوا الله فيما يقولون ويكتبون، وأن يحذروا أسلوب التهويل والتضخيم والإثارة، وأن يلتزموا أمانة الكلمة، وأن يعرفوا لأهل الفضل فضلهم، ولأهل الاختصاص مجالهم وتخصصهم.
كما نهيب بالقائمين على تلك الوسائل أن يوظفوها لبناء وإعداد
جيل صالح واعٍ خَيِّرٍ محافظ، ومحاربة كل شرّ ورذيلة تفسد عقيدة الأمة وأخلاقها، وأن يستثمروا تلك الوسائل في بعث النهضة الحقيقية في الأمة تنطلق من تعاليم الإسلام وأصوله ومبادئه، وأن لا يتيحوا فرصة المشاركة إلا لمن هو صاحب كلمة مسؤولة متزنة محترمة، ينطلق في طرحه من مبادئ ورؤى إسلامية مؤصلة ثابتة، يحرص كل الحرص على المحافظة على تعاليم الدين الحنيف، وثوابت العقيدة، والفضائل والقيم، ويسعى إلى ما فيه الخير والصلاح للوطن والمواطن في حاضره ومستقبله.
نسأل الله تعالى أن يحفظ لهذا الوطن المبارك أمنه، ورخاءه، وأن يحفظه من كل من يريد المساس بأمنه والنيل من عقيدته وقيمه وثقافته الإسلامية الأصيلة.
وأن يحفظ لنا ولاة أمرنا، ويوفقهم لما يحب ويرضى، وأن يوفق خادم الحرمين الشريفين لكل خير، وأن يعينه على مسؤولياته الجسيمة، وأن يحفظه ذخرًا للإسلام والمسلمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.