الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني
فتوى الشَّوْكَانِيّ في ((الفتح الرباني))
رجَّح العلامةُ الشَّوْكَانِيّ في ((نيل الأوطار)) مذهبَ من يقول بعدم الاعتداد بالرَّكْعَة إذا أَدْرَكَ الرُّكُوع من غير قِرَاءَة الفاتحة، وأجاب عن أدلة الجمهور القائلين بإدراك الرَّكْعَة بمجرد الدخول في الرُّكُوع مع الإمام قبل أن يرفع الإمامُ عن حدّ الرُّكُوع المجزئ،، كما أشرت إلى ذلك فيما سبق (1)(2)
ولكنه حقَّق في ((الفَتْح الرَّبَّانِيّ في فَتاوَى الشَّوْكَانِيّ)) خلاف ذلك، ورجَّح مذهب الجمهور. وقد نقل هذه الفتوى العلامةُ الشيخ حُسينُ بنُ محسنٍ الأنصاري، في كتابه ((نُورُ العَيْنِ مِنْ فَتَاوَى الشَّيْخِ حُسَيْن))، وعنه نَقَلَها أبو الطيِّب محمد شمسُ الحقِّ العظيم آبادي في كتابه ((عَوْن المَعْبُود شرح سنن أبي داود)) مع تعقيب شيخه العلامة الأنصاري. وأنقل هنا هذه الفتوى مع نصِّ السؤال دون تصرف (3)
((ما قَوْلُ علماءِ الإسلام رضي الله عنهم في قِرَاءَة أمِّ القُرْآن، هل يجب على مَنْ لحق إمامَه في الرُّكُوع أن يأتي بركعة عَقِبَ سلام
(1) انظر: ((نيل الأوطار)): 3/ 67 - 70.
(2)
انظر: ((نيل الأوطار)): 3/ 67 - 70. ') ">
(3)
انظر: ((نور العين من فتاوى الشيخ حسين))، ص 146، ((عون المعبود)): 3/ 157 - 161. ') ">
الإمام؛ لأنه قد فَاتَه القيام والقِرَاءَة، على ما اقتضاه مفهوم حديث الصحيحين «فما أَدْرَكَتم فصلُّوا ومَا فاتَكُمْ فأَتِمُّوا» (1) وفي رواية:«فاقْضُوهَا» وكما وافقه زيادةُ الطَبَرَانِيِّ في حديث أبي بَكْرَةَ بعد قول النبِّي صلى الله عليه وسلم له: «زادكَ اللهُ حِرْصًَا ولا تَعُدْ» (2)، زاد الطبراني:«صلِّ ما أَدْرَكَتَ واقضِ ما سَبقَكَ» . وكما في مصَّنف ابنِ أبي شَيْبَة «عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: لا أجده على حالة إلا كنت عليها وقضيتُ ما سبقني، فوجده قد سبقه - يعني النبي صلى الله عليه وسلم ببعض الصلاة، وقال: ببعض ركعة، فوافقه فيما هو فيه، وأتى بركعة بعد السلام. فقال صلى الله عليه وسلم: إنَّ مُعَاذًَا قد سَنَّ لكُم فهكَذا فَاصْنَعُوا» ؟
أو يكون مدركًا للرَّكعة وإن لم يمكنه قِرَاءَة الفاتحة، بمقتضى ما أخرجه ابن خُزَيْمَةَ في ((صحيحه)) أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«من أَدْرَكَ ركعةً معَ الإمامِ قبلَ أن يُقيمَ الإمامُ صُلبَه فَقدْ أَدْرَكَهَا» وترجم له ابن خُزَيْمَةَ: باب ذكر الوقت الذي يكون فيه المأموم مدركًا للرَّكعة؟
ولِمَا أخرجه الدارقطنيّ: «مَنْ كانَ لَه إمامٌ فقِرَاءَةُ الإمامِ له قرَاءَة» (3)، وإن كان الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في ((فتح الباري)) قال: طرُقُه كلُّها ضعافٌ عند جميع الحفَّاظ، وقال ابنُ تَيميَّة: رُوِيَ مُسْنَدًا من طرق
(1) صحيح البخاري الأذان (635)، صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (603)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 306)، سنن الدارمي الصلاة (1283).
(2)
صحيح البخاري الأذان (783)، سنن النسائي الإمامة (871)، سنن أبو داود الصلاة (684)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 42).
(3)
سنن ابن ماجه إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَالسُّنَّةِ فِيهَا (850)، مسند أحمد (3/ 339).
كلّها ضعاف، والصحيح أنه مرسل. وقد قوَّاه ابن الهمام في ((فتح القدير)) بكثرة طرقه، وذكر الفقيه صالح المَقْبِلِيُّ في:((الأَبحَاث المسَدَّدَة)) بحثًا زاد السَّائلَ تردُّدًا؟
فافضلوا بما يطمئنُّ به الخاطر، جزاكم الله خَيْرًا عن المسلمين أفضل الجزاء.
الجواب: لبقيَّة الحفَّاظ القاضي العلَاّمةِ محمَّدِ بنِ عليٍّ الشَّوْكَانِيِّ - رحمه الله تعالى - قال:
قد تقرَّر بالأدلة الصحيحة أنَّ الفاتحة واجبةٌ في كلِّ ركعة على كلِّ مصلٍّ: إمامٍ ومأمومٍ ومنفردٍ.
أمَّا الإمامُ والمنفردُ: فظاهرٌ.
وأمَّا المأمومُ: فَلِمَا صحَّ من طرقٍ من نهيه عن القِرَاءَة خلف الإمام إلا بفاتحة الكتاب، وأنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها، ولما ورد في حديث المسيء صلاته من قوله صلى الله عليه وسلم:«ثُّم كَذَلِكَ في كلِّ رَكَعَاتِكَ فَافْعَلْ» بعد أن علَّمه القِرَاءَة لفاتحة الكتاب.
والحاصل: أنَّ الأدلةَ المصرِّحة بأنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب،
وإن كان ظاهرها أنها تكفي المرة الواحدة في جملة الصلاة، فقد دلت الأدلة على وجوبها في كلِّ ركعة دلالةً واضحةً ظاهرةً بيِّنةً.
إذا تقرَّر لك هذا: فاعلم أنه قد ثبت: أنَّ من أَدْرَكَ الإمام على حالة فليصنع كما يصنع الإمام، فمن وصل والإمام في آخر القيام فلْيدخل معه، فإذا ركع بعد تكبير المؤتمِّ، فقد ورد الأمر بمتابعته له بقوله:«وَإذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا» كما في حديث «إنما جُعِلَ الإمامُ ليؤتَمَّ به» وهو حديث صحيح.
فلو توقَّف المؤتمُّ عن الرُّكُوع بعد ركوع الإمام وأخذ يقرأ فاتحة الكتاب: لكان مخالِفًا لهذا الأمر، فقد تقرَّر أنه يدخل مع الإمام، وتقرَّر أنه يتابعه ويركع بركوعه، ثم ثبت بحديث:«من أَدْرَكَ مع الإمامِ ركعةً قبل أن يُقِيمَ الإمامُ صُلْبَهُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» أنَّ هذا الداخلَ مع الإمام الذي لم يتمكن من قِرَاءَة الفاتحة: قد أَدْرَكَ الرَّكْعَة بمجرد إدراكِه له راكعًا.
فعرفتَ بهذا: أنَّ مثل هذه الحالة مخصَّصة من عمومِ إيجابِ قراءَةِ الفاتحة في كلِّ ركعة، وأنَّه لا وجه لِمَا قيل: يقرأُ بفاتحة الكتاب ويلحق الإمام راكعًا، وأنَّ المرادَ الإدراكُ الكاملُ، وهو لا يكون إلا مع إدراك الفاتحة - فإنَّ هذا يؤدي إلى إهمال حديث إدراك الإمام قبل أن يُقيم صُلبه، فقد صار مدركًا لتلك الرَّكْعَة وإن
لم يقرأ حرفًا من حروف الفاتحة.
فهذا (الأمر الأول) مما يقع فيه مَنْ عرضت له الشُّكوك؛ لأنه إذا وصل والإمام راكع أو في القيام، ثم أخذ يقرأ ويريد أن يلحق الإمام الذي قد صار راكعًا فقد حاول ما لا يمكن الوفاء به في غالب الحالات، فمن هذه الحيثية صار مهملاً لحديث إدراك الإمام قبل أن يقيم صلبه.
(والأمر الثاني): أنَّه صار مخالفًا لأحاديثِ الاقتداء بالإمام وإيجابِ الرُّكُوع بركوعه والاعتدالِ باعتداله. وبيانُ ذلك: أنه وصل حال ركوع الإمام أو بعد ركوعه، ثم أخذ يقرأ الفاتحة من أولها إلى آخرها، ومن كان هكذا فهو مخالف لإمامه لم يركع بركوعه، وقد يفوته أن يعتدل باعتداله، وامتثال الأمر بمتابعة الإمام واجب، ومخالفته حرام.
(والأمر الثالث): أنَّ قوله صلى الله عليه وسلم: «من أَدْرَكَ الإمامَ على حالةٍ فليصنعْ كما يصنعُ الإمامُ» (1) يدلُّ على لزوم الكَوْنِ مع الإمام على الحالة التي أَدْرَكَه عليها، وأنه يصنع مثل صُنْعِهِ. ومعلومٌ أنه لا يحصل الوفاء بذلك إلاّ إذا ركع بركوعه واعتدل باعتداله، فإذا أخذ يقرأ الفاتحة فقد أَدْرَكَ الإمام على حالة ولم يصنع كما صنع إمامُه، فخالفَ الأمرَ الذي يجبُ امتثالُه وتحرُم
(1) سنن الترمذي الْجُمُعَةِ (591).
مخالفتُه.
وإذا اتَّضح لك ما في إيجاب قِرَاءَة الفاتحة على المؤتَمِّ المُدْرِكِ لإمامه حال الرُّكُوع أو بعده من المفاسد التي حدثت بسبب وقوعه في مخالفة ثلاث سُننٍ صحاح، كما ذكرنا تقرَّر لك أنَّ الحقَّ ما قدَّمْنَا لك من أنَّ تلك الحالة التي وقعت للمؤتمِّ، وهي إدراك إمامِه مشارفًا للركوع أو راكعًا أو بعد الرُّكُوع، مخصَّصَةٌ من أدلة إيجاب قِرَاءَة الفاتحة على كلِّ مصلٍ.
ومما يُؤيِّد ما ذكرنا: الحديثُ الواردُ «من أَدْرَكَ الإمامَ سَاجِدًا فَلْيَسْجُدْ مَعَهُ ولا يَعُدّ ذلكَ شَيْئًا» فإن هذا يدلُّ على أنَّ من أَدْرَكَه راكعًا يعتدُّ بتلك الرَّكْعَة.
وهذا الحديث ينبغي أن يُجْعَلَ لاحقًا بتلك الثلاثة الأمور التي ذكرناها، فيكون (رابعًا لها) في الاستدلال به على المطلوب، وفي كون من لم يدخل مع الإمام ويعتدَّ بذلك يَصدُقُ عليه أنّه قد خالفَ ما يدلُّ عليه هذا الحديثُ.
وفي هذا المقدار الذي ذكَرْنا كفايةٌ، فاشدُدْ بذلك، ودَعْ عنك ما قد وقع في هذا المبحث من الخبط والخلط والتردد والتشكك والوسوسة. والله سبحانه وتعالى أعلم)). انتهى كلام الشَّوْكَانِيّ بلفظه وحروفه من ((الفتح الرباني)).
قال الشيخ العلامة حسين بن محسن الأنصاري: وقد كتبَ (أي الشوكاني) في هذه المسألة في فتاواه أربعة سؤالات، وقد أجاب عنها، وهذا آخرها، وهو الذي ارتضاه كما تراه. واسم الفتاوى:((الفَتْحُ الرَّبَّاِنيُّ في فَتَاوَى الإمَامِ مُحَمَّدِ بنِ عليٍّ الشَّوْكَانِيّ))، سمَّاه بذلك ولدُه العلامة أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ عليٍّ الشَّوْكَانِيّ.