الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مُقدّمة
قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكّة:
"سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلَّا هو، وأسأله أن يصلّي على محمّد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم كلما ذُكِر، أمّا بعد:
عافانا الله وإيّاكم عافية لا مكروه معها، ولا عقاب بعدها، فإنّكم سألتموني أن أذكر (1) لكم الأحاديث التي في كتاب السُّنن أهي أصحّ ما عرفت (في الباب)(2)، ووقفتُ على جميع ما ذكرتم، فاعلموا (3) أنّه كذلك كلّه، إلَّا أن يكون قد روي من وجهين صحيحين وأحدهما أقوى إسنادًا والآخر صاحبه أقدم في الحفظ، فربّما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث. ولم أكتب في الباب إلَّا حديثًا أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح فإنّه يكثر، وإنمّا أردت قُرْب منفعته.
وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين وثلاثة فإنّما هو من زيادة كلام فيه، وربّما فيه كلمة زائدة على الأحاديث، وربمّا اختصرت الحديث الطويل لأنّي لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك.
(1) في ج: "أكتب".
(2)
غير موجود في ج.
(3)
في ج: "واعلموا".
وأمّا المراسيل فقد كان يحتجّ لها العلماء فيما مَضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلّم فيه وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره، فإذا لم يكن المسند ضدّ المراسيل، ولم يوجد المسند فالمرسل يحتجّ به (1)، (وليس هو مثل المتّصل في القوّة)(2).
وليس في كتاب السّنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان فيه حديث منكر بينّت أنّه منكر وليس على نحوه في الباب غيره.
وهذه الأحاديث ليس منها (3) في كتاب ابن المبارك ولا كتاب وكيع إلَّا الشيء اليسير، وعامّة ما في كتاب هؤلاء مراسيل، وفي كتاب السنن من موطأ مالك بن أنس شيء صالح، وكذلك في مصنّفات حمّاد بن سلمة وعبد الرزاق. وليس ثُلُث هذه الكتب مما أحسبه في كتب جميعهم، أعني مصنّفات مالك وحمّاد بن سلمة وعبد الرزاق.
وقد ألّفته نَسقًا على ما وقع عندي، فإنّ ذكر لك عن النبي صلى الله عليه وسلم سنَّة ليس فيما خرّجته (4)، فاعلم أنّه حديث واهٍ إلَّا أن يكون في كتابي من طريق آخر، فإنّي لم أخرّج الطُّرق لأنّه يكثر على المتعلّم.
ولا أعرف أحدًا جمع على الاستقصاء غيري، وكان الحسن بن علي الخلّال قد جمع منه قدر تسعمائة حديث، [وذكر أنّ ابن المبارك قال: السنن عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحو تسعمائة حديث] (5)، فقيل له: إنّ أبا يوسف قال: هي ألف ومائة حديث، قال ابن المبارك: أبو يوسف يأخذ بتلك الهنّات من ههنا وههنا نحو الأحاديث الضعيفة.
(1) في أ: "فإذا لم يكن مسندًا فنذكر المراسيل ولم يوجد المسند فالمرسل يحتجّ به".
(2)
غير موجود في ج.
(3)
في أ: "فيها".
(4)
في ج: " أخرجته".
(5)
ما بين المعكوفين غير موجود في ج.
وما كان في كتابي من حديث فيه وَهن شديد فقد بيّنته، ومنه ما لا يصحّ سنده، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح وبعضها أصحّ من بعض، وهذا لو وضعه غيري قلتُ أنا فيه أكثر.
وهو كتاب لا يرد عليك سنّة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بإسناد صالح إلَّا وهو فيه، إلَّا أن يكون كلام استُخْرِج من الحديث، ولا يكاد يكون هذا.
ولا أعلم شيئًا بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلّموا من هذا الكتاب، ولا يضرّ رجلًا أن لا يكتب من العلم بعد ما يكتب (هذه الكتب)(1) شيئًا، وإذا نظر فيه وتدبّره وتفهَّمه حينئذٍ يعلم مقداره.
وأمّا هذه المسائل مسائل الثوري ومالك والشافعي، فهذه الأحاديث أصولها. ويعجبني أن يكتب الرّجل مع هذه الكتب مِنْ رأي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ويكتب أيضًا مثل جامع سفيان الثوري فإنّه أحسن ما وضع النّاس من الجوامع.
(والأحاديث التي)(2) وضعتُها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئًا من الحديث، إلَّا أنّ تمييزها لا يقدر عليه كلّ النّاس، والفخر بها أنهّا مشاهير، فإنّه لا يحتجّ بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثّقات من أئمّة العلم. ولو احتجّ رجل بحديث غريب وجدتَ من يطعن فيه، ولا يحتجّ بالحديث الذي قد احتجّ به إذا كان الحديث غريبًا شاذًّا، فأمّا الحديث المشهور المتّصل الصّحيح فليس يقدر أن يردّه عليك أحد. قال إبراهيم النّخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث، وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فانْشُدْه كما تُنْشد الضّالة فإن عُرف وإلاّ فدَعْه.
(1) في ب: "هذا الكتاب".
(2)
في ج: "والذي".
وإنّ من الأحاديث في كتاب السنن ما ليس بمتّصل وهو مرسل و (مدلس)(1) إذا لم توجد الصّحاح عند عامًة أهل الحديث على معنى أنّه متّصل، وهو مثل الحَسَن عن جابر، والحسن عن أبي هريرة، والحَكَم عن مِقْسم عن ابن عباس وليس بمتّصل، وسماع الحَكم عن مقسم أربعة أحاديث، وأمّا أبو إسحق عن الحارث عن علي فلم يسمع أبو إسحق من الحارث إلَّا أربعة أحاديث ليس فيها مسند واحد. وما في كتاب السنن من هذا النحو فقليل، ولعلّ ليس في كتاب السنن للحارث الأعور إلَّا حديث واحد وإنّما كتبته بأَخرَة.
وربّما كان في الحديث ثبت صحّة الحديث منه إذا كان يخفى ذلك عليّ، فربّما تركت الحديث إذا لم أفقهه وربّما كتبته وبينّته، (أو لم أقف عليه)(2)، وربّما توقّفت عن مثل هذا لأنّه ضرر على العامة أن يكشف لهم كلّ ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث، لأنّ علم العامة يَقْصُر عن مثل هذا.
وعدد كتب هذه السنن ثمانية عشر جزءًا مع المراسيل، منها جزء واحد مراسيل، وما روي عن النّبي صلى الله عليه وسلم من المراسيل منها ما لا يصحّ ومنها ما هو بسند عند غيره وهو متّصل صحيح. ولعلّ عدد الأحاديث التي في كتبي من الأحاديث قدر أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث، ونحو ستمائة حديث من المراسيل.
فمن أحبّ أن يميّز هذه الأحاديث مع الألفاظ فربما يجيء (3) الحديث من طريق وهو عند العامة من حديث الأئمة الذين هم مشهورون، غير أنّه ربّما طلب اللّفظة التي يكون لها معان كثيرة.
(1) في ب: "متواتر".
(2)
في ب: "إذا لم أقف عليه".
(3)
في ب: يجد.
(و)(1) ممّن عرفت وقد نقل من جميع هذه الكتب فربّما يجيء الإسناد فيُعْلم من حديث غيره أنّه متّصل، ولا يتبيّنه السامع إلَّا بأن يعلم الأحاديثَ فيكون (2) له فيه معرفة فيقف عليه، مثل ما يُروى عن ابن جريج قال: أخْبِرت عن الزّهري، ويرويه البُرْساني عن ابن جريج عن الزهري. فالذي يسمع يظنّ أنّه متّصل ولا يصحّ بينهم، (فإنما تركناه لذلك لأنّ)(3) أصل الحديث غير متّصل ولا يصحّ، وهو حديث معلول. ومثل هذا كثير، والذي لا يعلم يقول قد تَرَكَ حديثًا صحيحًا من هذا أو جاء بحديث معلول.
وإنمّا لم أصنّف (في كتاب السّنن)(4) إلَّا الأحكام، ولم أصنّف كتب الزّهد وفضائل الأَعْمال وغيرها، فهذه (أربعة)(5) آلاف والثمانمائة كلّها في الأحكام، فأمّا أحاديث كثيرة صحاح من الزهد والفضائل وغيرها في غير هذا لم أخرّجها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته". انتهت الرسالة.
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: كان (6) أبو داود قد سكن البصرة وقدم بغداد غير مرّة، وروى كتابه السُّنن بها ونقله عنه أهلها.
ويُقال: إنّه صنّفه قديمًا وعرضه على أحمد بن حنبل فاستجاده واستحسنه. وقال الخطّابي: كتاب السّنن لأبي داود كتاب شريف لم يصنّف في علم الدّين كتاب مثله، وقد رزق القبول من كافّة الناس وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، وعليه معوّل أهل العراق ومصر وبلاد المغرب وكثير
(1) غير موجود في ج.
(2)
في أ: "ويكون".
(3)
في ج: "فإنّما تركنا ذلك إنّما هو لأنّ".
(4)
في ب: "من كتابي السنن".
(5)
في أ: "الأربعة".
(6)
في ج: "وكان".
من مدن أقطار الأرض. وكان تصنيف علماء الحديث قبل أبي داود الجوامع والمسانيد ونحوها فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارًا وقصصًا ومواعظ وآدابًا، فأمّا السنن المحضة فلم يقصد أحد جمعها واستيفائها على حسب ما اتّفق لأبي داود. ولذلك حلّ (1) هذا الكتاب عند أئمّة الحديث وعلماء الأثر محلّ العجب، فضربت فيه أكباد الإبل ودامت إليه الرّحل. وقال ابن الأعرابي: لو أنّ رجلًا لم يكن عنده من العلم إلَّا المصحف ثمّ كتاب أبي داود لم يحتج معهما شيء من العلم. قال الخطّابي: وهذا كما قال لا شكّ فيه، فقد جمع في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمّهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدّما سبقه إليه ولا متأخرًا لحقه فيه".
وقال النّووي في القطعة التي كتبها من شرح أبي داود: "ينبغي للمشتغل بالفقه وغيره الاعتناء بسنن أبي داود وبمعرفته التامّة، فإنّ معظم أحاديث الأحكام التي يحتج بها فيه، مع سهولة متناوله وتلخيص أحاديثه، وبَراعة مصنفه واعتنائه بتهذيبه".
وقال أبو العلاء الواذاري: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: من أراد أن يستمسك بالسّنن فليقرأ سنن أبي داود".
وحكى أبو عبد (2) الله محمد بن إسحاق بن منده الحافظ أنّ شرط أبي داود والنّسائي إخراج أحاديث أقوام لم يجتمع على تركهم إذا صحّ الحديث باتّصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال.
وقال الخطّابي: كتاب أبي داود جامع لنوعي الصّحيح والحسن، وأمّا السقيم فعلى طبقات شرّها الموضوع ثمّ المقلوب ثمّ المجهول، وكتاب أبي داود خَليّ منها بريء من جملة وجوهها. وحُكي لنا عنه أنّه قال: ما ذكرت في كتابي حديثًا اجتمع الناس على تركه.
(1) في ج: "جعل".
(2)
في ج: "عبيد".