الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة
قال ابن إسحاق .. فلما أصبحوا (أي بنو قريظة) نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الأوس .. يا رسول الله: إنهم كانوا موالينا (أي حلفاءنا) دون الخزرج)، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس عاقد علمت.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بني قريظة قد حاصر بني قينقاع، فنزلوا على حكمه، فسأله إياهم عبد الله بن أبي بن سلول، فوهبهم له.
فلما كلمته الأوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ ، قالوا .. بلى ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فذاك سعد بن معاذ (1).
شفاعة وجوه الأوس عند سيدهم لليهود
وبعد أن جعل النبي صلى الله عليه وسلم مصير يهود بني قريظة في يد حليفهم سعد بن معاذ ليحكم فيهم بما شاء، طمع قومه الأوس في أن يصدر عنهم عفوا ينجيهم من القتل.
ولذلك توجه وفد من زعماء الأوس إلي سيدهم سعد بن معاذ ليطلبوا منه أن يرأف في الحكم بحلفائه بني قريظة ، ذكروه بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل إليه أمرهم إلا ليحسن فيهم (1).
الحكم الجريح
ولم يكن سعد بن معاذ رضي الله عنه ممن اشتركوا في عملية
(1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 239.
حصار بني قريظة، لأنه كان في المدينة، تحت العلاج من جرحه الخطير الذي أصابه وقطع شريانه يوم الخندق، نتيجة سهم أصابه به أحد فرسان المشركين عبر الخندق.
وكانت تقوم بعلاج سعد الجريح سيدة صحابية جليلة صالحة كانت قد أقامت لها خيمة في المسجد النبوى، تحتسب فيها عند الله القيام بمداواة جرحى المعارك من الصحاية ممن لم يكن له من يعالجه من أهله.
وسعد بن معاذ ليس من هذا النوع لأنه سيد الأوس وله أهله وعشيرته القادرون على رعايته وعلاجه، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يوضع في الخيمة في المسجد، وهدف الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا هو أنه يكون هذا الزعيم الأوسى قريبًا منه فيعود ويتعرف حالة متى شاء.
قال ابن إسحاق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد، بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم، يقال لها (رفيدة) في مسجده، كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق .. إجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعود من قريب.
وبعد أن أبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أعيان قبيلة الأوس أنه قد جعل أمر حلفائهم اليهود إلى سعد بن معاذ ليحكم فيهم بما يريه الله، توجه هؤلاء الزعيمان من المعسكر النبوى في بني قريظة إلى المدينة لمقابلة سيدهم الشاب الجريح وإبلاغه القرار النبوى بشأن اليهود ..
وقد قابل أعيان الأوس سيدهم سعدًا في المسجد النبوى وأخبروه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل أمر بني قريظة إليه ليحكم فيهم بما يريه الله وأنه لا بد
من حضوره إلى حيث يعسكر الجيش الإسلامي في ديار بني قريظة ليبت في موضوعهم.
ولما كان جرح سعد جرحًا خطيرًا، وهو نفسه كان جسيمًا، فقد هيأ له قومه دابة (حمارًا) ليركبه حتى مقر قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم في بني قريظة.
وعندما توجه سعد إلى ديار بني قريظة أحاط به وجوه قومه من الأوس وصاروا يستعطفونه ليترفق في حكمه بحلفائهم اليهود.
فلما أكثروا عليه أبلغهم بأنه لن يحكم فيهم إلا بما يستحقون وأن ما بينهم وبين اليهود من حلف لا يمكن أن يحول بينهم وبين ما يستحقون من عقاب.
قال ابن كثير في البداية والنهاية .. فلما حكم النبي صلى الله عليه وسلم سعدًا في بني قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطئوا له بوسادة من أدم (وفي رواية قد أتى به على حمار عليه أكاف من ليف، قد حمل عليه وحف به قومه فقالوا .. يا أبا عمرو، حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت .. يا أبا عمروا أحسن في مواليك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال .. لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم).
وأمام هذا التصريح من سعد الزعيم يئس قومه من أية تخفيضات يعطيها في حكمه على اليهود، وتأكد لديهم أن الحكم من سعد علي بني قريظة سيكون الإعدام، حتى أن بعض الأوس ممن كانوا يسألون سعدًا الإحسان إلى بني قريظة قد اعتبر هؤلاء اليهود (بعد ذلك التصريح من سعد) في عداد الأموات ونعاهم إلى قومه قبل أن يصل سعد إلى المعسكر النبوي في بني قريظة.