الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلّا وحاولوا استغلالها وكأن لم يكن هناك بينهم وبين المسلمين عهد أو ميثاق.
لقد رأينا كيف صنع بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة معهم فحاربوا النبي صلى الله عليه وسلم ونقضوا العهد الذين بينهم وبين المسلمين عندما ظنوا أنهم قادرون على نسف الكيان الإسلامي وتدميره، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اكتفى بنفى بني النضير وبنى قينقاع بعد أن ظفر بهم، وكانت عقوبة النفي هذه (فما يبدو لنا) في مستوى الخطيئة التي ارتكبها بنو النضير وبنو قينقاع.
ولقد حاربت بنو قريضة المسلمين مع بني النضير، ولكن (لاعتبارات خاصة) لم يُنفهم النبي صلى الله عليه وسلم بل أقرَّهم وعفى عنهم بعد أن جدَّدوا العهد الذي بينهم وبين المسلمين (1).
العهود والمواثيق في نظر اليهود
ولكن هؤلاء اليهود عندما سنحت لهم الفرصة وظنّوا أنهم قادرون على سحق المسلمين وإبادة خضرائهم إبادة كاملة، أقدموا على أحطِّ عمل وأنذل صنيع في تاريخ النكث والغدر والخيانة.
فقد استغل هؤلاء الجبناء الموقف العصيب الذي صار إليه حلفاؤهم المسلمون حينما أغرقتهم جيوش الأحزاب الحانقة الجرَّارة من كل مكان.
(1) ذكرنا فيما مضى أن بني قريظة قد حاربوا مع بني النضير كما ثبت في صحيح للبخاري.
فقد ثارث بهم (آن ذاك) خصائص النذالة المتأصلة في نفوسهم وطبيعة الخيانة السابحة في دمائهم، فكشفوا القناع وظهروا من جديد على حقيقتهم.
وإذا بالعهود والمواثيق التي أَبرموها مع المسلمين تصبح وكأَنها لم تكن.
فقد مزَّق هؤلاءِ اليهود هذه العهود والمواثيق ووطئوها بأَقدامهم حينما ذهبوا إلى قيادة الأَحزاب الغزاة يضعون يدهم في أَيديهم ويعاهدونهم (في تلك الساعات الرهيبة الحاسمة من تاريخ الإسلام والمسلمين) على سحق المسلمين وهدم كيان الإِسلام إلى الأَبد.
ويأتي إليهم المسلمون الذين (كما شهد زعيم هؤلاءِ اليهود كعب بن أَسد) لم يروا منهم ومن نبيّهم إلَّا صدقًا في المعاملة ووفاءً بالعهد .. يأتون إليهم ليطلبوا منهم الثبات على العهد ويذكرونهم بالمسؤولية العظمى والنتائج الوخيمة التي تترتب على النكث بهذه العهود والمواثيق، وخاصة في مثل تلك الظروف الحربية الدقيقة الحرجة.
وإذا بالجواب يأتي من قبل هؤلاء اليهود، سخريةً واستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين، وبالعهود والمواثيق التي أَبرموها معهم:
"من هو محمد (هذا الذي يقول إن بيننا وبينه عهدًا) ومن هو رسول الله؟ ، نحن لا نعرف محمدًا وليس بيننا وبينه أَيّ عهد"! .
هكذا كان جواب يهود بني قريظة للمسلمين عندما جاء وفدهم إلى هؤلاءِ اليهود يطلب منهم الثبات على العهد الذي بين الفريقين
والقيام بالالتزامات العسكرية التي عليهم والتي تفرض القيام بها نصوص تلك العاهدة.
وهؤلاءِ اليهود لم يسلكوا هذا المسلك الوضيع المنحط إلّا وقد تكوَّن لديهم ما يشبه اليقين بأنهم - بمساعدة الأحزاب - قادرون على تدمير الكيان الإِسلامي تدميرًا كاملًا، واستئصال شأفة المسلمين استئصالًا كلّيًا، ولهذا لم يترددوا في الغدر بحلفائهم المسلمين وعلى تلك الصورة الفظيعة البشعة.
وعلم الله لو أَن هؤلا اليهود قد ظفروا بالمسلمين، وتمكنوا -بمساعدة الغزاة- من احتلال المدينة لما تردَّدوا لحظة في الوصول بالمسلمين إلى أَقسى مما وصل المسلمون بهم إليه، ولا أدلَّ على ذلك من أَن هؤلاءِ اليهود قد اتفقوا مع قادة جيوش الأحزاب على أن لا ينصرفوا بجيوشهم عن المدينة إلا بعد القضاءِ على المسلمين وسحقهم سحقًا كاملًا، وذلك كشرط أَساسي لانضمام هؤلاء اليهود إلى الأَحزاب ضد المسلمين وإعلانهم نقض العهد الذي بينهم.
بل لحرص هؤلاءِ اليهود على استئصال شأفة المسلمين وحرصهم على إبادتهم إبادة كاملة، طلبوا من القيادة المشتركة للأحزاب أن يسلموا إِليهم رهائن من أَبنائهم سبعين شابًّا ليضمنوا أن جيوش الأَحزاب لن تنسحب من منطقة المدينة إلَّا بعد أن تفرغ من المسلمين وتقضى عليهم قضاءً تامًّا (1).
فهل بعد هذا الصنيع الذي صنعه اليهود مع سبق الإصرار، والذي لم يُقدموا عليه إلا بعد درس وتخطيط وخبث نية مبيتة،
(1) انظر السيرة الحلبية ج 2.