الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم الكتاب
دروس من غزوة بنى قريظة
(1)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدى ومولاى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ورضى الله عن قادة الفتح الإسلامي وجنوده، وقادة الفكر الإسلامي وجنوده، وعن الذين عملوا من قبل، والذين يعملون اليوم، والذين سيعملون غدًا، بشرف وصدق وإخلاص في خدمة الإسلام والمسلمين، وإعلاء شأنهم بين الأمم، لتكون كلمة الله هي العليا، ويغمر نور الإسلام وهديه القلوب والعقول معًا: مبددًا الظلم والظلمات، ناشرًا العدل والمساواة، رافعًا رايات القرآن عقيدة ولغة شرقًا وغربًا.
وبعد
فقد قرأت مسوَّدات الكتاب الرابع من معارك الإسلام الفاصلة (1) عن غزوة بنى قريظة، فوجدت فيه فائدة وفيه عبرة.
(1) يطلق على تعبير المعارك الفاصلة في بعض الجيوش العربية تعبير: المعارك الحاسمة، قال الله تعالى:{سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام} والحسم: الشؤم، والحسم: الدأب على العمل، وحسم الشيء: قطعه وأزاله. والمعركة الحاسمة فيها معنى الشؤم على العدو وقطعه وإزالته من الوجود. لذلك فإن تعبير: المعارك الحاسمة إقرب لأداء المعنى الواقعى الصحيح.
وربما لا أتفق مع بعض ما جاء في الكتاب من آراء المؤلف، وربما أخالفه في أسلوب العرض والتحليل واستخلاص النتائج، ولكننى موقن بأن كل ما يكتبه المؤلف صادر عن إخلاصه لعقيدته ولحضارة أمته، في وقت تنكر فيه كثير من المسلمين لعقيدتهم السمحاء، ولحضارتهم العريقة:{ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم} (1).
فما الذي يثيره هذا الكتاب في العرب خاصة وفي المسلمين عامة من دروس لحاضرهم ومستقبلهم.
لقد انتصر المسلمون الأولون في الصدر الأول من أيام الإسلام على أعدائهم من يهود (2) ومنافقين ومرتدين وفرس وروم - بالإسلام، عقيدة وعملًا، وتضحية وفداء، وسياسة واقتصادًا، وأخلاقًا ومثلا عليا، واعتزازًا ونخوة، وحضارة وفكرًا .. ولن ينتصر المسلمون على أعدائهم بغير الإسلام بما فيه من تكاليف البذل والتضحية والفداء.
إن الله أعز العرب والمسلمين بهذا الدين القوى المتين، ولن يعزوا بغيره مهما بذلوا من جهد وحاولوا من محاولات.
كان المسلمون الأولون موضع تقدير العالم واحترامه، حين كانوا متمسكين بدينهم النابع من رسالة السماء، معتزين بحضارته، مدافعين عنها بالأفكار النيرة والآراء السديدة، ولن يكونوا موضع تقدير العالم
(1) الآية الكريمة من سورة البقرة (2: 102).
(2)
العرب الأولون كانوا يطلقون كلمة: يهود، بدون (أل) التعريف، احتقارًا لهم وتقليلا من شأنهم، انظر كلمات السلف الصالح عن يهود في الطبري وابن هشام مثلًا. وما أحرانا أن نعيد هذا التعبير إلى الأذهان كتابة وقراءة، لنستعيد معناه الذي يدل على الاستخفاف، خاصة والعرب في حرب حياة أو موت مع إسرائيل.
واحترامه بغير التمسك بدينهم، معتزين بحضارته، مدافعين عنها، مظهرين مفاخرها في ميادين العلوم والآداب والفنون.
لن يكونوا موضع تقدير العالم واحترامه، حتى يكونوا ترجمة عملية لمبادئ دينهم في تصرفاتهم وسلوكهم وأعمالهم، وتجسيدًا لها عملًا صالحًا يمشى على الأرض.
أما أن نستورد المبادئ من الشرق والغرب، مبهورين متخاذلين، ونترك مبادئنا وراءنا ظهريًا.
وأما أن نعرض عن حضارتنا ونتباهى بالحضارة الغربية أو الشرقية، وهي حضارة نصرانية في الغرب وحضارة ملحدة في الشرق: تحارب الإسلام علنًا، وتحاول القضاء على المسلمين لأنهم القوة النائمة التي يخشى الغرب والشرق معًا يقظتها من سباتها العميق ..
أما أن نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير
…
أما أن نفعل كل ذلك مقلدين مستسلمين، مقبلين مدبرين، متواكلين متهافتين، فلن نكون أكثر من ذنب تافه للغرب أو الشرق، والذنب لا يكون أكبر من حقيقته: يركض وراء صاحبه دون أن يعرف المنقلب والمصير ..
والذين يظنون أن تهافتهم الذليل وراء الغرب أو الشرق سيجعل منهم جزءًا لا يتجزأ منهما قوة وعقيدة وحضارة ومكانه وتعاطفًا وانسجامًا، مغرورون كل الغرور، أو أغبياء كل الغباء، أو مخطئون كل الخطأ، أو عملاء كل العمالة .. ! .
هل أصبح الإفريقيون المتكلمون باللغة الإنكليزية جزءًا لا يتجزأ من الإنكليز؟ .
هل أصبح الإفريقيون المتكلمون باللغة الفرنسية جزءًا لا يتجزأ من الفرنسيين؟ .
هل أصبحت الدول الشيوعية القابعة وراء الستار الحديدى جزءًا لا يتجزأ من الروس؟ .
إن الإنكليز ينظرون إلى الشعوب الإفريقية المتكلمة بالإنكليزية نظرة السيد إلى المسود.
وإن الفرنسيين ينظرون إلى الشعوب الإفريقية المتكلمة بالفرنسية نظرة المتبوع إلى التابع.
والدول الشوعية التي وجدت نفسها ونهضت من كبوتها أظهرت تنكرها للاتحاد السوفياتي بعد جهد جهيد، لأنها وجدت أنها فقدت شخصيتها المميزة لها وأصبحت مستعبدة، كما فعلت الصين (1).
ويوغوسلافيا ورومانيا وألبانيا، وأول الغيث قطر ثم ينهمر .. ! .
والدول الإفريقية والآسيوية أيضًا التي وجدت نفسها ونهضت من كبوتها، أظهرت تنكرها لفرنسا وبريطانيا وللولايات المتحدة مستبعدة لتلك الدول الكبرى.
ولكن لا تزال بعض الدول الآسيوية والإفريقية تعانى ما تعانى من آثار الإستعمار الفكرى فيها.
ومن المؤسف حقًّا، أن تنشر إحدى المجلات العربية الصادرة خلال شهر حزيران (يونية) سنة 1966: أن النشيد الوطنى السوفياتى أنشد
(1) في مؤتمر السلام العالمى الذي انعقد خلال شهر حزيران (يونية) سنة 1966، اتهم مندوبو الصين في المؤتمر روسيا بالرجعية والانحراف والاستعمار.
في معهد عربي في بلد عربي، فقوبل إنشاده بالهتاف والتصفيق. ولكن حين أُنشد النشيد الوطني لذلك البلد العربي في ذلك المعهد العربي قوبل بالسخرية والاستهزاء .. !
وقد نقلت هذا الخبر محطة إذاعة عربية وأذاعته في الساعة السابعة والربع مساء من يوم 25 حزيران عام 1966
…
! وعلى نفسها جنت براقش
…
!
ولكن لمصلحة من كل هذا التهافت والاستخذاء؟ ! ،
(2)
لقد تنكر العرب والمسلمون لعقيدتهم وحضارتهم، والأمة التي لا تحترم نفسها لا يمكن أن تحترمها الأمم، والمرءُ حيث يضع نفسه، والأمة حيث تضع نفسها.
غير العرب والمسلمون ما بأنفسهم، فتداعت عليهم الأُمم كما تداعى الأكلة على الثريد، وأصبحوا مناطق نفوذ للدول الاستعمارية، وكانوا من قبل سادة الدنيا وقادة العالم.
حتى يهود أصبح لهم في بلاد العرب دولة، وأصبح لهم صولة وأصبحوا قوة لها شأن ولها كيان! !
هؤلاء الذين كانوا ولا يزالون وسيبقون وصمة عار في جبين الإنسانية، ولطخة خزى في ضمير البشرية، ونقمة على العالم كله.
هؤلاء الجبناء: سلاحهم الدس والخديعة، وعتادهم الغدر والخيانة ودأبهم الخسة والمكر
…
إن دولة إسرائيل نتيجة من نتائج إعراض العرب والمسلمين عن دينهم وحضارتهم، ولو كان العرب عربًا حقًّا، ولو كان المسلمون مسلمين حقًّا،
لقال يهود كما قال أسلافهم من قبل: {إن فيها قومًا جبارين} .
تُرى! ماذا كان يحدث لو ترك الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام، يهود المدينة المنورة وما حولها، ويهود خيبر، يرتعون ويمرحون، ويغدرون ويدسون، ويخونون ويتآمرون؟ .
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاطب يهودًا باللغة الوحيدة التي يفهمونها هي لغة القوة:"الخطة المخزية أو الحرب المجلية"(1)، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
فلماذا يدّعى العرب والمسلمون، بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أُسوتهم الحسنة وقدوتهم الكريمة، ثم لا يتأسون به ولا يقتدون بأعماله؟ .
إننا عرب ولكن من قوارير، ومسلمون ولكننا مسلمون جغرافيون! !
(3)
في حرب سنة 1948 بين العرب ويهود على أرض فلسطين، كنت ضابط ركن جحفل لواء (2) مستقر في مدينة (جنين)، فلمست حقائق مذهلة عن جبن يهود الأصيل.
قبل الهدنة الأولى التي فرضتها هيئة الأمم المتحدة على العرب، كانت الجيوش العربية على أبواب (تل أبيب) عاصمة إسرائيل.
(1) أما الخطة المخزية فأن يقروا بأن من قتل منهم في النار، ومن قتل منا في الجنة. وأما الحرب المجلية فأن يخرجوا من ديارهم. انظر ابن الأثير (2 - 128). وفي البلاذرى (104) وردت:"الحرب المجلية، والسلم المخزية". انظر التفاصيل في قادة فتح العراق والجزيرة (85).
(2)
جحفل اللواء: مؤلف من مقر اللواء وثلاثة أفواج، مع المدفعية والهندسة والطبابة والنقلية.
وفرض الهدنة الأولى، كان لإنقاذ يهود من اندحار أكيد ..
وبعد معركة (جنين) التي خاضها فوج (1) عراقى واحد مقابل ما يزيد على العشرة آلاف يهودى، أخلى اليهود مدينة العفولة وحيفا، وانفجرت مظاهراتهم الصاخبة مطالبة بإيقاف الحرب بأي ثمن وبدون قيد أو شرط.
ومعركة (جنين)، هي معركة العراء الوحيدة التي اضطر يهود على خوضها، ولم يشهدوا بعدها معركة عراء أبدًا، وصدق الله العظيم:{لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (2)} .
وكان ضباط يهود حين يحضرون المفاوضات مع ضباط العرب بإشراف ممثلى الهدنة من هيئة الأمم المتحدة، ويرفضون الحضور ما لم يتأكدوا من أن الضباط العرب عُزل من السلاح.
وقد هاجمت دورية (3) قتال يهودية قرية (جلبون) في ليلة من ليالى خريف سنة 1948 وأسرت ستة رجال وامرأتين، فما كان من جيش العراق المرابط في (جنين) إلا أن قصف مستعمرة (تل العمال) القريبة من (بيسان) بست عشرة قنبلة من قنابل المدفعية، وأشاع أن هذه العملية هي انتقام من يهود لأسرهم العرب من جلبون)، فسارع يهود على أثرها بإطلاق سراح الأسرى، وأرسلوهم معززين مكرمين بعد أقل من أربع وعشرين ساعة من موعد قصف المدفعية لمستعمرة (تل العمال)(4).
(1) الفوج: وحدة مشاة لا يزيد تعداده على ألف شخص.
(2)
الآية الكريمة من سورة الحشر (59: 14).
(3)
دورية: جماعة للاستطلاع والحصول على المعلومات إما بالقتل أو بدونه.
(4)
سيرد تفصيل ذلك في كتابنا: طريق النصر في معركة الثأر.
ومع ذلك وطدت إسرائيل أقدامها في الأرض المقدسة. ومع ذلك استطاع يهود أن يحتلوا اللدّ والرملة بثلاث مدرعات
…
ومع ذلك استطاعت إسرائيل أن تفرض إرادتها على العرب
…
لقد كان لمن وراء إسرائيل من الدول العظمى أثر بالغ على فرض إسرائيل في جزء مقدس من أرض العرب ودار الإسلام.
ولكن من وراء إسرائيل وزنوا العرب وهم مائة مليون أو يزيدون، ووزنوا المسلمين وهم خمسمائة مليون أو يزيدون، في ميزان القوة مع يهود إسرائيل، وهم يومئد مليون ونصف، فوجدوا أن وزن يهود في ميزان القوة أثقل من وزن العرب والمسلمين، لأن العرب والمسلمين حينذاك كانوا غثاء السيل، ولو كان الأمر خلاف ذلك لتبدل الحال غير الحال.
ويوم يثبت العرب والمسلمون أنهم رجال حقًّا، فسيجدون العالم كله إلى جانبهم، لزن صوت القوة هو الصوت المسموع في العالم كله وكل قول يخالف ذلك هراء في هراء.
لقد كانت الجيوش العربية عام 1948 مقيدة بقيود ثقيلة من السياسيين المحترفين الذين كانت قلوبهم مع العرب وسيوفهم مع الاستعمار، لذلك قلت في حفلة توديع الجيش العراقي بمناسبة عودته من فلسطين إلى العراق:
لا تعذلوا جيش العراق وأهله
…
بلواكموا ليست سوى بلوانا
إن السنان يكون عند مكبل
…
بالقيد في رجليه ليس سنانا
إني لأعلم أن دين محمد
…
لا يرتضى للمسلمين هوانا
وهو الخلود لمن يموت مجاهدًا
…
ليس الخلود لمن يعيش جبانًا
إن اللغة الوحيدة التي يفهمها يهود، هي لغة القوة، ولن يحلّ مشكلة العرب في فلسطين غير السيف ..
أما هيئة الأمم المتحدة، أما مجلس الأمن الدولى، أما المؤتمرات الدولية، أو الاحتجاجات الصاخبة، أما الخطب والقصائد، أما الصراخ والعويل، فلن تحل هذه المشكلة، وينطبق عليها المثل العربي السائر:"أشبعتهم شتمًا وراحوا بالإبل".
(4)
تلك هي الدروس التي تبرز من وراء الغيب عبرة للعرب والمسلمين من تاريخ غزوات النبي صلى الله عليه وسلم في حرب يهود.
هذه الدروس، وهذه العبر، هي التي يجب أن يأخذ العرب والمسلمون بها لاستعادة حقهم المغتصب في أرض فلسطين.
وإذا لم يكن لهذا الكتاب من فائدة، غير التذكير بهذه الدروس والعبر، فقد كفاه فخرًا وكفى مؤلفه أجرًا.
تحية تقدير للأخ الأستاذ محمد أحمد باشميل على جهوده المثمرة وجهاده المفيد.
والحمد لله كثيرًا، وصلى الله على سيد القادات وقائد السادات رجل الرجال وبطل الأبطال، رسول الله صلى الله عليه وسلم.
محمود شيت خطاب
عضو المجمع العلمي العراقي