الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ضلت (مرة) ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب بعض الصحابة للبحث عنها فقال زيد بن اللصيت (وهو يهودى تظاهر بالإسلام) ساخرًا من النبي صلى الله عليه وسلم ومن نوبته .. يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته، يريد بذلك تصديع مراكز اليقين في نفوس الذين آمنوا بالله ورسوله.
ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما قال هذا اليهودى، قال .. إني قائلًا قال يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء، ولا يدرى أين ناقته؟ إن والله ما أعلم إلا ما علمنى الله، وقد دلنى الله عليها (1)، فهي في هذا الشعب، قد حبستها شجرة بزمامها فذهب رجال من المسلمين فوجدوها حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم وكما وصف، فجاءت نتيجة سخرية هذا اليهودى (المتظاهر بالإسلام) عكس ما يريد إذ ازداد الناس إيمانًا بصدق نبيهم صلى الله عليه وسلم.
اليهود وصرف القبلة عن الشام
وعندما صرفت القبلة عن الشام إلى مكة، استغل اليهود هذا
(1) انظر إلى أي مدى بلغ الأدب النبوى الرفيع في مناظرة هؤلاء المرجفين الضالين أنه صلى الله عليه وسلم لم يزمجر ولم يخرج عن حدود الوقار والاعتدال عند سماع هذا الطعن الصريح في صدق نبوته من هذا اليهودى الخبيث المتستر بالإسلام ولم يأمر باعتقاله أو سجنه بل لم يذكر اسمه حيث قال صلى الله عليه وسلم لدفع ذلك الطعن إن قائلا قال يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء الخ، ألا ما أعظم هذا الخلق النبوى الرفيع والأدب الذي دونه كل أدب وصدق الله العظيم إذ يقول في حق هذا النبي الكريم {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} فإلى الشباب المسلم نسوق أمثال هذه الروائع من الأدب النبوى لتكون لهم نبراسًا في هذه الحياة يسيرون على هديه.
الحادث وقاموا بمناورات خبيثة هدفها زعزعة إيمان الناس بالدين الجديد، بل ومحاولة فتنة النبي صلى الله عليه وسلم نفسه ليعصى أمر ربه.
فقد جاءه نفر من زعمائهم "رفاعة بن قيس وقردم بن عمرو بن الأشرف، وكنانة بن الربيع وغيرهم" وقالوا .. يا محمد، ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه؟ إرجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك وإنما يريدون بذلك فتنتة عن دينه، فلم يستجب لهم النبي صلى الله عليه وسلم ففسدت مناورتهم الخبيثة ثم أنزل الله تعالى في هذه الحادثة.
{سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيهَا} (الآيات) إلى آخر قوله تعالى {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} .
ولقد كان هؤلاء اليهود (في إرهاقهم النبي صلى الله عليه وسلم وإعناته بالأسئلة وإثارة الشبه) على غاية من المكر واغتنام الفرص التي يظنون أنها تشد من باطلهم.
حاولوا (مرة) أن ينتزعوا من النبي صلى الله عليه وسلم على حين غفلة شهادة بأنهم على الحق بنص القرآن، فتقدموا إليه صلى الله عليه وسلم بهذا السؤال فقالوا .. يا محمد، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق؟ .
قال .. بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ الله عليكم من الميثاق فيها، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس، فبرئت من إحداثكم، فقالوا (والمغالطة تقودهم) فإنا نأخذ بما في أيدينا، فإنا على الهدى والحق، ولا نؤمن بك ولا نتبعك، فأنزل الله تعالى فيهم:
وكانت تبلغ بهؤلاء اليهود القحة (أحيانًا) إلى أن يكذبوا على النبي صلى الله عليه وسلم صراحة لينفروا الناس عنه وعن دينه.
فقد عقد صلى الله عليه وسلم مجلسًا حضره أحبار من يهود المدينة ونصارى نجران، ولما دعاهم إلى الإسلام قال أحد زعماء اليهود (مفتريًا)، أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ وهنا تحرك أحد رهبان نجران واتجه بالسؤال إلى النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا .. أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم .. معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره، فما بذلك بعثنى الله، ولا أمرنى، أو كما قال:
وفي تعنتهم بالأسئلة سألوه صلى الله عليه وسلم حتى عن الساعة التي لا يعلمها إلا الله بغية تشكيك الناس في صدق دعوته، فقد سأله جبل بن أبي قشير وشمويل بن زيد قائلين .. يا محمد أخبرنا متى تقوم الساعة إن كنت نبيًّا كما تقول؟ فأجابه القرآن على هذا السؤال المحرج حيث أنزل الله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلا هُوَ} (2).
وكثرت مناظرات هؤلاء اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم التي يقصدون (عبثًا) إقحامه
(1) المائدة: 68.
(2)
الأعراف: 186.
لينفض الناس من حوله، فبلغ بهم السفه إلى أن يطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس في مقدوره ليوهموا الناس أنه ليس بنبي.
فقد حضرت (مرة) مجموعة من أحبارهم لمناظرة النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا أحق يا محمد أن هذا الذي جئت به لحق من عند الله، فإنا لا نراه متسقًا كما تتسق التوراة؟ .
فقال لهم .. أما والله إنكم لتعرفون أنه من عند الله، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة، فغيروا مجرى الحديث وسألوه (في سخرية) .. أما يعلمك هذا إنس ولا جن؟ فقال لهم .. أما والله إنكم لتعلمون أنه من عند الله، وإني لرسول الله تجدونه ذلك مكتوبًا عندكم في التوراة، فغيروا مجرى الحديث مرة أخوى (للإعنات فحسب) فقالوا .. يا محمد، فإن الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما يشاء ويقدر منه على ما أراد، فأنزل علينا كتابًا من السماء نقرؤه ونعرفه وإلا جئناك بمثل ما تأتى به، فأخرسهم الله حيث أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى:
{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (1). واجتمع بهم الرسول صلى الله عليه وسلم في معهد من معاهد علمهم (يقال له بيت المدارس) فدعاهم إلى الله، فقال له حبران من أحبارهم .. على أي دين أنت يا محمد قال .. على ملة إبراهيم ودينه، فقالا: فإن إبراهيم كان يهوديًّا فقال لهم صلى الله عليه وسلم .. فهلم إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم، فأبيا عليه.
فأنزل الله تعالى فيهما {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ
(1) الإسراء: 88.