الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سعدًا لم يكن حكمًا إلا بعد أن توسط قومه لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليخفف العقوبة عن هؤلاء اليهود.
يؤيد قولنا هذا ما ثبت في صحيح البخاري (وهو أصح المصادر التاريخية على الإطلاق من أن اليهود نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، دونما قيد أو شرط فرد الحكم فيهم إلى حليفهم سيد الأوس سعد بن معاذ (1).
أما ما ثبت في صحيح البخاري من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد لما جاء إلى بني قريظة -بعد استسلامهم- .. هؤلاء (يعني اليهود) نزلوا على حكمك (2) فإنه يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعله نائبًا عنه في الحكم عليهم بعد أن رد ذلك إليه كما هو صريح في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن عائشة (3).
ولما نطق سعد بن معاذ بالحكم علي بني قريظة قال له النبي صلى الله عليه وسلم. "حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات"(4).
وقفة عند حكم سعد بن معاذ
لقد كان المفروض والمتبادر إلى الذهن أن سعدًا -بعد أن أعطيت له الصلاحيات المطلقة في الحكم على حلفائه اليهود- سيراعى جانب رابطة الحلف التي بينه وبين بني قريظة، فيخفف الحكم عليهم بتخليص رقابهم
(1) انظر صحيح البخاري ج 5 ص 243.
(2)
البخاري ج 5 ص 243.
(3)
انظر هذا الحديث في صحيح البخاري ج 5 ص 244 أيضًا.
(4)
زاد المعاد ج 2 ص 191.
من الموت على الأقل. وهذا هو الذي كان قومه الأوس يطمعون فيه عندما اغتبطوا بتفويضه في أمر حلفائهم اليهود، وتقدموا إليه يلتمسون منه تخفيف الحكم عليهم.
وكان اليهود من جانبهم (كذلك) يطمعون في أن تشفع لهم عند سيد حلفائهم سعد بن معاذ، رابطة الحلف القديمة التي بينهم وبين الأوس، ولذلك أكثر زعماء قومه من الرجاء لديه لكي يتساهل في الحكم عليهم.
ولكن سعدًا لم ينس في زحمة موجات الرجاء الموجه إليه من قومه الأوس، أن الإسلام وكل المنتسبين إلى الإسلام، وأن المدينة، وما في المدينة من أعراض وحرمات وثمار وحرث ونسل، وكل كيان الإسلام الدينى والسياسى والاقتصادى والاجتماعى كان قاب قوسين أو أدنى من التدمير والتخريب بسبب غدر هؤلاء اليهود ونقضهم العهد وأنه لم ينج إلا بمعجزة خارقة، ولو لم تحدث لانتهى الكيان الإسلامي إلى الأبد.
ولم ينس سعد في ضجيج الرجاء الموجّه إليه من قومه أن هؤلاء اليهود لو تم لهم وللأحزاب النصر على المسلمين لما تورعوا عن استئصال شأفة المسلمين وهتك أعراضهم وتخريب ديارهم وتدمير كيانه، كما هو الإتفاق بينهم وبين قيادة الأحزاب عندما طلبت منهم هذه القيادة الغدر بالمسلمين ونقض عهدهم. لذلك لم يلبث سعد أن قال قولته الخالدة تلك لقومه، وقد جاءوا يشفعون لحلفائهم اليهود ..
(لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم)، ثم أصدر ذلك الحكم