الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جهة يقصد الشاعر المجيد توجيهها نحوها، وخاصة في ذلك العصر حيث كان العرب (بدون استثناء) على غاية من الفصاحة وفهم الشعر وتنوقه، الأمر الذي كانوا معه على غاية من دقة الحساسية والتأثر في مجال البلاغة.
ولا شك أن شعر كعب بن الاشرف قد كان له أثره المهيج في نفوس قريش بالإضافة إلى محادثاته وتحريضاته في جولاته بين القبائل.
ومما لا جدال فيه أن عمل كعب بن الأشرف التحريضي هذا بمثابة العمل التمهيدى لمعركة أُحد أو هو من العوامل الفعالة التي ساهمت في التهيئة لهذه المعركة الحاسمة التي نقلتها قريش إلى عقر دار المسلمين في يثرب بعد سنة واحدة تقريبًا من معركة بدر.
إذا لم يرجع هذا اليهودى الخبيث من مكة حتى تقرر في مكة غزو المسلمين في عقر دارهم، ولا شك أن كعب بن الأشرف وقد أوعد قريشًا بتأييدهم ومد يد العون لهم عندما يقومون بغزو المسلمين، إلا أن الله تعالى عجل بروحه إلى النار قبل أن تنشب معركة أُحد.
مقتل طاغية اليهود
وذلك أن كعبًا هذا لما عاد إلى المدينة تعاظم شره وازداد خطره على كيان المسلمين، إذ أصبح مصدر تهديد لسلامة يثرب بأجمعها لما يقوم به من تحديات وتحريضات ضد المسلمين سافرة، يضاف إلى هذا سلطانه المالى الذي أخذ يستخدمه للإخلال بالأمن والتحريض على الحرب ضد
النبي صلى الله عليه وسلم (1) الذي صبر طويلًا على تحديات وتهديدات وإساءات هذا اليهودى الطاغية المتجبر الذي لم ير من النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه إلا الوفاء بالعهد.
وعندما وصل كعب بن الأشرف إلى هذه المنزلة - منزلة العدو الناكث المجاهر بعداواته المتهئ للحرب والمحرض عليها، والذي لم يبق له (مع ذلك) عهد ولا ذمة - رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا بد من وضع حد لطغيان هذا اليهودى ليتخلص المجتمع اليثربى من شروره وآثامه، لأن بقاءه هكذا حرًّا يحرض على الحرب ويعمل على الإخلال بالأمن يعني بقاء يثرب في حالة قلق واضطراب مستمر.
لذلك قرر الرسول صلى الله عليه وسلم القضاء على هذا اليهودى الغادر الناكث المتمرد، فانتدب لقتله الصحابي الشهير محمد بن مسلمة الأنصاري، فقام بالاشتراك مع عدد من رجال الأنصار بقتله خارج حصمه فتمكن من ذلك في قصة يطول شرحها (2).
(1) جاء في كتاب (معجزة محمد رسول الله) الجزء الثاني ص 246 للسيد عبد العزيز الثعالبى ما يلي: "فلما قدم الرسول المدينة جاء أحبار اليهود من بنى قينقاع وبنى قريظة إلى كعب بن الأشرف لأخذ الجوائز منه على عادتهم، فقال لهم: ما عندكم من أمر محمد، فقالوا: هو الذي كنا ننتظره، ما أنكرنا من نعوته شيئًا، فردهم ردًّا عنيفًا، قال لهم: لقد حرمتم كثيرًا من الخير، ارجعوا إلى أهليكم، فإن حقوق الناس في مالى كثير! فانقلبوا خائبين، ثم رجعوا إليه بعد مدة، وقالوا: أنا أخطأنا فيما كنا أخبرناك به أولًا، فإنا لما استأذنا علماءنا أرشدونا إلى غلطنا، وقالوا ليس هو النبي المنتظر، فرضى عنهم ووصلهم وجعل لكل من تبعهم من الأحبار نصيبًا من ماله، وكان مكلفًا بهجاء رسول الله في أشعاره، وتحريض الكفار واليهود عليه، وكان يدفعهم إلى قتاله والتأليب عليه.
_________
(2)
انظر التفاصيل في سيرة ابن هشام ج 2 ص 54.