الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالفعل التحرك لضربهم من الخلف مساندة للغزاة وقيامهم بمد هؤلاء الغزاة بالتموينات.
وعلى هذا فإن معركة الأحزاب عندما انتهت بذلك النصر المؤزّر للمسلمين على المشركين باندحارهم وانسحابهم خائبين لم يحققوا شيئًا من أهداف غزوهم
…
هذه المعركة عندما انتهت باندحار المشركين، إنما انتهت (فقط) بالنسبة لجناحين من أجنحة ذلك الاتحاد الوثني اليهودي، وهما جناحا قريش وغطفان اللذين انشمرت حشودهم الضخمة من حول المدينة وعادت إلى ديارهم مجللة بعار أشنع هزيمة في تاريخها العسكري الطويل، بعد حصار رهيب مزعج مخيف دام شهرًا كاملًا.
تصفية الحساب مع اليهود
أما الجناح الثالث من أجنحة هذا الاتحاد المخيف الذي يمثله يهود بني قريظة الذين سجلوا بصنيعهم ذاك أخس وأشنع جريمة في تاريخ الخيانة والغدر فلم ينته الحساب معه بعد.
لقد كان بنو قريظة يتوقعون من الجيش الإسلامي هذا الحساب الذي ما كانوا يشكون لحظة في أنه سيكون حسابًا عسيرًا يتناسب وفظاعة الجريمة التي ارتكبها هؤلاء اليهود ضد هذا الجيش الذي لم يروا من قائده الأعلى وكافة زعمائه وأفراده إلا الصدق والبر والوفاء بالعهد.
ولذلك فقد اعتصم هؤلاء اليهود الغادرون بحصونهم، يرتجفون فزعًا من المصير المرعب الذي ينتظرهم على أيدى المسلمين جزاء
غدرهم وخيانتهم التي قاموا بها ضد المسلمين في ذلك الظرف الحرج الذي بلغت فيه حالة المسلمين أقصى درجات الخطورة، والذي فيه -بدلًا من أن يفى هؤلاء اليهود بالتزاماتهم العسكرية نحو المسلمين فينضموا بأسلحتهم ضد جيوش الأحزاب الغازية الباغية، كما تفرض عليهم اتفاقية الدفاع المشترك المعقودة بينهم وبين المسلمين (1) - استداروا بأسلحتهم وحاولوا طعن المسلمين من الخلف بغية التعجيل بالقضاء عليهم.
مع أن هؤلاء اليهود لم يروا من النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه -منذ تم التحالف بين الفريقين- إلا الصدق والبر والوفاء، ولكنه الغدر السابح في دماء هؤلاء اليهود الذين هم أئمته وأساتذته في كل عصر وزمان.
غير أن تصفية الحساب مع هؤلاء اليهود الغادرين، كانت على قدر الرصيد، فقد كان مستوى العقوبة في مستوى الجريمة.
ذلك أن جريمة غدر اليهود وخيانتهم إذا كانت قد بلغت غايتها في الفظاعة والبشاعة، فإن نتيجة محاكمتهم على هذه الخيانة كانت غاية في الشدة والصرامة
…
جزاءًا وفاقًا.
ويظهر من سير الحوادث أن النبي القائد صلى الله عليه وسلم كان يفضل إعطاء جيشه قسطا من الراحة قبل الزحف على معاقل الغدر والخيانة في بني قريظة لمحسابتهم.
(1) انظر أهم بنود هذه المعاهدة في كتابنا (غزوة أحد) ص 34 وما بعدها، انظر بنود هذه المعاهدة مفصلة في كتاب (الوثائق السياسية) للدكتور محمد حميد الله ص 1 وما بعدها، وسيرة ابن هشام جـ 1 ص 501.
ولكن الأوامر الصريحة المشددة جاءته من السماء بأن لا يفعل، وأن يسارع -قبل أن يضع جنده السلاح- بالزحف على حصون اليهود لإنزال العقاب العادل بأولئك الخونة المجرمين الذين كانوا -بغدرهم وخيانتهم- يتسبيون في إبادة الجيش الإسلامي الناشئ الصغير ومحو الكيان الإسلامي من الوجود.
فقد روي البيهقي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان عندها، قالت: فسلم علينا رجل ونحن في البيت فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقمت في أثره، فإذا رجل على فرس والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ على معرفة الفرس يكلمه، قالت
…
، فرجعت، فلما دخل صلى الله عليه وسلم قلت
…
من ذلك الرجل الذي تكلمه؟ .
قال
…
بمن تشبهينه؟ .
قلت
…
بدحْية الكلبي
قال ذاكِ (بكسر الكاف) جبريل (عليه السلام)، أمرني أن أمضى إلى بني قريظة.
وروي ابن إسحاق، قال
…
ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون قد وضعوا السلاح.
فلما كانت الظهيرة أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم معتجرًا بعمامة من استبرق على بغلة عليها رحالة. عليها قطيفة من ديباج فقال
…
أَوَقَد وضعت السلاح يا رسول الله؟
قال .. نعم.
فقال جبريل
…
ما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزلهم.