الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب العاشر: التأليف والمؤلفون في التراث الأدبي الأندلسي:
الفصل الأول: نشأة التأليف عن الأندلس:
من المسلمات التاريخية أن العلماء في الأندلس لم يكتبوا عن آدابهم، وعلومهم وتاريخهم إلا في وقت متأخر نسبيًّا، فإن أول كتاب كتبه أندلسي -فيما نعمل- هو "كتاب القضاة بقرطبة" لمؤلفه محمد بن حارث الخشني1 المتوفى سنة 360هـ، والخشني ليس أندلسيًّا بالميلاد، وإنما هو تونسي من القيروان، دعاه إلى قرطبة الخليفة الأموي الأندلسي المثقف الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر، وكان الحكم المستنصر قد أنشأ مكتبه نفيسة فريدة تضم أربعمائة ألف مجلد في كل فنون العلم والآداب والفنون في ذلك الزمان التي كانت تمثل مدينة قرطبة فيه صفة العاصمة الثقافية للعالم كله. إسلامي وغير إسلامي.
مكن الخليفة المستنصر لضيفه العالم الإفريقي القيرواني في أن يقيم في قرطبة إقامة ميسرة الأسباب، وأتاح له فرصة الانتفاع بالمكتبة المستنصرية الكبيرة وطلب إليه تأليف كتاب القضاة سالف الذكر، فأذعن العالم الجليل لطلب الخليفة العالم المثقف، وفرغ من تأليف كتابه هذا قبل سنة 360هـ، وهي السنة التي توفي فيها المؤلف.
وهنا قد نسمح لأنفسنا -ما دام المؤلف غير أندلسي المولد- أن نقرر أن الكتاب من تأليف مؤلف غير أندلسي، وإنما هو إفريقي هاجر إلى الأندلس.
غير أننا نسارع إلى القول إن كتابًا آخر في تاريخ الأندلس، قد كتب في تلك الفترة الزمنية نفسها أو بعدها بقليل، إنه "تاريخ افتتاح الأندلس" للعالم الأندلسي المولد والأصل أبي بكر محمد القرطبي المعروف بابن القوطية المتوفى سنة 367هـ.
1 قام على نشره المستشرق ريبيرا وترجمه إلى الأسبانية.
ويتناول الكتاب تاريخ الأندلس منذ الفتح الإسلامي حتى سنة 300هـ منتهيًا بوفاة الأمير عبد الله الأموي الأندلسي1.
وكان ابن القوطية على علم بالعربية بصيرًا بفروعها، كما كان حسن التدين، ضليعًا في العلوم الدينية وله في ذلك عدة من المؤلفات، غير أنه لم يكن محايدًا في بعض أحكامه التاريخية، وكان يميل إلى التحمس لجانب قومه الأندلسيين القوطيين، ويجنح إلى التعصب على العرب والنبل منهم، فإذا ذكر ملوك الأسبان - وهو من سلالة بعضهم- بالغ في مدحهم وإعلاء منزلتهم، وإذا ذكر العرب نال من قدرهم وحط من شأنهم، ويبدو ذلك واضحًا في خلع صفات السياسة والكياسة والعلم والثقافة على "قريبه" الأمير أرطباس القوطي، وفي الوقت نفسه يرمي الصميل بن حاتم القائد العربي المتوفى سنة 142 في سجن عبد الرحمن الداخل بالجهل والغفلة، ويسوق خبرًا مضحكًا في هذا السبيل ملخصه أن الصميل سمع معلمًا يقرأ على الصبيان الآية الكريمة {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} فقاطعه الصميل قائلًا: بل الآية: وتلك الأيام نداولها بين العرب. وهنا تنبه المعلم إلى خطئه وأعاد قراءة الآية على سمعه قراءة صحيحة، فصاح الصميل قائلًا: سبحانك ربي أن تجعل الحكم في أرذال الناس دون العرب.
إن القصة على ما فيها من فكاهة، تدل على عصبية ظاهرة عند ابن القوطية على العرب، فليس كل العرب على نمط الصميل، وليس كل القوط على نمط أرطباس، الأمر الذي يسم ابن القوطية بسمعة الشعوبية، وهي نغمة كريهة في كل زمان ومكان، وإن الأمر الذي لا يجعل لابن القوطية وسيلة يبرر من خلالها تصرفه هذا الخاطئ المنحرف أنه ألف كتابه -فيما لو تأكد أن الكتاب له- في زمن الناصر والمستنصر حينما كانت الأندلس بكل سكانها -وصفوتهم من العرب- تتألف بنور المعرفة وتتيه على الدنيا كلها علمًا وثقافةً وأدبًا وسماحة وقوة.
على أن هناك قرينة تضعف من نسبة الكتاب إلى ابن القوطية وتميل إلى أنه من تأليف أحد تلاميذه؛ لأن عبارات بعينها تردد على صفحات الكتاب مثل: قال شيخنا أبو بكر -يعني ابن القوطية- أو عبارة: قال ابن القوطية.
ويجيء صديقنا وزميلنا الدكتور أحمد مختار العبادي بقرينة أخرى هي أن ابن الفرضي صاحب معجم "تاريخ علماء الأندلس" لم يذكر الكتاب في جملة ما ذكر من مؤلفات ابن
1 قام على نشر الكتاب باسكوال دي جانيجوس، وترجمه ريبيرا إلى اللغة الأسبانية.
القوطية الأخرى، مع أن ابن الفرضي كان أحد تلاميذه1.
نفهم مما سبق قوله أن صاحب "كتاب القضاة بقرطبة" لم يكن أندلسيًّا، وأن المؤلف الآخر الذي لا شك في أندلسيته، ونعني به ابن القوطية مشكوك في نسبة كتاب "تاريخ افتتاح الأندلس" إليه، بل إن الأمر يتعدى هذا النطاق إلى ما هو أخطر منه، فإن ابن القوطية قد استقى أكثر أخبار كتابه ورجع في أكثر رواياته إلى ما ألفه العلماء والمؤرخون المصريون عن المغرب والأندلس، وقد أفرد الشيخ محمد رضا الشبيبي كتابًا قيمًا في هذا الشأن، وتابع ابن القوطية في مصادره وردها إلى أصولها، وأطلق الشيخ على كتابه اسم "أدب المغاربة والأندلسيين في أصوله المصرية"2.
2-
فإذا فتشنا عن كتب أخرى في تاريخ الأندلس أو الأدب الأندلسي كتبت في وقت مبكر، فإن الفكر يذهب بنا إلى كتاب العقد الفريد لأحمد بن عبد ربه المتوفى سنة 328هـ وقد عاش النصف الثاني من القرن الثالث، وأكثر من ربع القرن الرابع، وأنه من المعروف أن "العقد الفريد" موسوعة أدبية تاريخية فكرية إخبارية عن المشرق وليس عن الأندلس، وإذا تابعنا قراءته بعناية فلن نعثر فيه إلا على صفحات قليلة بين مجلداته العديدة أرخ فيها باختصار إلى ذلك، فإنه كان يتحدث عن بني أمية في المشرق - والكتاب أنشئ عن المشرق هدفًا ومقصدًا- فرأى أن يجاهل الملوك الأمويين الأندلسيين الذين كانوا يوفونه قدره من التوقير والتكريم بأن يذكر شيئًا من تاريخهم، ولم يزد على ذلك شيئًا سوى بعض شعره وأشعار أخرى قالها في فتوح عبد الرحمن الناصر ووقائعه الحربية.
ربما تقع أنظارنا على أسماء بعض الكتب التي ألفها مؤلفوها الأندلسيون، مثل كتاب "وصف الأندلس" لأحمد بن محمد الرازي المعروف بابن لقيط الكاتب المتوفى سنة 433هـ، وكتاب "مختصر تاريخ الطبري" لعريب بن سعد القرطبي طبيب المستنصر، وقد ألحق بمختصره هذا جزءًا خاصًّا بتاريخ المغرب والأندلس3، وكتاب "تاريخ الأندلس" لعيسى بن أحمد الرازي القرطبي المتوفى في أواخر القرن الرابع الهجري، وكتاب "تاريخ
1 في التاريخ العباسي والأندلسي صفحة "476".
2 الكتاب من مطبوعات معهد الدراسات العربية بالقاهرة.
3 قام دي خويه على نشر الجزء الخاص بتاريخ المشرق، وأما الجزء الخاص بالمغرب والأندلس فإنه مفقود.
علماء الأندلس" لابن الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي القرطبي ميلادًا ووفاة في مستهل القرن الخامس، فقد قتله البربر في داره بقرطبة يوم فتحها سنة 403هـ إبان الفتنة الأموية.
نقول إن أنظارنا تقع على أسماء هذه الكتب التي ألفها مؤرخون، وعلماء أندلسيون في القرن الرابع، ولكن أيدينا لا تمسك من بينها إلا بكتاب واحد هو "تاريخ علماء الأندلس" لابن الفرضي، فأما الكتب الأخرى التي ذكرنا فهي مفقودة.
ومن ثم يكون الكتاب الوحيد المبكر زمنًا وتأليفًا الذي لا تحوم حول مؤلفيه شكوك من حيث أندلسيته، أو نسبة الكتاب إليه هو الكتاب الأخير، ومؤلفه -ابن الفرضي- مؤرخ دقيق، وحافظ لعلوم الحديث والفقه، وأديب شاعر وكاتب، وقاض وسياسي فقد ولي قضاء بلنسية في دولة محمد المهدي المرواني، ولابن الفرضي غير "تاريخ علماء الأندلس" كتابًا في الحديث هما "المؤلف والمختلف" والمتشابه في أسماء رواة الحديث وكناهم" وله أيضًا كتاب "أخبار شعراء الأندلس"1.
نريد أن ننتهي إلى القول بأن الأندلسيين لم يؤلفوا في تاريخهم أو أدبهم قبل القرن الرابع، وربما كان كتاب "أخبار شعراء الأندلس" الذي مر ذكره قبل قليل هو أول محاولة لتدوين أسماء وأخبار الشعراء الأندلسيين وأشعارهم، ولكنه قد ضاع مع غيره من كتب أخرى، ومن ثم فإنه يصعب علينا إصدار حكم عليه إلا من خلال ثقتنا بقدرة مؤلفه العلمية وحسن الظن به.
3-
ولكن هل من المعقول ألا تكون هناك كتب في تاريخ الأندلس وآدابها قبل القرن الرابع الذي هو استغرق حديثنا في الصفحات القليلة الماضية؟ الواقع أن هناك أكثر من مولف حول الأندلس كتب قبل القرن الرابع، هذا فضلًا عن الأخبار والروايات، التي كانت تلقى في دروس جامع عمرو بن العاص في مصر عن أخبار الأندلس وفتوحاتها، واشتغل بذلك علماء أجلاء مصريون مثل عبد الله بن لهيعة المتوفى 174هـ والليث بن سعد المتوفى 175هـ.
لقد اشتغل العلماء المصريون بقضايا الأندلس وأخباره -بحكم موقع مصر بين الشرق الإسلامي وغربه- منذ القرن الثاني الهجري، فلما كان القرن الثالث الهجري ظهر أول كتاب عن المغرب الأندلسي هو "فتوح مصر والمغرب والأندلس" لعبد الرحمن بن عبد الله بن
1 راجع الصلة لابن بشكوال "ص248" وما بعدها.
عبد الحكيم العالم المصري المتوفى سنة 257هـ الذي تتلمذ عليه عدد من علماء المغاربة والأندلسيين، ويعتبر كتاب ابن عبد الحكم من أدق الكتب التي عالجت تاريخ فتح الأندلس، وقد يكون من الأمور الطريفة أن يصبح هذا الكتاب مصدرًا للمؤرخين الأندلسيين أنفسهم مثل ابن الفرضي في كتابه "تاريخ علماء الأندلس" وابن خير في "الفهرست" والحميدي في "جذوة المقتبس" وغيرهم1.
وعبد الرحمن بن الحكم ينتمي إلى أسرة علم وفضل ورياسة، فإن الإمام الشافعي لما نزل مصر أقام عندهم فترة من الزمن وكان موضع ترحيب من لدن عبد الله والد عبد الرحمن كما أن لعبد الرحمن أخًا نجيبًا هو محمد بن عبد الله بن الحكم الذي كان صديقًا للإمام الشافعي وموضعًا لتقديره لعلمه وفضله وفقهه، وقد انتهت إلى محمد هذا الرئاسة في مصر2، ومن طريف الخبر أن أسرة ابن عبد الحكم على الرغم من وثيق صلتها بالشافعي كانت على مذهب مالك.
وبين أيدينا كتاب آخر عن تاريخ الأندلس كتبه مؤلفه في القرن الثالث الهجري، أما الكتاب فهو "كتاب خلق الدنيا" وأما مؤلفه فهو عبد الملك بن حبيب الإلبيري المتوفى سنة 238هـ ولذلك فإن الكتاب يعرف بـ "تاريخ عبد الملك بن حبيب الألبيري"3.
وربما قفز إلى الخاطر القول بأن المؤلف أندلسي كما هو واضح من اسمه ونسبته، وهذا أمر كامل الصواب، فالرجل أندلسي، قرطبي الوفاة، ولكنه ترك الأندلس فترة طويلة من الزمان، ووفد إلى مصر وعاش فيها ودرس على علمائها وفيها ألف كتابه هذا الذي هو موضوع حديثنا، مستقيًا أخباره ومادته المصرية، على الرغم من أن المؤلف عاد في آخر أيامه إلى قرطبة حيث اشتغل معلمًا بمسجدها.
وهكذا تكون الكتابة عن الأندلس تاريخًا وإخبارًا وأدبًا إلى حد ما قد بدأت في مصر على يد عالم مصري، وآخر أندلسي الميلاد مصري الثقافة والإقامة، وبعد ذلك كان الأندلسيون قد بلغوا رشدهم الثقافي فتناولوا أمورهم الثقافية والأدبية، والتاريخية بأنفسهم فأصدروا تلك الكنوز الثمينة من الكتب في مختلف فنون المعرفة ومن بينها الأدب الذي هو موضوع دراستنا في هذا المقام.
1 في التاريخ العباسي والأندلسي "ص473، 474".
2 وفيات الأعيان "4-193".
3 قام بنشر القسم الأندلسي منه الدكتور محمود علي مكي في مجلة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد سنة "1952".