المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ملامح كتاب "الذخيرة" ومنهجه: - مناهج التأليف عند العلماء العرب

[مصطفى الشكعة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌تمهيد

- ‌الباب الأول: فجر التحرك العقلي العربي

- ‌الفصل الأول: فجر الحركة العلمية

- ‌الفصل الثاني: فجر الحركة التاريخية

- ‌الفصل الثالث: حركة التدوين

- ‌مدخل

- ‌تدوين القرآن الكريم وتفسيره:

- ‌تدوين الحديث:

- ‌تدوين العلوم والمعارف:

- ‌الباب الثاني: الكتابة والإنشاء

- ‌الفصل الأول: الكتابة بدأت عربية دون تأثير فارسي

- ‌مدخل

- ‌يحيى بن يعمر العدواني:

- ‌عبد الله الطالبي:

- ‌الفصل الثاني: إسهام المسلمين في تطوير الكتابة من منطلق عربي

- ‌عبد الحميد بن يحيى:

- ‌عبد الله بن المقفع وتصانيفه

- ‌الفصل الثالث: مسيرة الكتابة العربية كأداة للتأليف:

- ‌الفصل الرابع: مصادر النثر العربي

- ‌الباب الثالث: رواد التأليف الأدبي غير المتخصص

- ‌الفصل الأول: التأليف يبدأ شاباًَ بغير طفولة

- ‌الفصل الثاني: المفضل الضبي:

- ‌الفصل الثالث: النضر بن شميل

- ‌الفلصل الرابع: ابن الكلبي

- ‌الفصل الخامس: أبو عبيدة:

- ‌الفصل السادس: الأصمعي

- ‌الفصل السابع: الهيثم بن عدي:

- ‌الفصل الثامن: المدائني:

- ‌الباب الرابع: التأليف الأدبي المنهجي

- ‌الفصل الأول: أبو عثمان الجاحظ

- ‌الفصل الثاني: ابن قتيبة الدينوري:

- ‌الفصل الثالث: أبو حنيفة الدينوري:

- ‌الفصل الرابع: أبو العباس المبرِّد

- ‌الفصل الخامس: أبو العباس ثعلب:

- ‌الفصل السادس: أحمد بن أبي طاهر "ابن طيفور

- ‌الفصل السابع: أبو بكر الصولي

- ‌الفصل الثامن: المرزباني

- ‌الفصل التاسع: أبو منصور الثعالبي

- ‌الباب الخامس: العقد الفريد والأغاني

- ‌الفصل الأول: أحمد بن عبد ربه "والعقد الفريد

- ‌مدخل

- ‌ العقد الفريد:

- ‌الفصل الثاني: أبو الفرج الأصفهاني والأغاني

- ‌كتاب الأغاني

- ‌مؤلفات أبي الفرج:

- ‌قيمة كتاب الأغاني ومنهجه:

- ‌مختصرات الأغاني:

- ‌الباب السادس: كتب الأمالي:

- ‌الفصل الأول: نشأة الأمالي

- ‌الفصل الثاني: مجالس ثعلب

- ‌الفصل الثالث: أمالي اليزيدي

- ‌الفصل الرابع: أمالي القالي

- ‌مدخل

- ‌ذيل الأمالي والنوادر:

- ‌الفصل الخامس: كتاب الإمتاع والمؤانسة:

- ‌الفصل السادس: أمالي الشريف المرتضى:

- ‌الفصل السابع: أمالي ابن الشجري:

- ‌الباب السابع: طبقات الشعراء

- ‌الفصل الأول: طبقات ابن سلام الجمحي

- ‌مدخل

- ‌طبقات الشعراء لابن سلام الجمحي:

- ‌الفصل الثاني: الشعر والشعراء لابن قتيبة:

- ‌الفصل الثالث: طبقات الشعراء لابن المعتز:

- ‌الفصل الرابع: معجم الشعراء للمرزباني:

- ‌الفصل الخامس: بقية الطبقات حسب التدرج الزمني:

- ‌الباب الثامن: الاختيارات الشعرية والحماسات

- ‌الفصل الأول: المراحل الأولى في الاختيارات

- ‌السموط أو المعلقات:

- ‌المفضليات:

- ‌الأصمعيات:

- ‌جمهرة أشعار العرب

- ‌ شعر القبائل:

- ‌شعر الهذليين:

- ‌الفصل الثاني: كتب الحماسة

- ‌مدخل

- ‌حماسة أبي تمام:

- ‌ حماسة البحتري

- ‌ حماسة الخالديين "الأشباه والنظائر

- ‌ الحماسة الشجرية

- ‌ الحماسة البصرية:

- ‌الباب التاسع: كتب التراجم

- ‌الفصل الأول: الفهرست لابن النديم

- ‌مدخل

- ‌الفهرست لابن النديم

- ‌منهج الكتاب:

- ‌الفصل الثاني:‌‌ تاريخ بغدادللخطيب البغدادي:

- ‌ تاريخ بغداد

- ‌منهج كتاب تاريخ بغداد:

- ‌الفصل الثالث:‌‌ معجم الأدباءلياقوت الرومي:

- ‌ معجم الأدباء

- ‌منهج ياقوت في معجم الأدباء:

- ‌الفصل الرابع: وفيات الأعيان

- ‌وفيات الأعيان، وأنباء أبناء الزمان:

- ‌فوات الوفيات:

- ‌الوافي بالوفيات

- ‌منهج الكتاب:

- ‌الفصل الخامس: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر

- ‌مدخل

- ‌منهج "خلاصة الأثر

- ‌الباب العاشر: التأليف والمؤلفون في التراث الأدبي الأندلسي:

- ‌الفصل الأول: نشأة التأليف عن الأندلس:

- ‌الفصل الثاني: بداية التأليف عن الأدب الأندلسي

- ‌مدخل

- ‌قلائد العقيان، ومطمح الأنفس

- ‌قلائد العقيان:

- ‌مطمح الأنفس ومسرح التأنس

- ‌الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة:

- ‌ملامح كتاب "الذخيرة" ومنهجه:

- ‌التعاون والتعاقب في تأليف كتاب واحد:

- ‌منهج "المغرب" وخصائصه:

- ‌الفصل الرابع: مؤلفات علي بن موسى بن سعيد:

- ‌رايات المبرزين، القدح المعلى، الغصون اليانعة:

- ‌الفصل الخامس: كتب التراجم في الأندلس:

- ‌كتب التراجم لأدباء الأندلس

- ‌سلسة كتب تاريخ علماء الأندلس والصلة وتكملة الصلة

- ‌المطرب في أشعار أهل المغرب:

- ‌الفصل السادس:‌‌ لسان الدينبن الخطيب والكتيبة الكامنة

- ‌ لسان الدين

- ‌منهج الكتيبة الكامنة:

- ‌الفصل السابع: كتب تاريخية في خدمة الأدب الأندلسي

- ‌مدخل

- ‌نقط العروس في أخبار بني أمية بالأندلس:

- ‌ المقتبس في أخبار الأندلس:

- ‌ تاريخ المن بالإمامة:

- ‌ المعجب في تلخيص أخبار المغرب:

- ‌ الحلّة السِّيراء:

- ‌ البيان المُغرب في أخبار المَغرب:

- ‌ الذيل والتكملة لكتابي الموصل والصلة:

- ‌الفصل الثامن: المشارقة والدراسات الأدبية الأندلسية

- ‌ المشارقة والأدب الأندلسي:

- ‌ المقري ونفح الطيب:

- ‌ منهج نفح الطيب وموضوعاته:

- ‌الباب الحادي عشر: الموسوعات العربية

- ‌الفصل الأول:‌‌ ظهور الموسوعة العربيةوالعصر المملوكي

- ‌ ظهور الموسوعة العربية

- ‌الموسوعات والعصر المملوكي:

- ‌الفصل الثاني: الموسوعات المملوكية وكتابها:

- ‌ابن منظور ولسان العرب:

- ‌النويري ونهاية الأرب:

- ‌صلاح الدين الصفدي، وابن شاكر الكتبي:

- ‌ابن فضل العمري ومسالك الأبصار

- ‌القلقشندي وصبح الأعشى:

- ‌المقريزي ومؤلفاته:

- ‌ابن حجر ومؤلفاته:

- ‌ابن تغري بردي ومؤلفاته:

- ‌السخاوي وكتبه:

- ‌الفصل الثالث:‌‌ موسوعات ما قبل العصر المملوكيبواكير الموسوعات:

- ‌ موسوعات ما قبل العصر المملوكي

- ‌بواكير الموسوعات:

- ‌المراجع

- ‌محتويات الكتاب

الفصل: ‌ملامح كتاب "الذخيرة" ومنهجه:

على العشر، ويكون ابن بسام ألف كتابه في حدود سنة 532 وما بعدها، أي أنه كتبه بعد وفاة الفتح بن خاقان احتمالًا، وبعد تأليف الفتح كتابيه "القلائد" و "المطمح" ترجيحًا إن لم يكن قطعًا.

على أن هذا الترتيب الزمني بين كتابي الفتح بن خاقان، وكتاب ابن بسام لا يعني أن التقدم الزمني يرتبط بالسبق الفني، فإن ذلك أمر غير وارد، فإن إعجاب المتأدبين بالذخيرة لا يقاس به إعجابهم بالقلائد أو المطمح، بل إن أمر زيادة الاستحسان نحو الذخيرة يكمن في أن رجلًا نشأ في قاصية الغرب يستطيع إبداع مثل هذا الكتاب، ولقد استغرب صاحب المسهب حسبما يروي ابن سعيد "أنه يبعث من مدينة شنترين قاصية الغرب، ومحل الطعن والضرب من ينظمها قلائد في جيد الدهر، ويطلعها ضرائر للأنجم الزهر"1.

وليس من شك في أن ابن بسام كان يحيا حياة مرحة باسمة، ويعيش عيشة ناعمة إن لم تكن صاخبة في شنترين قبل أن يرزأ بآلام الغربة وقلق الشتات، ولعل هذه الأبيات من شعر تعتبر قرينة على ذلك حين يقول في صدر شبابه وهو بشنترين:

ألا بادر فما ثانٍ سوى ما

عهدت: الكأس والبدر التمام

ولا تكسل برؤيته ضبابًا

تغص به الحديقة والمدام

فإن الروض ملتئم إلى أن

توافيه فينحط اللثام

هذا وأبو الحسن علي بن بسام الشنتريني كاتب أنيق الأسلوب في الكتابة مع التزام السجع والمحسنات -شأن كل كتاب زمانه- وأما شعره الذي أورد الكثير منه في "الذخيرة" فإنه لا يضعه في مرتبة مرضية بين شعراء الأندلس. ومهما كان الأمر فإن عمله الكبير والوحيد هو كتابه "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" فلنعرض إذن لكتاب الذخيرة.

1 المغرب "1/ 417".

ص: 519

‌ملامح كتاب "الذخيرة" ومنهجه:

أولًا: يعالج الكتاب أدب القرن الخامس الهجري وحده من شعر ونثر، ويعرف بشعرائه وكتابه تعريفًا يفي بغرض الدارس، ويعلن عن ذلك في مقدمة كتابه بقوله:"واعتمدت المائة الخامسة من الهجرة فشرحت بعض محنها، وجلوت وجوه فتنها، ولخصت القول بين قبيحها وحسنها، وأحصيت علل استيلاء طوائف الروم على الإقليم، وألمعت بالأسباب التي دعت ملوكها إلى خلعهم، واجتثاث أصلهم وفرعهم، وعبرت عن أكثر ذلك، بلفظ يتتبع الهم بين الجوانح، ويحل العصم سهل الأباطح"1.

1 مقدمة الذخيرة ص 7.

ص: 519

ويؤكد ابن بسام على التزامه بالترجمة لأدباء القرن الذي عاشه دون سواه من العصور السابقة إيمانًا منه بالتخصص، والتخصص سبيل الإجادة، فيقول:"ولم أعرض لشيء من أشعار الدولة المروانية، ولا المدائح العامرية، إذ كان ابن فرج الجياني قد رأى رأيي في النصفة، وذهب مذهبي في الأنفة، فأملى في محاسن أهل زمانه "كتاب الحدائق" معارضًا "كتاب الزهرة" للأصبهاني، فأضربت أنا عما ألف، ولم أعرض لشيء مما صنف، ولا تعديت أهل عصري، ممن شاهدته بعمري، أو لحقه بعض أهل دهري، إذ كل مردد ثقيل، وكل متكرر مملول"1.

وإذن فإن إحدى خواص كتاب الذخيرة أنه متخصص في قرن بعينه، هو القرن الخامس وهو أزهى عصور الأندلس في الأدب والعلم والثقافة، وقد كتب الفتح بن خاقان كتابه قلائد العقيان على النهج نفسه أي في زمان بعينه، والحق أن كثيرًا مما ضمنه ابن بسام كتابه قد نسبه إليه الفتح بن خاقان في القلائد، ومن ثم فإن ابن بسام لم يلتزم الشعار الذي أطلقه حين قال:"كل مردود مرذول" غير أن نظرة ابن بسام أوسع وأرحب وتناوله أدق وأعمق وتبدو الموضوعية واضحة في معانيه ومراميه، كما أنه متسم بالحيدة في أحكامه على قدر اجتهاده وليس كذلك ابن خاقان في قلائده.

ثانيًا: يحمل الكتاب مسحة تاريخية على جانب كبير من الفائدة، ولا تتأتى هذه الفائدة من ناحية كون التاريخ والأدب كلاهما مكمل الآخر، ولكن من ناحية اعتماد ابن بسام في أخباره التاريخية على كتاب "المتين" لابن حيان، ويذكر ابن بسام ذلك صراحة منه وأمانة: فيقول: وعولت في ذلك على تاريخ أبي مروان ابن حبان فصوله، وأوردت جمله وتفاصيله2 وبذلك يكون ابن بسام قدم إلى دارسي الأدب مادة ثمينة، وإلى دارسي التاريخ مجمل كتاب نفيس مفقود.

ثالثًا: عمد ابن بسام في كتابه إلى إظهار فضل الأندلسيين في الأدب نثرًا وشعرًا مع تحمس شديد لهم -وهو في ذلك صاحب حق- غير أنه حاول أن ينال من المشارقة برفق وأن يكبح جماح قومه، ويقلل من حماسهم نحو الاقتصار على الاهتمام بأدب المشارقة وحدهم، وهو يظهر غيرة شديدة غير محمودة في هذا المقام، فإذا كان الأندلسيون قد بلغوا مرتبة سامية من المكانة في دنيا الأدب، فإن ذلك لا يعني الانصراف عن أدب المشارقة، ومن ثم فلقد كان ابن بسام مصيبًا في التحمس لأدب قومه، مخطئًا في محاولة التقليل من

1 مقدمة الذخيرة "ص2".

2 المصدر السابق "ص7".

ص: 520

أدب المشارقة، ونرجو مخلصين ألا تكون بالرجل مسحة شعوبية، ويقول ابن بسام في هذا المقام1.

وما زال في أفقنا هذا الأندلسي القصي إلى وقتنا هذا من فرسان الفنين وأئمة النوعين، قوم هم ما هم طيب مكاسر وصفاء جواهر، وعذوبة موارد، ومصادر لعبوا بأطراف الكلام المحلق، فصبوا على قوالب النجوم غرائب المنثور والمنظوم، وباهوا غرر الضحى لولاه حكمه، ونظم لو سمعه كثير ما نسب ولا مدح، أو تتبعه جرول ما عوى وما نبح، إلا أن أهل هذا الأفق أبوا إلا متابعة أهل الشرق، يرجعون إلى أخبارهم المعتادة، رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طن بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنمًا وتلوا ذلك كتابًا محكمًا، وأخبارهم الباهرة، وأشعارهم السائرة، مرمى القصبة ومناخ الرذية، لا يعمر بها جنان ولا خلد، ولا يصرف فيها لسان ولا يد، فغاظني منهم ذلك، وأنفت مما هنالك، وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من حسنات دهري، وتتبع محاسن أهل بلدي وعصري، غيرة لهذا الأفق الغريب أن تعود بدوره أهلة، وتصبح ثماره ثمارًا مضمحلة، مع كثرة أدبائه، ووفور علمائه وقديمًا ضيعوا العلم وأهله، ويا رب محسن مات إحسانه قبله، وليت شعري من قصر العلم على بعض الزمان وخص أهل المشرق بالإحسان؟

إن إسرافًا شديدًا وتحاملًا غير كريم على أدب المشرق وأدبائه يبدو سافرًا صارخًا في تلك السطور التي قدم ابن بسام بها كتابه، وهو عيب يحسب عليه، وسقطة تردى فيها، فما زال شعراء المشرق هم أساتذة الشعر وإن لمع في سماء الأندلس نجوم، وما برح كتاب المشرق هم أئمة الكتاب وكل كتاب الأندلس بلا استثناء حتى عصر المؤلف عيال عليهم وصورة مهتزة عنهم، إن مجرد الحماس أمر لا غبار عليه، وهو مطلوب مفيد في بعض الأحيان أما التحامل والتجني والتحقير، فأمور لا ينبغي أن يتصف بها مؤلف إذا أراد أن ينتظم في عقد الصادقين من المؤرخين والرواة والمؤلفين.

ولذلك فيقدر عيبنا ابن بسام حملته تلك الشعواء على المشارقة، فإننا لا نجد ضيرًا عليه في تحمسه لكتابه ومحتواه، وخلع الصفات الغالية عليه حين قال:2

1 مستهل مقدمة الذخيرة.

2 مقدمة الذخيرة "ص3، 4".

ص: 521

"وقد أودعت هذا الديوان الذي سميته بكتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة من عجائب علمهم، وغرائب نثرهم ونظمهم ما هو أحلى من مناجاة الأحبة، بين التمتع والرغبة، وأشهى من معاطاة العقار على نغمات المثاليث والأزيار؛ لأن أهل هذه الجزيرة منذ كانوا رؤساء خطابة، ورءوس شعر وكتابة، تدفقوا فأنسوا البحور، وأشرقوا فباروا الشموس والبدور، وذهب كلامهم بين رقة الهواء، وجزالة الصخرة الصماء، كما قال صاحبهم عبد الجليل بن وهبون يصف شعره:

رقيق كما غنت حمامة أيكةٍ

وجزل كما شق الهواء عقاب

على كونهم بهذا الإقليم، ومعاقبتهم لطوائف الروم، وعلى أن بلادهم آخر الفتوح الإسلامية، وأقصى خطى المآثر العربية، ليس وراءهم وأمامهم إلا البحر المحيط، والروم والقوط، فحصاة من هذه حاله بتير وثمده بحر مسجور".

رابعًا: بينما يتعصب ابن بسام لقومه ذلك التعصب البغيض ضد المشارقة نجده يفاجئنا في القسم الأخير من كتابه بأدب الوافدين على الأندلس من المشرق، وهم كثيرون، وكلهم في الرتبة الرفيعة أدبًا وعلمًا، ولا عليه في ذلك، فربما اعتبرهم أندلسيين ما داموا قد حلوا بالأندلس، وأقاموا فيها إقامة موقوتة أو دائمة، وإنما الذي يدعو إلى الدهشة حقًّا أن يترجم ابن بسام لأدباء مشارقة لم تطأ أقدامهم أرض المغرب أو الأندلس، بل إنهم ليسوا من رجال القرن الخامس الذي أخذ ابن بسام العهد على نفسه ألا يترجم لغير رجاله، فضلًا عن تعمده أن يكونوا أندلسيين، إنه يترجم للعديد من المشارقة من رجال القرن الرابع مثل الشريف الرضي ومهيار الديلمي وأبي منصور الثعالبي وغيرهم، ومن ثم، فإن كتاب الذخيرة، على رغم تحامل صاحبه على المشارقة وتحمسه الشديد للأندلسيين، وتعهده بألا يترجم لغيرهم ملأ صفحات كثيرة من كتابه الكبير بعدد من أدباء المشارقة، وذكر بعض أدبهم وأخبارهم، وهو أمر إن يكن معيبًا منهجيًّا، فإنه مفيد علميًّا، فإن للرجل أسلوبه الخاص وطريقته الواضحة في تقديم الأدباء وآثارهم.

خامسًا: وما دمنا بصدد الحديث عن تعصب ابن بسام على المشارقة، فإننا لا نجد مفرًّا من أن نذكر أنه هو نفسه تلميذ للمشارقة وعالة عليهم في منهج كتابه هذا، إنه من حيث المنهج صورة دقيقة للثعالبي في كتاب "يتيمة الدهر".

إن الثعالبي قسم كتابه -حسبما مر بنا في مكانه من هذا الكتاب- إلى أربعة أقسام هي: القسم الأول في آل حمدان وشعرائهم وغيرهم من أهل الشام وما يجاورها والموصل ومصر والمغرب والأندلس، والقسم الثاني في أشعار أهل العراق والدولة الديلمية، وكتابهم والقسم الثالث في أشعار أهل الجبل وفارس وجرجان، وطبرستان وأصفهان من وزراء وكتاب

ص: 522

وقضاة وشعراء وأخبارهم، والقسم الرابع في أهل خراسان وما وراء النهر من أدباء الدولة السامانية، والغزنوية، وبخارى.

إنه المنهج نفسه، والتقسيم عينه الذي اتبعه ابن بسام في "الذخيرة"، فيقول: وقسمته أربعة أقسام: الأول لأهل خضرة قرطبة وما يصاقبها من بلاد متوسطة الأندلس، ويشتمل من الأخبار وأسماء الرؤساء وأعيان الكتاب والشعراء ويذكر أسماء من ترجم لهم، وأخبارهم وآثارهم الأدبية، والأحداث التاريخية التي ألمت بتلك المناطق مبتدئًا بالمستعين بالله سليمان ابن الحكم -ومنتهيًا بأبي طالب عبد الجبار من جريرة شقر1 وهذا القسم من الكتاب مطبوع في مجلدين قام على تحقيقه فريق من النابهين من خريجي كلية الآداب، بجامعة القاهرة سنة 1939-1942 على الترتيب.

والقسم الثاني من الكتاب خصصه المؤلف لأهل الجانب الغربي من الأندلس، ذكر فيه إشبيليه وما اتصل بها من بلاد ساحل البحر الرومي "الأبيض المتوسط" ويشتمل على عدد كبير من الأعيان والشعراء والوزراء ابتداء من رأس بني عباد: القاسم بن عباد وانتهاء بالأديب أبي محمد بن سارة الشنتريني2.

والقسم الثالث جعله المؤلف لأهل الجانب الشرقي من الأندلس "ومن نجم من كواكب العصر في أفق ذلك الثغر الأعلى إلى منتهى كلمة الإسلام هناك، وفيه من القصص وأسماء الرؤساء وأعيان الكتاب والشعراء طوائف3.

والقسم الرابع أفرده المؤلف للوافدين على بلاد الأندلس خلال القرن الخامس الهجري من شعراء وكتاب، وألحق به ذكر طائفة من مشهوري الأدباء والشعراء في إفريقية والشام والعراق لم تطأ أقدامهم أرض الأندلس، ولكن كانت شهرتهم قد طارت إلى سمائه، وآدابهم كانت وصلت إلى محافله وأجوائه4.

ولقد طبع من هذا القسم جانب صغير سنة 1945م يشتمل على أخبار وآثار تسعة شعراء وعلماء المشارقة الوافدين ابتداء من أبي العلاء صاعد اللغوي، وانتهاء بأخبار عبد الكريم بن فضال الحلواني، وهم في مجملهم أعلام مع ذكر كثير من الأحداث التي أوردها المؤلف أثناء الحديث عنهم، وهذا الجانب الذي تم طبعه لا يمثل أكثر من ربع القسم كله، وبذلك يكون المقدار الذي لم يطبع بعد من الذخيرة شاملًا القسمين الثاني، والثالث، وثلاثة أرباع

1 راجع أسماء من ترجم لهم في صفحة 11 من المقدمة.

2 راجع أسماء من ترجم لهم في صفحة 13 من المقدمة.

3 راجع محتويات هذا القسم الثالث في مقدمة الذخيرة ص16.

4 راجع محتويات هذا القسم الرابع في مقدمة الذخيرة صفحة 18.

ص: 523

الرابع، وهذا المقدار يمثل كنزًا ثمينًا ينبغي إزاحة الستار عنه، وذلك بتحقيقه تحقيقًا دقيقًا ونشره نشرًا متقنًا؛ لأنه لا غنًى عنه لكل من يعرض للدراسات الأدبية الأندلسية.

سادسًا: ولم يكن صاحب الذخيرة -على نفاستها- متعصبًا للأندلسيين على المشارقة وحدهم، وإنما كان متعصبًا للكتاب على الشعراء، فهو يخصهم بالتقديم ويغمرهم بالتكريم ويكثر من أخبارهم ومجاملتهم وهذا الأمر لا يعتبر غريبًا لأن ابن بسام ينتسب إلى طائفة الكتاب أكثر من انتسابه إلى طائفة الشعراء، ذلك أن نثره عذب على ما فيه من صناعة وترسله أنيق على ما فيه من إسراف في البديع، وشعره أقرب إلى النظم العادي إلا في حالات قليلة، كما أنه يقدم الملوك والأمراء دائمًا على الأدباء من كتاب وشعراء، إنه والأمر كذلك صورة دقيقة أخرى للثعالبي في "اليتيمة" وحسبنا أن نقرأ ما كتبه الثعالبي عن سيف الدولة الحمداني أو عضد الدولة البويهي من الملوك، وعن الكتاب، يكفينا أن نقرأ ما كتبه عن ابن العميد أو الصاحب بن عباد أو أبي إسحاق الصابي، أو بديع الزمان الهمذاني أو أبي بكر الخوارزمي، أو أبي الفرج الببغاء من الكتاب لنلمس كم كان الثعالبي متعصبًا للكتاب في اليتيمة، مثلما تعصب ابن بسام لهم في الذخيرة.

ومهما كان الأمر في المقارنة بين الكاتبين الكبيرين، فإننا نخالف من ذهب إلى تفضيل ابن بسام على الثعالبي، وهو ما ذهب إليه الأستاذ الدكتور طه حسين في تقديمه للذخيرة، إن جهد ابن بسام كله قد انحصر في كتابه هذا، وأما الثعالبي فقد كان متعدد الثقافات، وله العديد من المؤلفات الطريفة النفيسة -حسبما مر بنا الحديث عنه- وليس من العدل أن نقارن بين شخصيتين، ونقوم بتفضيل صاحب عمل واحد ناجح على صاحب أعمال كثيرة باهرة، هذا فضلًا على كونه -أي الثعالبي- رائد هذا اللون من التأليف الأدبي.

وكما أن "قلائد العقيان" ومطمح الأنفس يمثلان مصدرًا أساسيًّا للمؤرخين والمؤلفين المتأخرين في نطاق الدراسات الأندلسية، فإن "الذخيرة" هي الأخرى مصدر غني ومورد عذب نهل منه بغزارة كل من كتب بعد ابن بسام في تاريخ الأندلس وآدابها ويكفي أن كتاب "المغرب في حلى المغرب" أخذ عنه نيفًا وتسعين خبرًا ونصًّا.

هذا ومن الطريف أن علماء الأندلس كانوا -مثل المشارقة- يكمل المتأخر منهم ما فات المؤلف المتقدم أن يذكره، أو يصحح في حالات الخطأ، وقد فعل ذلك أبو عمرو ابن الإمام حين ألف كتابًا أسماه "سمط الجمان وسقط اللآلي وسقط المرجان" ذكر فيه من أخل ابن بسام والفتح بن خاقان بتوفية حقه من الفضلاء، واستدرك من لحقه بعصره في بقية المائة الخامسة، وقيل بل السادسة، إلا أن الكتاب لم يصل إلينا وإنما يأخذ عنه صاحبا "المغرب" و "نفح الطيب" كثيرًا.

ص: 524